GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

تحيّات من «الأعماق»

نحن محظوظون لأن معركة الحياة ستنتهي بموتنا جميعا، وهكذا سنكون متعادلين أمامها على الأقل، بما أننا سنصير إلى نفس النتيجة.
يستحسن أن ترجع الصفائح التكتونية عن غيّها وتهدأ قليلا في أعماق سواحل الحسيمة، لأننا لسنا مستعدين ولا مؤهلين في الحقيقة لمواجهة كارثة طبيعية بحجم الزلزال. حكومتنا بالكاد تستعد لإطلاق الأرقام الخضراء لاستقبال شكايات المواطنين، وفتح التحقيقات التي لا أحد يعلم متى ستغلق. البحث عن المسؤول وراء تضييع مصالح المغاربة، يشبه في تفاصيله قصة فيلم هندي يموت فيه جميع الذين يبحثون إلا المسؤول عن الكارثة، فهو الوحيد الذي يبقى غير معروف.
تجربة سكان الحسيمة مع الزلزال السابق جعلتهم مؤهلين نفسيا لتقبل الهزات التي يصلهم عنفها بين الفينة والأخرى، من أعماق البحر كأنها تحيات من «الأعماق». ولولا رباطة جأش هؤلاء الناس لكنا أمام كارثة إنسانية حقيقية بعد أن تبين أن المسؤولين ينتظرون التعليمات أولا للتدخل ولا يمكنهم التحرك إلا بعد تلقي المكالمات من الرباط.
والحقيقة أن هذه العادة السيئة لدى المسؤولين متوارثة منذ أيام الهاتف العجيب الذي يتطلب تركيب الأرقام عبره، تدوير عجلة صغيرة من الثقوب. في تلك الأيام كانت رنة واحدة كافية لخلق زلزال حقيقي داخلهم، لأنهم لا يعرفون من سيكون المتصل إلا بالرد على المكالمة. كان الأمر يشبه لعبة قمار، لأن المتصل يمكن أن يكون زوجة الوزير أو توبيخا من جهات عليا أو حتى إخبارا بالإعفاء في أسوأ الحالات. ومنذ تلك الفترة القديمة والمسؤولون يتوارثون رعبهم من الهواتف حتى بعد الثورة التكنولوجية الأخيرة، لدرجة أنهم توارثوا المرض بعد اختراع الهواتف النقالة التي تكشف رقم المتصل قبل الإجابة، وحافظوا على نفس الطقوس القديمة التي تقتضي عدم استنشاق الهواء إلا بعد تلقي التعليمات. في الحقيقة، هذا الأمر ليس جديدا على المسؤولين المغاربة، فقد عوّدوا المغاربة على الخذلان كلما كانت الحاجة إلى تدخلهم، ولحسن الحظ أن معركة الحياة ستنتهي بخسارتنا جميعا، ولا أحد سيخرج منتصرا في النهاية.
الأمر الوحيد الذي قد يجعلنا نحترم الزلزال، هو أنه لا يميز بين المواطن والوزير، ويوزع رجّته بعدالة بين الجميع ويقسم الضرر بالتساوي أيضا. وهكذا يصبح مختلفا عن الأمراض المعضلة الجبانة التي يتطلب الشفاء منها صرف الأموال الطائلة، التي لا يتوفر عليها الفقير ويصرفها الغني بسخاء من أجل الشفاء. الزلزال لا يمنح أحدا فرصة ثانية. وهو الشيء الوحيد الذي لا يمكن التنبؤ بشأنه.
لو فكر المسؤولون المغاربة قليلا، لاكتشفوا أنهم يقفون معنا على نفس الأرض. لماذا يسمحون بالغش في مواد البناء، ولماذا يفوت المسؤولون الفاسدون صفقات إقامة تجزئات سكنية في بقع أرضية لا تصلح لإنشاء بنايات فوقها. عندما يضرب الزلزال منطقة ما بلطف، فإن الأضرار تكون مضاعفة.
سكان المناطق التي هددها الزلزال طوال الأسبوع الماضي والأيام القليلة التي قبله، تأقلموا مع الوضع، فهم أكثر الناس علما بأن أرواحنا معلقة بخيط رفيع، قد يهتز بزلزال وبدونه أيضا.
ندبة الزلزال لا تُنسى. انظروا إلى أكادير التي هزّها أعنف زلزال صفع المنطقة. نهاية هذا الشهر ستمر 56 سنة بالضبط على تلك الكارثة، ولا يزال الأحياء الذين عاشوا تلك الليلة السوداء من آخر يوم في فبراير، ذات سنة كبيسة، يسترجعون صوت المدينة وهي تتهاوى بفعل الهزّة العنيفة في ليلة رمضانية. ماذا جنى الذين سرقوا المساعدات ومحتويات المنازل والمحلات التجارية؟ لقد ماتوا جميعا، وأحيل الملف على السماء بفعل التقادم.
علاقة الإنسان بالأرض مخيفة وملغومة. لا أظن أن الزلزال مخطئ عندما تقرر صفائح الأرض أن تتمايل. نحن الذين نبدو صغارا جدا فوق صفائحه، إلى درجة أننا نتحطم كلما أرادت صفيحة أن تروح عن نفسها. عندما تعرف حجمك الحقيقي، ستدرك أن كل عملية حفر تقوم بها فوق الأرض ما هي إلا تعبير صارخ على ضآلة حجمك فوق البسيطة، وفي الأخير يأتي مسؤول ليقول لك إنه ينتظر التعليمات للتحرك.. قبل أن تسجل على نفسك تكاسلا في القيام بوظيفتك، تذكر أننا نقف فوق نفس القشرة الأرضية، وبرجّة خفيفة، ستنتهي ولايتك الحالية، والمقبلة أيضا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة