CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

بين السياحة والسياسة ونون النوايا

بين السياحة والسياسة ونون النوايا

روح الانتخابات تهيمن، وذاك الذي تساءل: كيف يمكن لمنتخب بلدي أن يعتلي قمة رئاسة المجلس الإقليمي؟ جاءه الجواب ممزوجا بالطرافة والحدة. وإليكم الحكاية كما سمعتها من منتخب عايش أطوار صنع الخرائط والرموز في تجارب ما قبل طي صفحة الماضي، نظريا على الأقل.
هي حالة محددة بطلها واحد، لم يكن سوى الوزير الراحل مولاي أحمد العلوي، الذي أشارك الكثير الأسف، لأنه لم يكتب مذكراته، من غير التي تتداولها الألسن والحكايات. فقد اتسمت تدخلاته السياسية بالطرافة أحيانا وبالجرأة واللامبالاة أحايين أخرى. ولم تحد في كل الحالات عن مقاصدها التي كان يغلفها بأسلوبه الذي لا يشبه الآخرين، نقدا وتواضعا واستشرافا.
رغب الرجل أو طُلب إليه أن ينجز المستحيل ليتربع على رئاسة المجلس الإقليمي لفاس، أي الإطار الجهوي الذي يشمل النواحي، من صفرو إلى تبودة، ومن قرية أبا محمد إلى مولاي بوشتى الخمار، وصولا إلى تاونات التي لا يمكن العبور نحوها دون التوقف في عين عيشة والوادي الذي خاله الناس يجري بالحليب واسمه «واد اللبن». ولأنه كان دؤوب الحركة، لا يفتر عن التجوال، إلا حين يزور فاس الجديد لاستظهار طفولته، فقد خاطب جموع الحاضرين في أكثر من مهرجان، واعدا إياهم بتحويل بلداتهم الصغيرة إلى عمالات. هكذا بجرة قلم، من دون دراسات الجدوى والكلفة وآراء الخبراء.
سيكون له الفضل في الارتقاء بمناطق مهمشة إلى عمالات، كما في تاونات وبولمان ومولاي يعقوب. وعندما أيقن ذات خطبة تحت لهيب الشمس الحارقة أن الوعود وحدها لا تصنع الربيع، دعا أعدادا ممن يعرفون بالناخبين الكبار بعد اقتراع البلديات والمجالس القروية، إلى اجتماع خاص، بجدول أعمال مفتوح. على غرار لقاءات يتحدث فيها الخطيب الذي يرتدي الجلباب الأبيض والطربوش الأحمر في كل شيء.. فلا حدود فاصلة عنده بين السياسة والسياحة.
قال مرة إن الفرق بينهما حرفان، الحاء في السياحة والسين في السياسة، والحُسن لا يكتمل من دون نون توجد في النوايا. هذه من طرائفه الدالة التي مكنته من إقامة مركب في سيدي حرازم وآخر في مولاي يعقوب. وأطل من برج فاس الغربي فانبثقت فكرة فندق المرينيين. وعندما أيقن أن الكلام الكثير لا يقنع، أوعز لأحد مناصريه بإخراج مصحف كريم، أقبل الحاضرون على القسم عليه بأنهم لن يصوتوا لغير فائدته.
كان مهد للمشهد بالقول إنه اضطر للرضوخ إلى طلبات ناخبين كبار تمنوا عليه الترشح لرئاسة المجلس الإقليمي لفاس. ومثل كل مداخلاته، عرج على حدث قال إنه لن ينساه، ومفاده أنه تلقى طلبا مماثلا من ناخبين في صفرو، خلال استحقاقات تشريعيات العام 1963. ثم اكتشف أن آخرين صوتوا نيابة عنهم على حد تعبيره، وكانت تلك أول هزيمة انتخابية لم يعد بعدها للترشح في صفرو أو البهاليل، بل اتجه شمالا نحو عين عيشة، وجنوبا نحو قصر السوق (الرشيدية). قبل أن يقرر الامتناع عن الترشح، وقد قضى أطول فترة ممكنة رئيسا للمجلس الإقليمي بفاس.
غريب فعلا أن يتحدث مولاي أحمد العلوي عن الناخبين الذين صوتوا بدلا عن حملة البطائق الحقيقية، ومن غيره كان يقدر على فتح فمه منتقدا وسابحا في النهر ذاته. مع أنه كان أول من فكر في تحويل وادي فاس إلى منتزه سياحي، ولدى اكتشافه هرب الناس من الحرارة الملتهبة، اتجه نحو جبال إيموزار كندر وثلوج ميشليفن.
مجمل الحكاية أن الحاضرين من الناخبين الكبار ذات ليلة استمعوا إليه بإمعان، وحين هموا بمغادرة القاعة، وجدوا في الباب من يسلمهم ألبسة النوم وفرشاة الأسنان وشفرات الحلاقة، ويدعوهم إلى إقامة لا تقل عن ثلاثة أيام في فندق في مكناس. لماذا هذه وليس فاس، يرد العالمون بأسرار الانتخابات أن إبعاد الناخبين عن العيوب وتأثير استخدام الأموال في سوق البيع والشراء، كان وراء اختيار مكناس.
يضيف بعضهم أن شيئا واحدا كان محظورا خلال تلك الإقامة هو تحويل المكالمات الهاتفية من مركز الموزع الهاتفي في الفندق. فنحن في زمان لا وجود فيه للهاتف النقال، وقليلة هي الفنادق التي تتوفر غرفها على إمكان الاتصال الهاتفي مباشرة مع الخارج.
الطريف في فترة الإقامة، أن مولاي أحمد نقل عنه القول إنه لم يقدم شيئا من جيبه، كي لا يتهمه منافسوه باستعمال المال الحرام في استمالة الناخبين الكبار. وزاد على ذلك بأن شركة نقل خاصة تولت نقلهم إلى مكناس، وجعل كلمة السر أنهم لا يعودون إلى فاس، وبالذات إلى قاعة التصويت على انتخاب رئيس المجلس الإقليمي، إلا قبل حلول موعد الاقتراع بلحظات قصيرة.
لا يؤمن مولاي أحمد بفكرة «تهريب الناخبين» ففي رأيه أنهم ليسوا قاصرين ولا يسري عليهم قانون الاحتجاز قسريا. لأن من يتوفر له المأكل والمشرب والملبس لا يكون محتجزا، حسب تعبيره. غير أن طريقته تلك التي ابتدعها في فترة سابقة سيجري استنساخها بطرق مختلف وملتوية لتأمين النصاب القانوني وفرض الأمر الواقع، وفق «إرادة الناخبين الكبار»، أو هذا على الأقل ما كان يطفو على السطح. ولأن الانتخابات في البحث عن تشوهاتها تشبه طرائق وأساليب الاحتيال على القانون، فقد عرف المغرب نماذج أخرى بحجز الناخبين إلى يوم الاقتراع.
حدث ذلك في الماضي.. أليس كذلك؟!

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة