«تحرير» الرمادي.. أبشر بطول سلامة يا بغدادي!

يقرأ المرء تقارير بول بليك، مراسل الـ«بي بي سي» في واشنطن، فيخال أنّ العمليات العسكرية التي أسفرت عن «تحرير» الرمادي، ما كانت ستبلغ هذا المستوى من «النجاح» لولا التغيير التكتيكي الذي أدخله الجنرال الأمريكي شون ماكفارلاند؛ منذ توليه، في شتنبر الماضي، قيادة قوات التحالف ضدّ داعش في العراق. لقد درس الجنرال ما نفع في الماضي وما لم ينفع، يكتب بليك، واتخذ سلسلة قرارات تكتيكية جديدة، وأدخل سلسلة أخرى من التغييرات في طبيعة التدريب والتسليح، فكان ما كان من أمر «تحرير» الرمادي.
وليس بلا ضرورات دلالية، ذات صلة بواقع الارتياب في المعاني وما تفيده في اللغة وعلى الأرض، أنّ المرء يضطر إلى حصر عدد من المفردات بين أقواس صغيرة: أهذا «تحرير»، بالفعل، للرمادي من قبضة داعش، أم هو وقوف على الأنقاض والأطلال، إلى حين هجوم مضادّ من تنظيم «الدولة الإسلامية»؟ أهذا «نجاح»، حقاً، إذا كان حتى الساعة يقارع الهجمات المضادة من داعش حول تخوم المدينة، ويتباهى بالوصول إلى مراكز رمزية (مبنى المحافظة، معسكر الورار، التأميم…) بعضها بات اليوم محض خرائب؟ ومن جانب آخر، أهو «نجاح» مردّه تبدّل التكتيك أو التدريب أو التسليح في إطار عملية «الإرادة الصلبة»؛ التي أطلقتها قوات التحالف الدولي في العراق وسوريا، منذ قرابة ثلاثة أشهر؟ وهل يُعزى، في نهاية المطاف، إلى الطيران الحربي الأمريكي، أم وحدات المهامّ الخاصة الأمريكية، أم قوّات الأمن العراقية، أم الجيش العراقي؟ أم هو ائتلاف هذه القوى، جميعها، كما يقول المنطق البسيط؛ وفي هذه الحال، لا مفرّ من العودة إلى السؤال: لماذا «نجاح» هذه الجولة، مقابل الفشل الذريع في الجولات السابقة؟
الأيام، والأسابيع، القليلة القادمة سوف تحسم مآلات هذه الأسئلة؛ ليس في مستوى الإجابات البسيطة عليها، فهذا أضعف الإيمان كما يُقال، بل في مستوى الذهاب إلى جذور معضلة الوجود الداعشي على أراض عراقية واسعة، وفي مدن محورية، من جهة أولى؛ وكذلك ما يخلقه ذلك الوجود من احتقانات سياسية واجتماعية ومذهبية بين العراقيين، وفي الجوار الإقليمي، وبصدد التدخل الأمريكي والدولي، من جهة ثانية. هنا، أيضاً، وربما في الجوهر الأهمّ، تُقاس حقائق ما جرى في الرمادي مؤخراً، وما قد تشهده مدن وميادين عراقية أخرى في مقبل الأيام.
وإذا جاز اعتبار دخول قوات الأمن العراقية إلى قلب الرمادي انتصاراً، عسكرياً ومعنوياً وسياسياً، للشرعية الحكومية في بغداد، وربما لرئيس الوزراء حيدر العبادي شخصياً (وهذا ما لم يتوانَ الرجل عن المسارعة إلى تثبيته!)؛ فإنّ «داعش» أبعد ما تكون عن خسران معركة، فكيف بابتداء اندحارها على نحو منهجي مضطرد.
صحيح أنّ للجولات العسكرية آثارها الملموسة، والفعالة، في تفتيت قدرات «الدولة الإسلامية»، وفي انكفائها هنا أو هناك؛ إلا أنّ الحلول السياسية الشاملة، والمعالجات التي تُدرج جذور صعود هذا التنظيم، والإرهاب الجهادي عموماً، هي وحدها التي تطلق سيرورة سليمة للمعالجات الناجعة.
وليس خافياً، أو يُفترض أنه لم يعد كذلك إلا عند دافني الرؤوس في الرمال، أنّ أنظمة الفساد والاستبداد هي أولى مصادر النقمة الشعبية التي تقتات عليها «داعش»؛ وأنّ انسياق الغرب إلى تمثيل التنظيم في صورة وحش إسلامي يُتاح لمَن يشاء أن يُقارَن به كلّ مسلم على وجه الأرض، هو أوّل مداخل «داعش» إلى تجنيد الشباب المسلم في أربع رياح الأرض. وما دامت المصادر والمداخل هذه تحظى بصمت، أو تواطؤ مباشر، من القوى الكبرى ذاتها التي تزعم محاربة «داعش»؛ فكيف لا يكون من حقّ «الخليفة» البغدادي أن يبشر بطول سلامة!

نبذة عن الكاتب

ناقد ومترجم

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة