تغيب.. فتترمل ذاكرتي

lahrouri

على مأدبة هذا المساء الكئيب.. أوزع أواني القلب الخاوي على عروشه.. وفي صحون الروح تلمع دمعة.. تتهافت أياد شرهة لضيوف ثقيلي الظل..
فيمضغني الحنين.. وتحتسيني الذكرى.. ويتقيؤني الألم.. ما الليل والانتظار؟
مجرمان انتهازيان.. يبتزان جيوب نومي حتى آخر درهم راحة لدي.. تاركين بقاياي المفلسة طعاما للنجمات والسهر..
بماذا أحدّثك وأنت سيد الأوهام.. وابن الخيالات الشاسعة.. والأحلام الطفولية الساذجة..؟
هل ثمة أوراق في جيب عاطفتي..؟ لم أُريك إيّاها طمعاً في تحقيق أمنيتي.. بأن لا تخذل أوهامي؟! بأن تكون/تبقى كما توقّعتك تماما أو أقلّ بقليل..! لكنك رحلت.. رحلت يا رجل الغياب والابتسامات الفاتنة.. هكذا وكأن شيئاً لم يكن..!
بعض الرحيل اقتصاص من القلب.. فالذين يغادروننا دون أن يهبوننا الوقت لتقبّل هذه الخسارة العنيفة.. يخلّفون وراءهم ذكرى ساخطة.. تبقينا قيد البكاء كلما شاكستنا الذاكرة أو عبث الشتاء فينا..!
تخيّل.. إنها تمطر الآن يا صغيري.. تمطر بسخاء موحش.. حبيبات المطر ترتطم بزجاج نافذتي.. نافذتي التي أوصدتها بعد غيابك المفاجئ الذي يُشبه فقد الموتى.. ذلك لأن الموت لا يستأذن أحداً.. ولأن الموتى لا يعودون.. كما أنك لن تعود.. ولن أتوقف بدوري عن الكتابة إليك دون أن تدري.. بذلك اختار كل منا قدره بطريقته.. أرتشف قهوتي الآن.. أقلب في صفحات كتابنا.. فصل البدايات المبهرة..
فصل اللحظات المسروقة من فم الزمن..
فصل الضحكات والسهر الطويل..
فصل التعثّر قبل الوقوع في رتابة الأشياء..
فصل السفر والانتظار..
وفصل أخير لا يفضي إلى شيء عدا أن يدفعنا لنغرق أكثر في مرارة الشجن والذاكرة المشتعلة!
أخاف أن أشيخ بعيدا عن يديك فلا أعرفني.. ليغتابني النهار والفراش وكائنات الضياء اللطيفة.. تغيب فتترمل ذاكرتي مبكرا كقصائد نثر رديئة.. يتبخر مكري ويجتاحني الذبول والردى.. كتلويحة بكماء بترت يدها.. كتنهيدة أخيرة لجندي يحتضر..
كنظرة مشنوقة على نافذة عناية مركزة
كدموع مسفوحة بسُرادق عزاء..!
أنا أكتبك الآن.. لأمهدّ للطفلة التي تسكن صدري حقيقة أنك لن تعود ثانية.. لن تضحكها كما كنت تفعل.. ولن تفي بوعد لم تقطعه ولكن خيّل لها ذلك.. وبأنك عندما وضّبتَ نواياك متوجهاً ناحية الغياب.. كنت عازماً على الرحيل.. الرحيل فقط..

نبذة عن الكاتب

كاتبة وصحفية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *