MGPAP_Top

بهجة العيد

بهجة العيد

جاء في الحديث عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: قدم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما،  فقال: ما هذان اليومان، قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما، يوم الأضحى ويوم الفطر.
لعل الذكريات الجميلة في الأيام الحزينة أدعى للاستذكار، ونحن نرى تفجيرات وقتلا في المطارات، وزحوفا هائمة على وجهها فارة من بيوتها، وبراميل تفجر البنايات وتدفن تحتها الأطفال، وصراع مسلحين على السلطة تحت نفس المسمى لنصرة دين الله والله يتفرج من عليائه على سخافات البشر، وجنون مذهبي وحشد شعبي (عفوا حقد شعبي) وأئمة ضلال تحرض على الكراهية في كل زاوية. أقول مع كل هذا فأنا استحضر من بطون الذاكرة أيام الطفولة التي تعود بي إلى الجنة. قالوا إن العالم الذي نعيش فيه كدح ونصب ولغوب وكراهية بعضكم لبعض عدو، فهل هناك شيء جميل في الحياة؟
الجواب نعم أسميها الملهمات الأربع إحداها ذكريات الطفولة ومعها الموسيقى النازلة من شقوق السماء واكتشاف العلاقات الخفية والتعرف على شخصيات تحلق بالإنسان إلى عالم الإنسان، وهو الجيل المحظوظ الذي عاشر الأنبياء والرسل والفلاسفة والمصلحين ذوي الهمة العالية والنفوس الكريمة.
لعل أفضل من يحس بمتعة العيد هم الأطفال. وما زلت أتذكر بهجة العيد قبل أن يأتي وحزننا لانقضائه. قبل العيد كانت التحضيرات تبدأ بشراء الحذاء وتفصيل البدلة الجديدة. وكنا نحاول الصيام، ويشجعنا الأهل فنصوم بقسم من النهار، وأحيانا نتمه بفخر. كانت الحلويات في رمضان شهية. وكانت والدتي تهيئ لنا طعاماً خاصاً ليوم العيد. كان أول طعام غداء نطعمه بعد جوع رمضان صدر خروف محشي بالرز. وكانت أول زيارة لي إلى بيت جدي (شيخموس وصفي) من أجل تحصيل العيدية، وكان جدي- رحمه الله- يسكن في حي اليهود في القامشلي قريبا من مكان عبادتهم (يسمونها البيعة بسكون الياء)، قبل أن يرتحلوا أو بكلمة أدق (يُرحلوا) على يد المخابرات البعثية العبثية.
كانت حصة كل واحد ليرة فضية كبيرة أذكرها جيدا، وكانت تفعل الشيء الكثير تلك الأيام. كانت الباصات تقلنا إلى نزهة قصيرة بدراهم قليلة من أجزاء الليرة الفضية. كنا نأخذ الصور غير الملونة (أسود ـ أبيض فلم تكن الملونة موجودة فضلا عن كاميرات الديجتال أو الجالاكسي الحديثة).
أما تناول الثلج المجروش مع إضافة الشراب الحلو عليه فكان بقروش قليلة. أما ركب الحنطور وهي العربة السوداء التي تجرها الخيل، فكانت فخمة وركبتها ربع ليرة (حاليا 300 ليرة تعادل الدولار فقد خسف الله بسوريا واقتصادها وشعبها الأرض).
المهم كنا نقضي وقتا ممتعاً بين تصيد العيديات من الأهل، والانطلاق إلى ساحة اللعب، حيث الجو كله مزين، نسمع فيه صوت الفرقعات، والكل يلبس الجديد ويأكل اللذيذ.
وكنا نستمتع أخيرا بأن الوالد جاء بدون أن يذهب للعمل، وكان يحز في نفوسنا أن يرجع للعمل قبل أن ينتهي العيد، ولم أكن أفهم لماذا لا يبقى في البيت كل أيام العيد، رحمه الله. كنا نريده معنا محتفلاً مثلنا في كل أيام العيد، وهو كان حريصاً على فتح محله قبل أن ينتهي العيد. كان أعمامي يزوروننا ونحن ندور حولهم ننتظر أن ينفحونا بالهدايا، وكانت أعطياتهم غاية في الكرم لأطفال يمسكون عشر ليرات بينهم يتقاسمونها بلهفة، لينطلقوا إلى عالم البراءة واللعب والانطلاق والصراحة والتسابق في الكلام بدون تقية ومجاملة وخوف.
لماذا نتذكر الطفولة بمتعة؟ لقد أعجبني قول الممثل آل رشي إن الطفولة هي العودة إلى الجنة. عندما عدت إلى مدينتي بعد غياب 17 سنة ذهبت أتحرى أماكن الطفولة قبل كل شيء. كان كل شيء قد تبدل، وتحولت إلى أبنية إسمنتية كالحة، ولكن ليس في جمالها. هل حقا كانت البيوت القديمة أجمل وهي المبنية بالتراب؟ كانت السماء أشد زرقة والهواء أنعم وألطف. كان الطعام أكثر متعة ولذة. كانت البقلاوة (بقلاوة مستت) التي يحضرها الوالد من حلب، شهية إلى درجة لا تصدق، وعندما اقتربت من الحارة التي كان فيها جدي لم تصدق عيناي؟ بدأت أتذكر الشوارع كانت أعرض وأفسح. هذه المرة بدت لي قذرة وضيقة. وكانت لحظة الحزن حينما وصلت إلى البناء لم يبق من البيت شيء. لقد تبدل كل شيء تماما. أغمضت عيني وبدأت أتخيل الأماكن والبيوت والعائلات التي كانت تستأجر في بيت جدي القديم. وأعدها بيتاً بيتاً. اليمين لطيفة، بعدها زكية، بعدها طبو، بعدها الدركي عزمي وأمه بائعة البزر على بوابة سينما حداد، بعدها الخياطة الأرمنية. هنا في منتصف الحوسش كانت تسمق وتعلو شجرة التوت حين كنا نتسلقها فنأكل مباشرة من الشجرة، كانت شجرة الجنة لنا.
هنا عندما فتحت عيني رأيت عالماً آخر. لقد انهدم كل العالم القديم. دمعت عيني. إن الطفولة جميلة وعذبة، وأحياناً يستولي على المرء ذلك الشعور اللذيذ السلامي الراقي فيستغرق فيه فيمر شريط كامل من الذكريات، لا أريد الاستيقاظ منه، لأفتح عيني على وطن ممزق ودماء تسقي التربة وجثث تغص بها ساحات الاقتتال ورؤية الواقع الذي يصدم وليس ثمة بهجة من روح أيام العيد القديم.
التفت إلى الخلف فأرى تلك الأشباح قادمة من عالم العدم. والدتي دفنت في مقبرة سحاب، تلك الطباخة البارعة. والدي توفيق الذي سجي في مقبرة القامشلي الذي لا أظن أنني سأقرأ «يس» عليه فقد ولدت دولة كردية شوفينية في المنطقة. أما بيتي الذي بنيته في الجولان كرامة لزوجتي الشركسي ليلى سعيد، فلم يبق ثمة زوجة ولا بيت حيث الاقتتال في حوران وحيث دفنت صاحبة البيت في ثلوج مونتريال.
الذكريات جميلة وعلينا أن نرويها لأحفادنا حتى يعرفوا قيمة الحرية وعالم الفكر البهيج وأن لايسمحوا للديكتاتورية قط أن تنتشر كالسرطان في جسد الأمة.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة