بكاء في أيام العيد

بكاء في أيام العيد

منذ هجاء أبي الطيب المتنبي لحاكم أرض الكنانة كافور الإخشيدي، والأعياد لا تغادر مقولته الشهيرة، «بأي حال عدت يا عيد». وما هي صدفة أو خطأ في الحساب أن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين نحر شنقا في يوم عيد أضحى، خيمت عليه ظلال الحزن والأحقاد المنبعثة من الرماد. إنما القلوب الشاسعة بالمحبة والمودة والرأفة تضيق جدرانها، مثل الصدور التي لا تتحمل الجزء اليسير من العتب.
ليس الشعر في تجلياته ما أرخ لتقاليد الأعياد التي تعايد بأحوالها، ولكنها نزوات البشر ألغت حرمات الأيام والمناسبات. وبعد أن كانت القوات الأمريكية الغازية تتردد في شن هجماتها في الأشهر الحرم أو استهداف أماكن العبادة، صار ضرب المساجد وانتهاك المقدسات ملازما للعنف الأعمى الذي اسمه الإرهاب. وباتت الاحتياطات في مناسبات الأعياد والذكريات أقوى تشددا في زمن انقلاب المفاهيم والقيم والمعايير، وما لم يقتل في عيد بغداد أو حلب مات بغيره.
في أعياد المغاربة لم يكن في مقدور فجرها وطلعاته أن يحمل المسرة والفرحة دائما، فذات صبيحة لعيد الأضحى من العام 1973 استفاق الشارع على فجيعة تنفيذ أحكام إعدام ضد متورطين في أعمال إخلال بالنظام العام. وكان من ملامح ذاك اليوم أن الطبيعة الهادئة إلى حد ما في نهاية الخريف انفجرت غضبا في شكل رياح وزوابع بلا أمطار.
هل تنذر الطبيعة بما يموج في الصدور؟ في أحداث ومآسٍ إنسانية مرادفة للجبروت والظلم، يتطلع الناس إلى السماء، فترد عليهم بشآبيب الرحمة أو هدير الغضب. لكن العلم وكشوفات الطبيعة أسعفت العقول في فك ألغاز الأعاصير والفياضات كما الجفاف وانحباس الأمطار وتلاحق الكسوف. وبقيت الأشعار وروايات المبدعين تستلهم من الطبيعة خصائصها في حمل البشائر والتهديد بالنذائر.
ما كل أحكام الإعدام كانت تنفذ بسرعة، باستثناء الحالات التي تورط فيها عسكريون في أكثر من محاولة لإطاحة النظام. أو الحالات المرتبطة بقلق الرأي العام، مثل وضعية خاطف وقاتل الأطفال المدعو متشوق أو العميد ثابت أو جرائم الشرف المهولة.
وفي خلفية الحادث أنه جاء ردا على اختيار يوم عيد العرش الموافق للثالث من مارس لزرع قنابل وتنفيذ هجمات أرقت السلطة السياسية في حينه، ولم تستسغ دلالات ذلك الاختيار بما يحيل عليه من رمزية وأهداف. ما سيدفع إلى اهتزاز علاقات حزبية وسياسية آلت إلى رفض استخدام العنف ومناهضة الهرولة وراء التغيير القادم من الخارج بلغة السلاح.
لكن الشاعر إيليا أبا ماضي سبق إلى التشاؤم من ذكرى عيد ميلاده الذي وصفه بعودة اليوم الشقي، وإذ بمطربين حزانى يتلقفون النبرة العدمية. وكان رد الإذاعة المغربية بسيطا وساذجا بعدم إذاعة الأغنية، إلى أن جرفها النسيان. وصارت أغنية الموسيقار رياض السنباطي التي تحيل على البكاء في يوم عيد ميلاده العاشق، تجفف دموع المكلومين في مرحاب العشق، لا المقاصل.
لا يكتب التاريخ عن جغرافية الأسماء وتواريخها، إذ يحيلها إلى أرقام، بينما ترتعش الأفئدة حين تخرج الأسماء من قبورها عارية كما اخترقها الرصاص. لعلها من مآسي الأحداث التي يغطى فيها التوقيت على الأفعال، مع أن مثلها أو أقسى منها تغيب عنه ذات النكهة.
ولأن البادي أظلم، فقد جاءت المقايضة بعيدين، ولم تكن الرسالة لتحيد عن كون الخطوط الحمراء لا تقبل أي اختراق، بخاصة في ذروة عنف الاحتقان والتوتر الذي وصل إلى درجة جلب منطق «الطرود الملغومة»، التي حمد الجميع الله على أنها أقبرت في المهد. بعد أن سبقتها أطوار محاكمات سياسية وشمت الجسد المغربي بكثير من الألم والأسى.
ما بالنا وأحزان الأعياد، وفيها من بواعث الهناء والإخاء وصلة الرحم والتطلع إلى قيم التضامن، ما يجعلها أعيادا بنكهة إنسانية ارتبطت روحيا بصفاء النوايا وجليل الحسنات وفضائل الأجر والتواب. غير أن غضب الطبيعة، وليكن زلزالا أو ارتدادا أو ما إلى ذلك من الظواهر، لا يغير من طبائع الناس في الإصرار على الاحتفال بالأعياد.
صادف أن يوم عيد أضحى لم يدع الفرصة أمام المغاربة لإكمال طقوسه بعد نحر الأضاحي. فقد تعرضت البلاد لزلزال بدرجة دونية، لكنها أرجفت حركة الأرض تحت الأقدام، فهرع الناس إلى الاحتماء بالفضاءات غير الآهلة، مثل الحدائق والساحات العمومية. وكان من بين الفارين من حمل أضحية العيد على كتفه، لأنه لم يشأ للزلزال أن يعكر عليه أجواء الاحتفال بالعيد. وبدا أن بعض الناس كان لهم متسع من الوقت لحمل ما خف وزنه وارتفع ثمنه، لكن اللحم ليس مثل الحلي، فهو زينة العيد لدى الفقراء.
منذ كانت أعياد الفطر وهي تخضع لحسابات الفلك والنجوم والأسطرلابات. وظهر علماء مختصون في قراءة دوران الأيام والشهور والسنوات. غير أن موقع المغرب في أقصى جزء من مغرب الشمس جعل تلك الحسابات مختلفة عن صنوتها في المشرق، وذات رمضان صام المغاربة ثلاثينية بالتمام والكمال.
صباح الثلاثين سمع دوي مدافع الإفطار حوالي الساعة العاشرة صباحا، وانطلقت دقات الطبول ومزامير النفارين إيذانا بأن شهر رمضان الفضيل أكمل دوره في اليوم التاسع والعشرين. تساءل كثيرون عن ظروف إخراج زكاة الفطر وصلاة العيد وطقوس إفطار اليوم العظيم. كان الأمر أقرب إلى زلزال هادئ، فالأعياد تبدأ في العقول والأحاسيس، وما ضاع عيد ووراءه مؤمنون.
وما انطفأت أنوار الأعياد إيذانا بأن هذه الأمة لا تتقاعس بحثا عن الأفراح، وما كتب ليلة العيد تحين قراءته في أي وقت آخر.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة