الرأيكتاب الرأي

بوتفليقة وجنرالات الجزائر 2.2

صبحي حديدي

في بلد ترتعش الأفئدة فيه لدى استرجاع سنوات الحرب مع الإرهاب الداخلي، وذاكرة 250 ألف قتيل سقط الكثيرون منهم جراء مجازر ممسرحة دبرتها الأجهزة الأمنية والعسكرية ذاتها؛ كيف لا يبدو هذا الرئيس القعيد، أو حتى الرئيس/ الكفن، بمثابة أفضل خيارات السوء؛ أو على وجه الدقة، بديل خيارات الدم؟
الوقائع أشارت إلى أن الجزائر، خلال الأسابيع القليلة التي أعقبت اندلاع انتفاضات ما يسمى «الربيع العربي»، في 2010 تحديدا، شهدت أكثر من 112,000 حالة تظاهر أو اعتصام أو احتجاج؛ لأسباب تتصل أولا بلقمة العيش والغلاء واشتراطات صندوق النقد الدولي، وليس إسقاط النظام على وجه التحديد. لكن البطانة الحاكمة في توظيف مناخات ترهيب الجزائريين من عودة الإرهاب والمجازر تحديدا، تمكنت من إسكات الشارع الشعبي، وإخماد موجات السخط المتعاظمة؛ بل أفلحت كذلك في جعل المواطن رهينة البحث عن أسباب العيش اليومي البسيطة، الأمر الذي أتاح تمرير برامج التعديل الاقتصادية والاجتماعية البغيضة. ولقد بدا أن التخوف من عودة عمليات «الجماعة الإسلامية المسلحة» و«الحركة الإسلامية المسلحة» و«الجبهة الإسلامية للجهاد المسلح» و«الجيش الإسلامي للإنقاذ»، وسواها… أمّن للسلطة خير ساتر إزاء دائرة النقد الاجتماعي، وبالتالي أتاح قبول بطانة بوتفليقة كجهة إنقاذ بديلة وحيدة، أيا كانت موبقاتها.
وليست بعيدة عن المشهد تدخلات الولايات المتحدة في الجزائر لصالح الإبقاء على الوضع القائم عن طريق محاباة البطانة الرئاسية، في جانب أول؛ والإشراف في جانب ثان، على ضمان ولاء الأجيال الشابة من ضباط الجيش الجزائري، ممن يتم تأهيلهم في الكليات العسكرية الأمريكية. وليست بعيدة تلك المرحلة التي شهدت صمت البيت الأبيض عن حمامات الدم التي وقفت وراءها أجهزة أمنية وعسكرية جزائرية، كانت الاستخبارات المركزية الأمريكية على علم تام بها، وتجاهلها تماما أمثال ريشارد بيرل وبول ولفوفيتز ودونالد رمسفيلد وكوندوليزا رايس. ومن هنا كان حسين آيت أحمد محقا في إقامة الصلة بين مشروع بوتفليقة حول المصالحة الوطنية (والهدف الفعلي هو تبييض ساحة الجنرالات بما يتيح استمرار تحالفهم مع بوتفليقة، تمهيدا لتعديل الدستور)؛ وبين ما حظيت به رئاسة بوتفليقة من تأييد فرنسي وأمريكي صريح، بدا فاضحا أحيانا.
كذلك فإن ما حدث يوم 11 يناير 1992 لم يكن أقل من انقلاب عسكري صريح نفذه جنرالات الجيش ومؤسسات الحكم المدنية المتحالفة مع مختلف أجهزة السلطة. وباسم الدولة وحفاظا عليها، بذرائع صيانة السلم الأهلي ودرء الأخطار المحدقة بالوطن، انقض الجيش على المؤسسات ابتداء من رئيس الجمهورية آنذاك الشاذلي بن جديد، وانتهاء بأصغر مجلس بلدي. كما فرض قانون الطوارئ، وألغى نتائج الانتخابات، فانفتح الباب عريضا على السيرورة (الطبيعية والمنطقية) للتحولات الكبرى في الحياة السياسية عموما، وتصاعدت خيارات العنف ضمن تيارات الإسلاميين وأجهزة السلطة العسكرية والأمنية على حد سواء. من هنا بدأ مشروع التعاقد مع الرجل/ الواجهة، وجرى تمديد آجال العقد حتى يشاء الله!
أخيرا، كان مشروع «الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية»، الذي اقترحه بوتفليقة، ضمن مسعى طي العقد الدامي الذي عاشته الجزائر بين 1992 و2003، قد حظي بنسبة «نعم» ساحقة بلغت 97 في المائة، كما كان متوقعا. لكن ذلك المآل لم يطمس الضيق الشعبي الواسع إزاء النقص الفادح الذي اتسم به المشروع، في ملفين حاسمين وأساسيين: ملف المفقودين (إذ لم ينص الميثاق على أية صيغة إجرائية ملموسة تضمن الكشف عن مصائرهم)؛ وملف محاسبة الجنرالات والمافيات الأمنية، أو أية جهات حكومية سلطوية مارست الخطف والاعتقال التعسفي والتنكيل بالمواطنين، فضلا عن ممارسة الفساد ونهب البلاد.
لم يطمس، ولكنه أيضا لم يُطلق حركة معارضة شعبية كافية، منظمة وعابرة للحساسيات المناطقية والثقافية؛ ولهذا فإن الدورة الانتخابية الخامسة ليست سوى فقرة التمديد التلقائي في العقد القديم، بين الرئيس القعيد وجنرالاته وبطانته.

نافذة

البطانة الحاكمة في توظيف مناخات ترهيب الجزائريين من عودة الإرهاب والمجازر تحديدا، تمكنت من إسكات الشارع الشعبي، وإخماد موجات السخط المتعاظمة؛ بل أفلحت كذلك في جعل المواطن رهينة البحث عن أسباب العيش اليومي البسيطة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق