TM_Top-banner_970x250

بقات فكعب غزال

بقات فكعب غزال

فجأة تحول بيت عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة، بحي الليمون إلى زاوية يحج إليها أمناء الأحزاب الراغبة في خطب ود العدالة والتنمية لدعمها في معركة رئاسة مجلس المستشارين.

وبما أن الحزب الحاكم تعلم المشي فوق البيض دون أن يكسره، فقد أعطى «الكلمة» للاستقلال، لكنه لن يدعم مرشحهم إلا في الدور الثاني، أي أن بنكيران لا يريد أن يكون استقلاليا أكثر من الاستقلاليين، فهو يريد أن يرى هل سيصوت لمرشحهم مستشاروهم أولا في الدور الأول، وإذا لم «يتفعفعو» وصوتوا فعلا، فإن بنكيران لن يسعه حينها في الدور الثاني سوى أن يقول «الله يبارك».

إما إذا اكتشف مرشح الاستقلال أنه كان محزم بشكوة «خانزة» ويتساءل «منين جاني الدبان؟»، وتخلى عنه مستشارو حزبه، فإن بنكيران سيكون في حل من أمره وسيصوت حسب ما تمليه عليه البراغماتية السياسية التي أصبح يجيدها.

ولعل ما أثار الانتباه في اللقاء الذي خص به بنكيران في بيته مبعوثي الأصالة والمعاصرة ومبعوثي الاستقلال، هو «طبسيل» حلوى كعب غزال الذي كان يتوسط المائدة الجرداء التي «نصبها» على شرف ضيوفه.

والجميع سيقول كم هو جميل أن يظهر رئيس الحكومة تقشفه وهو يستقبل ضيوفه بثماني حبات من كعب غزال، مذكرا إياهم بكارثة «الجي 8»، يومان بعد «الغزاوة» التي خاضها البرلمانيون في أطباق الحلويات بمناسبة افتتاح البرلمان من طرف الملك، لكن الأجمل كان سيكون هو إظهاره للتقشف في الإنفاق العمومي.

ولعل تقاعد الوزراء يعتبر أحد أوجه الريع الأكثر إثارة للجدل في لائحة الإنفاق العمومي، ولذلك تفاعل رئيس الحكومة مع مطالب الشعب بشكل إيجابي وسرب للمواقع المقربة منه خبر تشكيله للجنة لدراسة إلغاء تقاعد الوزراء.

وسبحان الله، فعبد الإله بنكيران الذي أعطى أوامره لتشكيل لجنة تفكير لإلغاء تقاعد الوزراء، هو نفسه الذي قدم قنن تقاعد الوزراء وامتيازاتهم في المادة 29 من بنود القانون التنظيمي للحكومة الذي تقدم به شخصيا للحكومة. ولعل أكثر ما «يغري» فيه ليس التنصيص قانونيا على الرواتب والتعويضات والمنافع العينية التي يحصل عليها الوزراء، والتي يمكن أن تصل بسهولة إلى حوالي عشرين مليونا شهريا للوزير، بل إن الأكثر «إغراء» في ما قدمه بنكيران «دفاعا» عن الوزراء هو ما ورد في المادة 31 من بنود القانون التنظيمي حول معاشات الوزراء. فلأول مرة يتم التنصيص على معاشات الوزراء بقانون بعدما ظلت معاشات الوزراء يحكمها ظهير ملكي أصدره الحسن الثاني رحمه الله.

والمقصود بمعاشات الوزراء هو احتفاظهم برواتبهم كاملة بعد مغادرتهم لمناصبهم الحكومية، حتى ولو لم يقضوا فيها غير شهر أو شهرين.

وإلى حدود اليوم لازال المغاربة يدفعون من ضرائبهم رواتب مئات الوزراء الذين تعاقبوا على الحكومات منذ الاستقلال وإلى اليوم، وحتى الذين ماتوا لازالت زوجاتهم تتوصل بمعاشاتهم كاملة. والوزيران الوحيدان اللذان رفضا الحصول على أجرتهما بأثر رجعي، بعد صدور الظهير المنظم لتقاعد الوزراء، هما عبد الله إبراهيم أول رئيس حكومة مغربي، وعلال الفاسي.

وقد كنا ننتظر من بنكيران، الذي جاء ليحارب الريع، أن ينهي هذه العادة أسوة بالدول الديمقراطية، وأن يوقف رواتب الوزراء بمجرد ما يغادروا مناصبهم، إلا أنه لم يكتف بالمحافظة على الوضع السابق وإنما خصص مادة في القانون التنظيمي للحكومة من أجلها.

في الدول الديمقراطية عندما يغادر الوزير منصبه يرجع إلى وظيفته الأصلية ويعيد كل الامتيازات التي كان يستفيد منها خلال فترة تحمله للمسؤولية الوزارية إلى الدولة.

أما عندنا فالحقيبة الوزارية أصبحت مثلها مثل «كَريمة» الكار أو التاكسي. فمنافعها وعائداتها المادية تستمر حتى بعد مغادرة الوزراء لمناصبهم.

ولذلك يقولون إن السياسة في المغرب مهنة مربحة، فيكفي أن تنجح في الحصول على حقيبة وزارية، ولو لشهر، حتى تقول للفقر وداعا وإلى الأبد. وهناك اليوم أكثر من وزير سابق يأكل و«يشرب» على حساب دافعي الضرائب بفضل المعاش المريح الذي يتوصل به شهريا.

وفي الوقت الذي يطنب فيه وزراء الحزب الحاكم في الحديث عن محاربة الريع، وينشرون لوائح المستفيدين من رخص الحافلات وسيارات الأجرة، دون أن يتبعوا ذلك بإجراءات لتجريد من لا يستحق هذه الرخص من حق استغلالها، نرى رئيسهم في الحكومة يقدم قانونا لتحصين معاشات الوزراء التي تصل إلى ستة ملايين شهريا بالنسبة للذين ليس لديهم دخل، والفارق بالنسبة للذين لديهم دخل. بمعنى أن الوزير إذا غادر الوزارة وقدم ما يفيد أنه يحصل على مدخول قدره 20 ألف درهم شهريا، فإن الحكومة تمنحه 40 ألف درهم لكي يصل إلى 60 ألف درهم.

نعم من حق الوزير أن يحافظ على مستوى عيشه حتى وهو خارج الوزارة، لكن ليس على حساب الشعب. إذا أراد أن يحافظ على مستوى عيشه السابق، فعليه أن يشمر عن ساعديه ويفتح مكتب خبرة ويشتغل، لا أن يجلس وينتظر التحويل الشهري.

إن واحدا من أكبر أشكال الريع التي يؤدي ثمنه دافعو الضرائب هو معاش الوزراء. فبأي حق تقتطع الحكومة من ضرائب الشعب لكي تدفع معاشات وزراء قضوا في الحكومة ستة أشهر وغادروها في تعديل حكومي أو غيره؟
يتحدثون عن الريع، لكن الريع ليس هو المقالع ورخص النقل، بل إن الريع الحقيقي هو الامتيازات والرواتب التي يتمتع بها الوزراء، والتي ترفض رئاسة الحكومة الكشف عن تفاصيلها. فكل وزير لديه ثلاث سيارات وطباخون وحراس وتعويضات عن السكن والتنقل والبنزين والهاتف والماء والكهرباء وغيرها من الامتيازات.

وقد كان الشعب ينتظر من رئيس الحكومة أن يبدأ بالإعلان عن خفضه لأجور وزرائه وتقليصه من الامتيازات والمنافع العينية الموضوعة رهن إشارتهم، بسبب الأزمة المالية الخانقة التي تمر منها البلاد.. لكن المفاجأة كانت هي تنصيص رئيس الحكومة قانونيا على هذه الامتيازات والمعاشات والمنافع العينية من أجل «صيانتها» والمحافظة عليها ضد كل من يرغب في الاقتراب منها، والآن يريد أن يذر الرماد في العيون بحديث انكشارية الحزب الإعلامية عن إنشاء بنكيران للجنة للتفكير في إلغاء تقاعد الوزراء، معتقدا أن «طبسيل» كعب غزال كاف لإقناع دافعي الضرائب أن رئيس حكومتهم متقشف.

إذا أراد رئيس الحكومة أن يعطي المثال على تقشفه، فما عليه سوى أن يقلص عدد سيارات الدولة التي زادت على عهده.

فمع بداية انطلاق حكومة عبد الإله بنكيران، وبالضبط في شهر يوليوز 2012، جاء في بلاغ للشركة الوطنية للنقل واللوجستيك أن عدد السيارات بحظيرة الدولة بلغ في حينه 115 ألف سيارة منها 40 ألفا مرقومة بالأحمر، أما حاليا فتقدر سيارات الدولة بما يقرب 150 ألف سيارة.

تكلف سيارات المسؤولين بالمغرب خزينة الدولة ما يقرب من 650 ألف مليار درهم، وأغلب مستعمليها يتلقون تعويضا شهريا عن تنقلاتهم داخل محيط عملهم، أما خارجه فيتلقون تعويضات جزافية أخرى.
وقد سبق للمغرب أن عرف إصلاحا هاما حول حظيرة سيارات الدولة سنة 1998، وقد أقر المرسوم المتعلق بهذا الإصلاح عدة تدابير يمكن للسيد رئيس الحكومة أن يستفيد منها، أهمها بيع سيارات الدولة بثمن رمزي للمسؤولين الذين وضعت رهن إشارتهم، وتعويض المسؤولين عن تنقلهم من منازلهم إلى مقرات عملهم، على أن لا يجمع المسؤول بين التعويض والسيارة داخل محيط عمله، كما يصنع البعض اليوم.

لذلك فرض القانون على المسؤولين أن يشهدوا تحت رقابة مسؤوليهم المباشرين أنهم لا يتوفرون على سيارات للمصلحة أو الوظيفة قبل أن يستفيدوا من التعويضات الممنوحة.
وقد كانت التعويضات موزعة على الشكل التالي: المدير المركزي 3000 درهم، رئيس القسم 2000 درهم، رئيس المصلحة 1250 درهما.

الكارثة التي غض عنها رئيس الحكومة الطرف هي أن المديرين أصبحوا يتوفرون اليوم على سيارات الدولة ووزراء بنكيران يشهدون في القرارات الممنوحة لهؤلاء المديرين أنهم لا يتوفرون على السيارات الوظيفية لكي يستفيد المديرون من 3 آلاف درهم إضافية، وهذا معناه الكذب العلني مادام المديرون يستفيدون من السيارات أمام أنظار الجميع.

ونحن لا نتحدث هنا عن سيارات المهمة خارج محيط العمل، بل نتحدث عن التنقل داخل المدينة والقرية، ونتحدث عن استفادتهم لقضاء عدة مآرب وحاجيات أخرى.

لقد سبق لوزير الاتصال مصطفى الخلفي بالمنتدى الذي عقده بوكالة المغرب العربي للأنباء، أن قال إن رئيس الحكومة يعتزم اتخاذ إجراءات لعقلنة نفقات سيارات الدولة، وهذا في حد ذاته تراجع خطير عن الإصلاح الذي تم إقراره في المرسوم الصادر في 2 فبراير 1998.
فقد كشف تقرير للمجلس الأعلى للحسابات في الجانب المرتبط بنفقات الإدارات على سيارات الدولة، عن كل ما ذكرناه سالفا من خرق واضح للمرسوم الصادر في 2 فبراير 1998 ونصوصه التطبيقية، بما فيها مناشير الوزير الأول بتاريخ 20 فبراير و7 أبريل 1998.
وسجل تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن مصاريف الدولة عن تنقل مسؤوليها انتقلت من حوالي 450 مليون درهم سنة 1997 إلى حوالي 520 مليون درهم سنة 2001 ثم ازداد ارتفاعا بعد ذلك.
التقرير يقول إنه مقارنة مع 1997 ارتفعت المصاريف على سيارات الدولة بما يفوق 15 في المائة، وهي نسبة كبيرة جدا.
أما نفقات إصلاح السيارات التي يتجاوز عمرها سنة واحدة فقد بلغت 24 مليون درهم، وإصلاح السيارات التي تعرضت لحوادث السير بلغت أكثر من 200 ألف درهم للسيارة الواحدة، وقد وصل مجموع إصلاح أربع سيارات تعرضت لحوادث السير ما مجموعه مليون و200 ألف درهم .
لذلك فالشعب يريد إيقاف هذا النزيف الذي يستهدف جيوبه، «زعما هيا بقات فعكب غزال».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة