تفاصيل أول زيارة رسمية لسفير إيطاليا إلى فاس أيام الحسن الأول

تفاصيل أول زيارة رسمية لسفير إيطاليا إلى فاس أيام الحسن الأول

«لم يكن سهلا على كاتب إيطالي اسمه، أميسيس، أن يرافق السفير الإيطالي إلى المغرب سنة 1896، ويعيش رحلة إلى أرض لا يعرف عنها أي شيء. كانت مهمة السفير الإيطالي أن يمهد لإنشاء علاقات مغربية إيطالية، فيما كانت مهمة الكاتب أن يوثق للرحلة ويكتب انطباعاته عنها».
شارب كث وعينان تنظران إلى الفراغ، مع «فرقة» غريبة في شعر رأسه. بذلة رسمية، ويبدو صاحبها وكأنه التقطها بعد الاحتفاء به خلال حفل رسمي. إنه «إدموندو دو أميسيس»، الكاتب الإيطالي الذي قام بمغامرة حقيقية عندما جاء إلى المغرب أول مرة سنة 1896 في محاولة استكشافية، في ظل المنافسة الاستعمارية بين الدول الأوربية للفوز بالمغرب. تجاوز طنجة التي كانت وقتها مزارا دائما للأوربيين، ووصل إلى فاس، وكتب، وهو الكاتب الشهير في إيطاليا، عن مشاهداته بالمغرب، وكان لكتابه وقع كبير في إيطاليا عند نشره، خصوصا وأنه كان ينتمي إلى طبقة اجتماعية راقية ويشتغل كاتبا ومؤلفا، ولم يكن من السهل على واحد مثله أن يخوض مغامرة من أجل تأليف الكتاب، رغم أن بعض ما كتب عنه يقول إن الأمر كان مجرد صفقة استكشافية، رغم أن الإيطاليين أخبروه بأنهم غير مسؤولين عن سلامته الجسدية خارج طنجة، لكنه واصل رحلته ليستكشف المغرب الحقيقي.
كان في أوج شبابه عندما جاء إلى المغرب، لأن التنقل من الواجهة البحرية والتوغل في المغرب وصولا إلى فاس، كان يعد مغامرة حقيقية.
سيكون على أميسيس أن ينتقل مع السفير الإيطالي إلى المغرب، في مهمة دبلوماسية للقاء السلطان ووزراء مغاربة، بالإضافة إلى مجموعة من أعيان فاس وأغنيائها. وقبل أن يبدأ في التعرف على فاس عن كثب، وجد في استقباله وفدا رسميا مكلفا بمهمة الاستقبال. اصطحب وفد السفير الإيطالي، الذي كان أميسيس مجرد فرد داخله، إلى داخل فاس ليكون وزير الحرب في استقبالهم ويقودهم إلى حيث خصصت إقامة لإيواء الوفد الإيطالي، في انتظار أن يستقبلهم السلطان شخصيا.
لم يخف أميسيس تأثره بما رآه في فاس، ولم يخف أيضا إعجابه الكبير بالبناء والمنازل الفاسية، لكنه استغرب كثيرا لطريقة لباس الجنود المغاربة والحراس الذين كانوا في استقبال الوفد، خصوصا وأن البداية لم تكن سارة للإيطاليين، فبمجرد اقترابهم من فاس، طوقهم بدون مقدمات، مجموعة من الجنود واقتادوا الوفد، مخترقين صفا طويلا من القرويين الذين كانوا يأتون إلى فاس من القرى والمداشر المحيطة ليبيعوا منتوجاتهم الفلاحية البسيطة.
هكذا مر الموكب الرسمي لسفير إيطاليا المكلف بمهمة دبلوماسية في المغرب، بأقسى مظاهر الفقر المغربي والأزمة الاقتصادية التي كانت تلقي بظلالها في كل اتجاه. ولم يفت أميسيس أن يلاحظ أن الجنود كانوا ينظرون إليه بنظرات عدوانية، وأن بعضهم كانوا أطفالا تم تسليحهم، وكانت تبدو سيقانهم نحيفة جدا، بالإضافة إلى أن صفي الجنود الذين طوقوا الوفد الرسمي، كانوا يرتدون ملابس مهلهة وكانوا متفاوتين في السن بشكل كبير، إذ كان بينهم أطفال في مقتبل العمر، ورجال على أعتاب الشيخوخة.
بمجرد استقبال الوفد الإيطالي من طرف وزير الحرب حتى تغيرت الأمور نسبيا، ولمس أميسيس ترحيبا حارا بالوفد، وسيزداد إعجابه بالمغرب أكثر، عندما يكتشف أن الأعيان في فاس مهتمون جدا بالتعرف على الأوربيين ومصادقتهم.
سيبلغ إعجابه بالمغرب قمته عندما يلتقي بالسلطان شخصيا، رغم أنه لم يذكر أنه سلم عليه بنفسه، أو تحدث إليه في موضوع معين، بل اقتصر في كتابه على الحديث عن استقبال رسمي للسفير الإيطالي ومرافقيه، وتحدث عن كون السلطان قد اهتم كثيرا بلقاء السفير الإيطالي وأعطى أوامره لمرافقيه بأن يختاروا مكانا جيدا للسفير الإيطالي ضمن الموكب الرسمي الذي يكون عادة في استقبال الملك عندما يخرج من بوابة القصر. وحكى أميسيس أن الحسن الأول تحدث مع السفير الإيطالي ورحب به في المغرب، وترك له حرية لقاء الوزراء والتعرف عليهم.
هذا الكتاب، الذي خلق ضجة في إيطاليا بعد صدوره، خصوصا وأن الرأي العام الإيطالي وقتها كان يتساءل عن سر تراجع إيطاليا في منافسات الحصول على مستعمرات بينها وبين ألمانيا وفرنسا وبريطانيا. وكان لكتاب أميسيس وقع كبير، لأنه قدم للإيطاليين صورة كبيرة عن المغرب، وتفاصيل الحياة داخله، وخصوصيات المغاربة أيضا.
من أطرف ما رواه أميسيس في كتابه متحدثا عن المغاربة، ما دار بينه وبين أحد الشبان واسمه «سليم». يقول أميسيس إنه عرض على سليم أن يرتدي لباسا أوربيا، كان ينوي أن يقدمه إليه هدية، لكن الشاب المغربي صاح بقوة ورفض الحصول عليه. يقول إن الشاب رد عليه بالقول إنه سيتعين عليه أن يعيش في إيطاليا لمئات السنين ربما قبل أن يتأقلم مع اللباس الأوربي، وكان يستغرب كثيرا من الأحذية التي يرتدونها والأقمصة وربطات العنق والقبعات..
كان هناك شرخ كبير في التباين بين الحضارتين، رغم أن إيطاليا كانت تنوي التقرب من المغرب، إلا أن الأمر كان أكبر من أن يتم عرضه هكذا ببساطة، رغم أن الزيارة الرسمية للسفير الإيطالي، باعتراف أميسيس نفسه، كان الهدف من ورائها تذويب الجليد بين الإيطاليين والمغاربة ومحاولة نسج علاقات مع النافذين المغاربة لتسهيل اختراق إيطاليا للمغرب.
أميسيس كان مهتما كثيرا بالتفاصيل، لكنه بطبيعة الحال لم يرد في تلك الفترة الحساسة أن يكون كتابه صورة سلبية عن المغرب، لكنه رغم ذلك لم يخف الكثير من الإيحاءات والتفاصيل المبطنة التي كان ينوي من ورائها القول إن المغاربة كانوا يعيشون في العصور الوسطى، وإن البلاد التي تطمع إيطاليا في الفوز بها، ما زال سكانها يعانون الفقر، ويعيشون في واقع بعيد تماما عما كان الأوربيون يعيشونه.

قساوة طباع الحراس المغاربة وصرامتهم ترعب الإيطاليين
على عكس الكتاب الآخرين الذين كتبوا عن المغرب، لم يكن أميسيس ليبدأ الكتابة عن رحلته من طنجة. فأغلب الكتابات التي تناولت المغرب، إن لم نقل جميعها كانت تبدأ من طنجة وتنتهي فيها، لكن «أميسيس» اختار أن يبدأ رحلته مباشرة من فاس، وكأن مسار الرحلة من إيطاليا إلى طنجة لم يكن جديرا بالذكر، خصوصا وأنه لا بد أن يقضي يوما على الأقل في طنجة قبل مواصلة الرحلة. فالمصادر التاريخية الرسمية ذكرت أن كل الأجانب الذين جاؤوا إلى المغرب، خصوصا الذين كانت لديهم رغبة في زيارة المدن الأخرى، كان لا بد أن يدلوا بأسمائهم لدى الإدارات القنصلية التابعة لبلدانهم الأصلية، لأنها الوحيدة التي كانت مسؤولة عن سلامتهم الجسدية في مغرب كان يعرف تحولات سياسية كثيرة، بالإضافة إلى العداء الكبير ضد الأجانب، في ظل انتشار أخبار بين المغاربة، مفادها أن «النصارى» بجميع جنسياتهم يسعون إلى استعمار المغرب وجعله إقليما تابعا لدولهم. ربما يكون «أميسيس» قد جاء إلى المغرب مرورا بالجزائر التي كانت وقتها قد خضعت للاستعمار الفرنسي، لأن كاتبا دقيق الملاحظة لا يمكن ألا يستهل كتابه بالحديث عن طنجة، التي أسرت كل الذين زاروها منذ أن أصبحت منطقة دولية. فالوصول إلى فاس من منطقة الريف التي كانت مفتوحة بين المغاربة والجزائريين، لم يكن بالأمر الصعب، رغم أن بعض التضاريس الجبلية كانت تجعل الكثيرين، الأجانب بطبيعة الحال، يفضلون قطع المسافة بحرا على صعود المنعرجات الجبلية الخطيرة.
يقول الكتاب الذي جاء بعنوان «المغرب.. شعبه وأماكنه» والذي جاء مترجما إلى الإنجليزية في نسخة تعود إلى سنة 1914، إن مدينة فاس كانت محروسة بعناية، إذ إن «أميسيس» لما اقترب من فاس، ضل طريقه مع مرافقيه، وبدل أن يدخلوا إلى فاس، حاموا حولها دون أن يهتدوا للطريق المؤدية إليها مباشرة، وبينما هم على ذلك الحال، حتى طوقهم موكب من الحراس، كانوا يمتطون خيولا سريعة يتجولون بها حول «فاس» للسهر على الأمن وضبط عمليات دول فاس ومغادرتها. وسرعان ما وجد الكاتب نفسه محاطا بعدد من القرويين الذين كانوا أيضا في طريقهم إلى فاس، وأخذ في وصفهم مشبها إياهم بالسكان البدائيين، خصوصا وأن عددا منهم كانوا يمتطون الحمير، بينما الأغلبية الساحقة تسير على الأقدام.
فور دخوله إلى فاس، بعد سماح الجنود له بالدخول، التقى «أميسيس» ومرافقه، بالحاج محمد بن عيسى، وهو من أعيان فاس الكبار في تلك الفترة، ولا بد أن الكاتب الإيطالي كان يسعى إلى معرفة الكثير عن شخصية هذا الرجل، لأنه ذكر في كتابه أن مهمة بنعيسى كانت تقتصر على استقبال الوفود الأجنبية والسفراء لدى وصولهم إلى فاس، وتبليغ أي رسالة منهم إلى القصر مباشرة. هذا الأمر، ليس فقط بالنسبة إلى الإيطاليين وإنما لجميع الأجانب، يعني أن بنعيسى شخص نافذ وأن لقاء السلطان والوزراء لن يتم أبدا إلا عبر الفوز بود بنعيسى. يقول «أميسيس» إن بنعيسى كان رجلا بلحية كبيرة وإنه كان مهاب الجانب، وموكبه يحيط به الحراس، ويأتي ليستقبل كل وفد أجنبي يدخل المدينة ليعرف حاجتهم والمهمة التي جاؤوا من أجلها إلى المغرب. يقول أيضا إنه كان يرتدي لباسا أبيض، فوقه «قفطان» باللون الأحمر، بينما حراسه كانوا صارمين ويحيطون به من كل جانب، فوق خيولهم بطبيعة الحال.
هذه الصورة التي نقلها «أميسيس» كانت في غاية الدقة، لأن الحراس وقتها كانوا شديدي الصرامة، وكان أيضا هناك عداء كبير تجاه الأجانب، حتى أن أغلبهم كانوا يضطرون إلى التنكر حتى لا تظهر هويتهم الأصلية. لكن أميسيس لم يشر إلى أي من هاته الأمور.

هل هناك مبالغات في تصوير فقر المغاربة؟
بعد انتهاء اللقاء مع بنعيسى ورجاله، استمر أميسيس في السير إلى الأمام متوغلا في مدينة فاس للمرة الأولى في حياته، وبدأ في وصف المغاربة الذين صادفهم في الطريق. يقول إنه استغرب لكون الجنود الذين استوقفوه يجمعون بين جميع الفئات. كان من بينهم أطفال شبه عراة، بسيقان ضعيفة مكشوفة، يحملون أسلحتهم على أكتافهم، وبينما كان الشيوخ والمسنون يراقبون الطريق وينظرون إلى أميسيس باستغراب وتبدو أسلحتهم ثقيلة. وقد استغرب أيضا من هيآتهم ومن لحاهم الكبيرة. بينما كان آخرون يضعون جلابيبهم فوق رؤوسهم اتقاء لحر الشمس غير عابئين به. استغرب أيضا من لباسهم ومن كثرة الألوان التي يرتدونها.
نقطة الألوان أثارت استغراب كتاب كثيرين وليس استغراب أميسيس وحده، فبعض الكتابات الأخرى التي تحدثت عن المغرب جاءت بنفس الملاحظات التي رصدها مؤلفوها، خصوصا في ما يتعلق بكثرة الألوان في ثياب الجنود الذين يحرسون مدخل مدينة فاس، حتى أن أحد الأطباء كان قد كتب أن ذوق المسؤول عن لباس الجيش المغربي رديء جدا، وأن بعض الجنود كانوا يبدون كمهرجين عندما يرتدون الزي العسكري كثير الألوان.
يتحدث أميسيس عن مسيرته في المرة الأولى التي دخل فيها إلى فاس، وقال إن هؤلاء الجنود، مع تباين أعمارهم وهيآتهم الجسمانية، لم يكونوا ليتركوه يسير وحيدا في فاس، بل كان يسير رفقة مرافقه، بينما الجنود يشكلون خطين متوازيين حوله، وكأنه سجين بينهم، فيما بنعيسى يتقدم الموكب.
إلى أين سينتهي الموكب؟ كان بنعيسى يأخذ الموكب في اتجاه وزير الحرب، الذي قال أميسيس إنه التقاه، وقال إن اسمه هو «سيدي عبد الله بن أحمد». وهذا يعني أن أميسيس يتحدث عن فترة الحسن الأول، وهذا يتطابق مع التاريخ الذي قال إنه زار المغرب خلاله. وصف وزير الحرب المغربي بأنه أسمر اللون، علما أن العسكر المغربي وقتها كان يتكون من عدد كبير من العبيد، الذين جاء بهم الحسن الأول لتعزيز صفوف الجيش المغربي، وسرعان ما أصبحوا متحكمين فيه، ويورثون الانتماء للجهاز العسكري المخزني لأبنائهم. استغرب أميسيس من كثرة الأزياء التي يرتديها الجنود المغاربة باختلاف تخصصاتهم، إذ قال إن الجنود الذين طوقوه في البداية يرتدون لباسا مختلفا عن رجال وزير الحرب، وعندما تقدموا أكثر إلى الأمام وجدوا جنودا آخرين بلباس مختلف، ليرى في الأخير تجمعا لعدد من الجنود و«المخازنية» كانوا خليطا كبيرا من الألبسة الرسمية.
لم يخف أميسيس رعبه من مظهر الجنود لأنهم كانوا أكثر صرامة، ولم يكونوا يرحبون بقدوم الأجانب إلى المغرب، رغم أنهم تلقوا تعليمات بعدم إلحاق الأذى بأي شخص أجنبي.

هذا ما قاله أميسيس في شهادة نادرة عن أغنياء فاس وأعيانها
بعد انتهاء الاستعراض الأول ولقاء المسؤولين قبل الاستقرار في فاس، لم يكن أميسيس قد خرج بعد من الدهشة الكبيرة التي اعترته. يقول إنه استقر في منزل بفاس الجديدة، أي أن الدولة وضعت رهن إشارته مسكنا جديدا، على عكس المساكن القديمة في الأحياء الشعبية. يقول إنه وجد في استقباله عند الباب مجموعة من الخدم والعبيد، كانوا يتوزعون عند باب المنزل وفي الحديقة أيضا. لم يخف أميسيس إعجابه الشديد بالبناء المغربي وطراز المنازل الحديثة في فاس ذلك الوقت. يقول إنه التقى بأحد أكثر أعيان فاس وأغنيائها تأثيرا، ويتعلق الأمر بالبقالي. ويذكر أنه زاره ورحب به بحرارة. البقالي جاء للقاء السفير الإيطالي الذي كان أميسيس برفقته. يقول: «جاء في اتجاهنا رجل طاعن في السن، كان يرافقه رجلان يحرسانه. تقدم في اتجاهنا ولما اقترب من السفير، تحرك بشكل مفاجئ وأخذ يده بعنف وأخذ يهزها بسرعة ويقول: «مرحبا مرحبا مرحبا بسفير ملك إيطاليا. إنه يوم عظيم». هذا الرجل كان هو الشريف البقالي، وهو واحد من الرجال الأكثر تأثيرا في القضاء، وهو أيضا أحد الأغنياء الكبار في البلاد وهو أيضا رجل ثقة السلطان ولديه عدد كبير من الحريم».
لم يكن ليخفى على ملاحظ ذكي مثل أميسيس أن رجال الحسن الأول كانوا كلهم من الأعيان والقضاة والعلماء. ولم يفته أيضا أن يلاحظ أن سياسة الدولة وقتها، كانت تقوم على الانفتاح. وقد سمع أميسيس حكايات كثيرة عن ترحيب المولى الحسن الأول ووزرائه ورجاله بالأجانب الذين كانوا يزورون المغرب.
انفتاح المولى الحسن وأعيان فاس على الأجانب جعل فاس تدخل عصرا آخر. هذا الكلام لم يقله أميسيس، لكن لا بأس بأن نعود إلى ما كتبه المغاربة أنفسهم عن هذه الفترة حتى نرى حقيقة ما كان يقول أميسيس، من ترحاب رجال الدولة به، ولعل الفضل في كل هذا راجع إلى سياسة الحسن الأول، التي كانت تهدف إلى إنعاش التجارة والاقتصاد بتشجيع الأجانب على التعامل مع المغرب. غرائبيات كثيرة عاشها المغاربة على عهد الحسن الأول في نفس السنة التي زار فيها أميسيس المغرب. إذا رجعنا إلى المصادر المغربية، فإننا سنجد أن أقوى الإشارات الغرائبية على ما وقع وقتها، كانت استيراد المغرب لحيوان الفيل، وهذا الأمر جاء نتيجة اقتراحات وهدايا من أوربيين، بينهم إيطاليون أيضا. جاء مثلا في كتاب «التنبيه المعرب»: «وفي أيام المولى الحسن الأول دخل الفيل للمغرب، ورأيناه بمكناس وفاس، ثم مات عام أحد عشر وثلاثمائة وألف، قبيل موت السلطان..». قصة دخول هذا الفيل إلى المغرب يلفها الكثير من الغموض، لأن المصادر التاريخية التي تحدثت عن الحادث، الذي خلق رجة كبيرة في أوساط سكان مكناس وفاس، وخرجوا يتدافعون لرؤية هذا الحيوان الغريب الذي اقتناه القصر الملكي، ولم يكن من السهل الجزم بأن الفيل عبارة عن هدية من ملك أجنبي هدية إلى المولى الحسن الأول، أم أن الأخير اقتناه بمعرفته من الدول الأوربية، التي كان شائعا فيها استيراد الحيوانات من كل بقاع الدنيا، وجمعها في الحدائق، خصوصا بريطانيا، التي كانت سباقة إلى جمع عينات من أنواع نادرة من الحيوانات، لم يرها الأوربيون من قبل، ليعرضوها كنوع جديد من التجارة التي راكم فيها السباقون إلى صيد الحيوانات في كل من الهند وأدغال إفريقيا، أموالا طائلة، مقابل «الفرجة» التي بدأت مظاهرها ذلك الوقت تتطور بأوربا، قبل أن تصبح صناعة الترفيه معروفة عبر العالم.
المرجح أيضا، أن المولى الحسن كان قد بدأ يلين في آخر أيامه، في علاقاته مع الدول المحيطة بالمغرب، وعلى رأسها الدول الأوربية، حيث انفتح ميناء طنجة والصويرة، أمام السفن الأوربية ببضائعها المختلفة، شهورا فقط قبل وفاة السلطان، على الرغم مما عرف عنه من صرامة إلى آخر أيامه. ولعل قصة الفيل تبقى واحدة من قصص انفتاح هذا السلطان المثير للجدل على الحياة، واكتشاف ما تزخر به السفن الأوربية من عجائب يتم حشدها من مختلف بقاع العالم لتعرض على مرآى الشعوب.
لنعد الآن إلى أميسيس، فقد قال في كتابه إن أعيان فاس كانوا أكثر ترحابا بالأجانب، على عكس المغاربة العاديين الذين كانوا ينظرون إلى الأجانب بكثير من الريبة. بالنسبة إليه، فإن الترحاب الكبير الذي يستقبل به الأعيان الفاسيون وأصدقاء الحسن الأول والمقربون من القصر الملكي، سفير إيطاليا، ليس مجانيا، وقد لاحظ أميسيس أنهم، أي الأعيان والأغنياء، كانوا حريصين على لقاء السفير وتبادل الحديث معه، واستقباله في منازلهم أيضا، وتنظيم الحفلات الخاصة على شرفه للانفتاح على الخصوصيات المغربية.
لكن ما لا يعلمه أميسيس هو أن تلك السياسة كلها، لن تجدي نفعا في قادم الأيام، لأن أولئك الأعيان سيصبحون في ما بعد محميين من طرف بريطانيا، التي قدمت لهم امتيازات أكبر من اللقاءات الإيطالية.

حريم القصر طلبن رؤية النصارى لكن الحسن الأول رفض الأمر!
يقول «أميسيس» إن عددا من الوزراء المغاربة في ذلك الوقت، أي فترة حكم الحسن الأول، كانوا من الشرفاء، وكان من بينهم أشخاص ينحدرون من عائلات عريقة تعود أصولها إلى قبائل عربية رحلت إلى المغرب في وقت مبكر. لكنها لم تأت إلا بعد أن جاءت العائلة الأولى التي ينحدر منها الحسن الأول نفسه. لم يشر أميسيس إلى مصدر الكلام الذي قاله، ولا من أين سمعه، لكن لا بد أن أحد الوزراء قد همس له بأصوله القديمة في مجلس التعارف الذي كان أميسيس حاضرا خلاله، والذي كان قد عقد حتى يتعرف الوزراء المغاربة على السفير الإيطالي الذي زار فاس.
لو كان أميسيس قد زار المغرب منفردا، لكانت له ربما نظرة مغايرة عما جاء في كتابه، لأنه تحدث عن أولى انطباعاته عن فاس، انطلاقا من موكب رسمي، يحيط به الجنود من كل جهة، وهو ما جعله ينظر إلى فاس بنظرة مغايرة لما جاء في كتب أخرى تحدثت عن فاس في فترة قريبة من الفترة التي زار فيها السفير الإيطالي المغرب.
يقول أميسيس إنه رافق السفير الإيطالي في نفس الموكب، والتقى الحسن الأول الذي رحب بهم بحرارة، وأدرك أميسيس أنه أمام رجل مهاب الجانب، وله وزنه وتأثيره على وزرائه. يقول أميسيس متحدثا عن توصية من الحسن الأول للمسؤول عن البروتوكول، حتى يحتفظ للسفير الإيطالي وموكبه بمكان بارز في مكان الاستقبال، الذي سيخرج إليه الملك من داخل القصر ليراه الناس: «.. تلقى المسؤول عن الطقوس والمراسيم أوامر من السلطان شخصيا ليأخذونا إلى مكان معين، لنقف فيه عند مروره. حريمه طلبن أن يتم السماح لهن برؤية النصارى. يا له من موقف مثير للشفقة، لكي يتم حرمانهن من رؤيتنا بقبعاتنا الطويلة ومعاطفنا».
ليس خافيا على أميسيس أن منظر موكب السفير مثير للاستغراب، وأن لباسه الأوربي لا بد وأن يكون موضوع حديث الكثيرين، لأن المغاربة وقتها لم يكونوا قد شرعوا بعد في ارتداء ملابس أوربية، وكان الجلباب المغربي هو السائد.

حقيقة الوزراء المغاربة في حقبة مجهولة من التضاربات
تحدث مرافق السفير الإيطالي في كتابه عن نقط مهمة تتعلق بطقوس المخزن وعلاقات الوزراء، رغم أنه لم يتحدث إليهم عن قرب ليعرف الكواليس الحقيقية للصراعات بينهم. وقال إن جميع الذين كانوا حاضرين في المكان الذي مر منه موكب الحسن الأول كانوا يرددون دعاء مفاده «حفظ الله ملكنا»، في إخلاص كبير للحسن الأول.
وفي مكان الاستقبال، الذي كان مخططا أن يلتقي فيه السفير الإيطالي لأول مرة بالحسن الأول، يقول أميسيس إن المكلف بالطقوس والرسميات بالقصر الملكي، كان قد تأهب لمرافقة السلطان الحسن الأول فور نزوله في المكان الذي احتضن الاستقبال، وكان يسير خلف الحسن الأول بحذر كبير، وعندما اقترب الاثنان من مكان وقوف السفير الإيطالي، الذي كان أميسيس يرافقه، انحنى المكلف بالطقوس الرسمية، وهمس قرب أذن الحسن الأول: «سفير إيطاليا» ليلفت انتباهه إلى أن الواقف هو السفير الإيطالي، فسلم عليه الحسن الأول ورحب به باللغة العربية.
يقول أيضا إن السلطان قال إنه مسرور جدا باستقبال سفير إيطاليا في بلاده، وكان ينظر إلى فرسه أغلب الوقت الذي كان يتحدث فيه، كما أنه كان يغالب لإخفاء ابتسامته وكأنه لا يريد لمرافقيه أن يروه يبتسم.
يعترف أميسيس أن توقعاته كانت مختلفة تماما عن الواقع، لأنه كان يتوقع أن يكون الحسن الأول شبيها بوزرائه أو المغاربة الآخرين الذين رآهم عند وصوله إلى فاس، لكنه يقول في الكتاب إن رؤية الحسن الأول كانت مخالفة لكل توقعات الإيطاليين، حيث اكتشف أنه أمام ملك غاية في الوسامة، وكان منظره جليلا ومختلفا تماما عن المحيطين به. عدا ذلك، يقول أميسيس، فإن احتكاك الوفد الإيطالي بمحيط القصر لم يولد لديهم أي ارتسامات سلبية.
لنعد الآن إلى الوزراء الذين تأملهم أميسيس في لحظة الاستقبال الملكي، ولا بد أن ملاحظاته لم تكن بريئة، لأنه تحدث عنهم بحماس أقل من حديثه عن مرور الموكب، وعن الجنود أنفسهم، بل بحماس أقل من الحماس الذي تحدث به عن الخدم الذين وُضعوا في الإقامة الخاصة رهن إشارة السفير الإيطالي ومرافقيه.
الحقيقة أن فترة الحسن الأول كانت تعرف توترا كبيرا بين الوزراء، خصوصا في المراحل الأخيرة من حياته، رغم أنه كان يحيط نفسه بكثير من الحكماء، إلا أنهم فقدوا صوابهم فعلا وأخذوا ينظمون حروبا صغيرة في ما بينهم، كان لها تأثير كبير في التوغل الأجنبي في المغرب.
لم يفت أميسيس أن يلاحظ بوادر هذا التصدع، عندما لاحظ أن هناك فرقا كبيرا بين حكمة الحسن الأول وترحيبه، وبين شبه جمود الوزراء. وحدهم الأعيان كانوا أذكياء، خصوصا وأن الدكالي، والفيلالي، وأسماء أخرى ذكرها أميسيس، قال إنهم جاؤوا لاستقبال السفير الإيطالي والترحيب به في المغرب، حتى قبل أن يستقبله السلطان الحسن الأول شخصيا.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *