كتاب الرأي

تزوير الأعمار

حسن البصري
لطالما اعتقدت أن التستر على العمر الحقيقي اختصاص نسائي خالص، لكن في عالم الكرة يسعى كثير من اللاعبين إلى تقليص أعمارهم وتوقيف عقارب الزمن أو إرجاعها إلى الوراء ابتغاء عمر طويل في الملاعب.
في هذا الأسبوع، اشتكت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم من نظيرتها الكونغولية بسبب إشراك المنتخب الأولمبي لهذا البلد لاعبا أكبر سنا من زملائه، في مسابقة مخصصة لعناصر لا يتعدى عمرها البيولوجي الثالثة والعشرين سنة.
صحيح أن اللاعب موضوع الشكاية لم يكن مؤثرا في المباراة، ولم يلعب دور «الكابتن ماجد» الذي يطوي المسافات ويهزم لوحده الفرق ويحقق البطولات، لكن التزوير ثابت إلى أن يظهر العكس.
تزوير الأعمار ليس اختصاصا إفريقيا فقط، فكثير من المنتخبات العربية تعاني من هذه الظاهرة، بل إن محكمة الاستئناف بمكناس شهدت أطوار ملف شبكة لتزوير أعمار اللاعبين، وجعل اللاعب المقبل على الاعتزال أصغر من عمره الحقيقي بسنوات تكفي لتمديد مقامه في الملاعب، رغم أن ملامح الوجه تحفرها تجاعيد والرأس يغزوه الشيب، فتفضح معالم الجريمة.
أمام المحكمة حاول محام يدافع عن لاعب لجأ إلى تقليص عمره الحقيقي لبضع سنوات، تقديم مبرر لـ«الرتوشات» التي طالت عقد الازدياد والتعديلات الاضطرارية التي لحقت بدفتر الحالة المدنية، وعزاه لدواع إنسانية تجعل اللاعب يخوض تجربة كروية خليجية وصفها بـ«الاستدراكية»، وأن الهدف لا يتعدى محاولة تقليص سن لاعبين أرادوا التوقيع لأندية مغربية وخليجية وأوربية بأعمار أصغر من الأعمار الحقيقية، وأضاف أن التعديل في السن لا يفسد للمنافسات قضية ولا يوجد متضرر من هذا «التصويب».
كان للشبكة رأس مدبر، قضى أياما في سجن «تولال» قبل أن يغادره، ليقرر تغيير ملامحه واستبدال هويته والسعي في أرض الله الواسعة، فيما أخلي سبيل اللاعبين الذين ظهر عليهم الوهن بسبب محاكمات عطلت مسارهم الرياضي.
كشفت المحاكمة عن مواقف في غاية الطرافة، فقد تبين أن لاعبا قلص عمره بخمس سنوات، ليكتشف أن مدربه بات أصغر منه سنا، وأن لاعبة حاولت تغيير سنها ليس من أجل لعب الكرة والاستمرار لمدة أطول في الملاعب، بل من أجل تجاوز عقدة العمر التي لازمتها.
في بطولة كرة القدم النسائية، يمنع الاطلاع على بطائق اللاعبات كي لا تنكشف أعمارهن، كما يمنع الاحتفال بأعياد ميلادهن في مستودعات الملابس، وإن تجرأت مدربة على ذلك فلا حاجة للشموع. لذا يبدو أن الزوج الأفضل للاعبات الكرة المتقدمات في السن هو عالم الآثار الذي كلما كبرت المرأة زاد اهتمامه وانشغاله بها.
يذكر الرجاويون اللاعب الإيفواري إيدغار لوي، الذي حمل قميص الرجاء لفترة ثم انتقل للاحتراف في ستراسبورغ، وبعد رحيله طرق باب إدارة الرجاء صاحب وكالة كراء السيارات، جاء يستفسر عن حقيقة رحيل اللاعب، وحين تأكد من سفره إلى الخارج، طالب بدين سابق على ذمة إيدغار، مبديا استغرابه من دخول اللاعب أوربا وجواز سفره ما زال في وكالة الأسفار، حينها تأكد أن المدافع الأسمر يحمل جوازي سفر، في كل جواز عمر وملامح وبيانات مختلفة.
لكن الراسخين في الكرة يعلمون أن الفئات العمرية الصغرى، شهدت في زمن الملاعب المتربة تزويرا ليس فقط في الأعمار، بل في نتائج المباريات، أيضا دون حسيب ولا رقيب، وكأن خلطة الهويات هي ملح المباريات.
لن نعالج الأعمار بالمقاربات الأمنية، ولن نعيش منافسات متكافئة، لأن التزوير يتجاوز ملاعب الكرة إلى الانتخابات والامتحانات والعقارات والعملات وهلم شرا..، ولأن القضية ليست قضية عمر، لأنه في بلادنا فقط يموت المسؤول في التسعين من العمر ولم يبلغ سن الرشد.
لكن الحكماء يقولون إن لآخر العمر مزاياه، ففيه تصير الأذن عادة سلة مهملات.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق