بعيدا عن المخدرات.. قريبا من زراعة منتجة

بعيدا عن المخدرات.. قريبا من زراعة منتجة

 ليس في مصلحة الوحدة الوطنية أن تقترن أي معضلة اجتماعية أو انفلات اقتصادي وتجاري بمنطقة معينة، شمالا أو جنوبا أو شرقا، طالما أن الساحل الأطلسي له تحدياته. فالواقع هو نفسه والمشاكل هي ذاتها، تتغاير في حدتها ونوعيتها. لكن النظرة إليها لابد أن ترتبط بوعي وحدوي في المقام الأول.
لم يكن تأسيس وكالات التنمية شمالا وجنوبا وفي الجهة الشرقية، إلا البرهان على أن في الإمكان إقرار آليات جهوية، تتعاطى والمشاكل في عين المكان، ولا تنتظر الضوء الأخضر من السلطة المركزية، إلا في نطاق التوجهات الاستراتيجية الكبرى. وفي الوقت الذي تتجه فيه البلاد إلى تسريع إجراءات النظام الجهوي الذي يمنح المؤسسات المنتخبة صلاحيات أوسع في تدبير الشؤون المحلية، يتعين الحذر من أن تطفو على السطح ظواهر ذات نزعات عصبية. فقد قطع المغرب مع فكرة تقسيم الأقاليم والجهات إلى ما هو نافع وغير نافع، كما في طروحات استعمارية مغرضة. فالمنفعة الحقيقية تكمن في بسط مفهوم الوحدة أولا، وتمكين كافة الأقاليم والجهات من وسائل التطور، أي توزيع مشاريع التنمية بطريقة عادلة ومتكافئة ومتوازنة، تضع حدا للشعور بالتهميش والهشاشة.
مناسبة الكلام احتدام النقاش حول أوضاع الأقاليم الشمالية، بارتباط مع إثارة الحسابات ذات الصلة بزراعة القنب الهندي، ولعل أول ما يفرضه الموقف هو تخليص هذه الأقاليم من نظرة سطحية، لا ترى فيها سوى تربة خصبة لإنتاج هذه النبتة التي أضحت موضع نقاش وتساؤلات، منها ما له علاقة بالوضع القانوني كما جاء في تصريح وزير الداخلية محمد حصاد، إذ لا يمكن إلغاء القانون إلا بآخر مماثل ومتطور، ومنها ما له صلة بمواقف حزبية، علما أن المسألة تبدو أكبر من التعاطي معها بخلفية حزبية، بل وفق منظور متقدم يفصل بين مستويين.
الأول: يتعلق برفض زراعة المخدرات والاتجار فيها، لما لها من انعكاسات سلبية على صحة وحياة المواطنين، ذلك أن هناك فرقا بين المخدرات بمستوياتها القوية والضعيفة، وبين الإمكانات المتاحة أمام الاستفادة من زراعة القنب الهندي لأهداف صناعية وطبية وإنمائية. ويتعين في هذه القضية تحديدا تقديم خلاصات من طرف مختبرات مشهود لها بالنزاهة والكفاءة العلمية حول مستويات التخدير في القنب الهندي. لأن ذلك يشكل البداية الحقيقية أمام التعامل مع هذا الملف الشائك من منطلقات علمية جديدة.
المستوى الثاني، يروم اقتفاء أثر تجارب دولية في هذا الميدان، خصوصا بلدان الاتحاد الأوروبي وكندا وبعض الولايات في أمريكا. أي تقنين زراعة القنب الهندي، وفق مواصفات دقيقة، ليصبح مثل أي زراعة مشروعة، شريطة حظر استخدامها في غير الأهداف المتمثلة في صناعة الأدوية وألياف النسيج والورق وعجلات السيارات، إلى غير ذلك من القطاعات الحيوية. وإذا كان من الضروري نزع نسبة التخدير عن هذه النبتة فإن البحوث العلمية أثبتت سهولة القيام بذلك. كما هو الحال في تجارب زراعة القنب الهندي في حقول أوروبية، تؤمنها ضمانات كافية.
فتح كتاب هذه النبتة لا يجب أن تحفه المخاوف، إلا أن الأساس أن يندرج الموضوع في إطار إنمائي صرف، يسهل تطويق أسواق تجارة المخدرات، وقد حان الوقت ليتخلص المغرب من وصمة تصفه بأنه يحتل مراتب متقدمة في زراعة المخدرات، لأن هناك فرقا بين المخدرات ذات المفعول القوي الخطير وبين القنب الهندي الذي يمكن أن يتحول إلى زراعة عادية ذات فوائد مختلفة. وإذا كانت الأرقام تتحدث عن بلايين الدولارات التي يتم جنيها من تجارة المخدرات، فإن الوقائع والأرقام تؤكد أن المزارع المغربي البسيط الذي توجه إليه الاتهامات لا يزيد مدخول أسرته الكاملة عن أكثر من أربعة آلاف درهم شهريا. أي أن وضعه الاجتماعي يشير إلى أنه ليس منخرطا في لوبيات هذه التجارة التي لها أباطرتها، علما أن القوانين سارية المفعول في التصدي لتجارة المخدرات يستحسن أن تزيد شدتها في مواجهة أباطرة الداخل والخارج.
من أجل أن يكون النقاش في هذه القضية مجديا ويقود إلى استخلاصات موضوعية، تضع حدا لكل أشكال اللغط الذي يحيط بالظاهرة محليا ودوليا، يستطيع البرلمان بغرفتيه أن يزيل الطابوهات ويفتح نقاشا جادا في الموضوع، من دون أي خلفيات أو حساسيات. فهو يعتبر المصدر الوحيد للتشريع، وبالتالي فالقوانين التي يتم تطبيقها في هذا المجال، إن كانت تعود إلى سنوات خلت، فإن تحيينها، في ظل إسنادها إلى حقائق علمية، أصبح يفرض نفسه، لأنه لا معنى لتبادل الاتهامات حول قضية في الإمكان استيعاب مضاعفاتها، عبر تقنين زراعة منتجة. لكن مع استبعاد تأثيرها المخدر الذي لا يكاد يعرف أي أحد ما نسبته بالذات.
بهذه الطريقة يمكن للأقاليم الشمالية أن تتخلص من هذه العقدة، كما يمكن للمغرب أن يربح الشيء الكثير، خصوصا في مواجهة الاتهامات التي يكيلها له الخصوم تحت ذريعة إنتاج وتصدير المخدرات.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *