بطرس بطرس غالي.. سنوات القطرس العجاف (2/2)

sobhihd

المذكرات تنبئنا بأنه بلغ الهرم الأعلى من السلطة، وأنه أخذ يراكم الإحباط فوق الإحباط لأنّ السادات كان يصغي إلى دراسات وتحليلات الإسرائيليين، أكثر بكثير من تلك التي ينجزها مساعدوه ومستشاروه، وعلى رأسهم غالي نفسه، بعد مشقة تمتدّ من آناء الليل إلى أطراف النهار. وما لا تقوله المذكرات، حفظته لنا حوليات التاريخ: أوّل عربي، مصري، أفريقي، يقود الأمم المتحدة؛ وبعد أن رفضت واشنطن تجديد ولايته، صار الأمين العام لمنظمة الفرنكوفونية الدولية، ثمّ نائب رئيس منظمة «الاشتراكية الدولية»، ثمّ رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر بعد تنحي حسني مبارك.
وكأنّ هذه السنوات لم تكن عجافاً بما يكفي لتسويد فصول حياته الأخيرة، فقد تحرّق غالي إلى إضافة السواد على السواد. ففي الأسابيع والأشهر التي سبقت انتفاضة 25 يناير، ظلّ سلوكه محابياً للنظام، راضياً عن الكثير من مؤسساته (بما في ذلك دورة مجلس الشعب، التي اتسمت بدرجة فاضحة من التزوير)؛ موافقاً على ترؤس هيأة لحقوق الإنسان يتألف غالبية أعضائها من رجالات النظام والحزب الوطني الحاكم (أمثال مقبل شاكر، مصطفى الفقي، وحسام بدراوي). وحول الموقف من التيارات الدينية، و«الإخوان المسلمين» تحديداً، كان أقصى الرأي عنده هو اعتبارهم «عقبة» في طريق الإصلاح، لأنّ تفكيرهم «رجعي». وهذا كلام صحيح بالطبع، شريطة أن يشمل جميع التيارات التي ترفع الدين فوق كلّ اعتبار مدني أو حقوقي، أو تجعله مصدر التشريع، أياً كانت الديانة أو المذهب أو الطائفة.
لكنّ آراء غالي، ما بعد الانتفاضة والاستقالة، تجذّرت أكثر بصدد الموقف من «الإخوان المسلمين»؛ بل الأحرى القول إنها تشدّدت على نحو غير مسبوق، لا يخون الحقوق الأساسية في التعبير والتجمّع وتشكيل الجمعيات والأحزاب، فحسب؛ بل يسير على نقيض تامّ مع فلسفة الرجل الليبرالية المعلَنة (الفضفاضة تماماً في الواقع، لأنها جعلته يعلن، قبل أشهر قليلة، أنه لا يرى مشكلة في أن يحكم مصر «خواجا» أجنبي، على غرار ما يجري في ميدان كرة القدم!). ولقد اختار صحيفة «مترو» الفرنسية الشعبية لكي يعلن أنّ «الإخوان المسلمين» هم جماعة «مثل أيّ حزب فاشي في إيطاليا، أو أيّ حزب نازي في ألمانيا»؛ وبالتالي يتوجّب «فرض الحظر» عليهم؛ رغم اعترافه بالمبالغة في تقدير قوّتهم، وأنهم «هوس أوروبي».
غنيّ عن القول إنّ تصريحات كهذه، مطلقة وتعميمية، تنهض في الجوهر على مقارنات مغلوطة ومغالِطة، وتستعين بطراز من التمثيل يستحثّ التخويف والترهيب، إنما تشارك بدورها في تصنيع الهوس؛ بل تكتسب خصوصية إضافية إذْ تصدر عن مصري هذه المرّة، وليس عن مستشرق متحامل هنا، أو مستعرب جاهل هناك.
الفارق الآخر هو أنّ تصريحات غالي عن «البعبع»، جماعة «الإخوان المسلمين»، لا تُنشر في مطبوعة نخبوية أو فصلية أكاديمية أو دورية رصينة؛ بل في مطبوعة يومية خفيفة، تُوزَّع مجاناً على الأرصفة! فإذا كان المخيال الشعبي الأوروبي مثقَلا، لتوّه، بهواجس «الإرهاب الإسلامي» و«الغزو الثقافي الإسلامي» و«الأصولية الإسلامية»… فكيف تصير حاله حين يستبشر بانتفاضة العرب ضدّ حكّام طغاة فاسدين، من جهة؛ ثمّ يفزع، من جهة ثانية، إزاء تحوّلات ديمقراطية تنذر بأنّ «البعبع» إياه هو البديل، نظير الفاشي والنازي، ولا سبيل إلى ردّه إلا بالحظر المطلق!
خاتمة «المآثر» أنّ غالي لم يجد غضاضة في كتابة مقدّمة لكتاب أصدره لوي أليو، نائب مارين لوبين، رئيسة «الجبهة الوطنية»، حزب اليمين المتطرّف العنصري الأوّل في فرنسا. والله يعلم كم كانت السنوات العجاف ستشهد من عجائب، لولا أنه أخلد أخيراً إلى الراحة الأبدية، فرُفعت الأقلام وجفت الصحف!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *