تفسير سورة الفاتحة (21)

تفسير سورة الفاتحة (21)

جاء الفيلسوف المغربي مهدي بن عبود وهو من الأطباء إلى الجامعة الأردنية أستاذا زائرا، ودعته كلية الشريعة إلى إلقاء محاضرة في مكان عام، وقد حضر عديدٌ من الأطباء من كلية الطب بحكم الزمالة. وحين بدأ في الكلام حلق في سماء ما توصل إليه من العلم بما يتعذر على عقول الطلبة البسطاء، فضلا عن أساتذة الطب الحكماء، فنظرت إلى الحضور فوجدت القسم الأكبر من الأطباء قد غلب عليه النعاس والنوم، وأخذ الطلبة يتسللون من القاعة الواحد تلو الآخر، فعزّ عليّ شأنه ومقامه، فقمت وألقيت عليه سؤالا بقصد أن يتنزل من المقام الذي يتحدث منه على مستوى عقله، ليبسط للسامعين ما يسهل عليهم فهمه ودركه، فإذا به يرّد في الإجابة بانزعاج شديد، ولكنّ الأمر معه قد اعتدل، وبعد الفراغ من المحاضرة أتيت إليه وسلّمت عليه وقلت له: «أنا ما سألتك من أجل طلب معرفة وإنما أردت أن تتنزل من سماء عليائك إلى أرض الواقع». فقال: «وما يضمن لي إذا نزلت إلى هذا المستوى أن لا أبقى فيه بعد ذلك»، فقلت له: «إنما مثلك مثل رجلٍ قطع الفيافي والأودية حتى بلغ قمة رأس جبل فوجد فيه ينبوعاً جاريا بالماء الزلال الذي يروي الظمآن ويشفي العليل، فدعا الناس إليه فأخذوا يهرعون إليه ولمّا وصلوا إلى بطن الوادي أغمي عليهم من العطش فلم يستطيعوا حِراكا فكان من الواجب أن يملأ لهم من الماء ما يُذهب عطشهم ويعيد النشاط والحيوية إليهم ليتمكنوا من مواصلة السير»، فأعجبه المثل، وقال: «مثلك يصلح أن يكون رقيباً معي»، فشكرته وأثنيت عليه.
وبعد عودتي إلى كلية الشريعة رافقني مجموعة من الطلبة، وإذا بهم يسألونني هل فهمت شيئا من هذه المحاضرة فقلت لهم: «كل ما دار في المحاضرة إنما جمعه حديث النبي صلى الله عليه وسلم في عبارتين»، وبيّنت لهم ما يحويه من جوامع الكلم فأثار ذلك دهشتهم واستغرابهم.
فالله جل جلاله على سعة علمه وجلال شأنه ورفعة مقامه عنده القدرة اللامتناهية في أن يبلغ مستوى كل كائن خلقه ليعلمه إلهاما ما به يستطيع أن يقوم بحياته، حسب ما أراد له من خلقه. وإذا نظرنا إلى اسم الرحمن في القرآن نجد أن مجالات اختصاصه في شؤونه فيها اللطافة، عما في اسم الجلالة الذي غالبا ما يستخدم في حق الكفار وأهل الطغيان فيخاطبهم بالجلال قهرا لما هم عليه من الكبر والتمرد عن الإيمان بالرحمن والإذعان لرسل الله الكرام. ولذلك نجد الفرق بين عباد الله وعباد الرحمن فعباد الله هم الذين رباهم بالجلال الغالب على الجمال وهم أمثال الرسل من أولي العزم وورثتهم من أهل الكمال، ولذلك نجد أن المسيح عليه السلام حين أنطقه الله كاشفاً عن حقيقته «قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً» بينما المؤمنون الذين اتبعوا الرسل غلب عليهم إطلاق اسم عباد الرحمن فقال «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً».. «إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا» ويواجههم بالرحمن بعد القيام من المحشر «وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا».
وانظروا كيف حمل من الخصائص واللطائف ما به قد استوى على عرش القلب المحمدي الذي هو حقيقة اسم الله الرحيم. فمن هنا يقول سيدي الوارث المحمدي: «وما كان الاسم الإلهي بتسمية الرحمن الرحيم في معرض هذا التسليم إلا لحصول المقابلة الكلية بينه وبين سائر ذراته العلّية في حضراتها الإمكانية ولأن جميع سور القرآن منتظمة ببسم الله الرحمن الرحيم. كان هذا التعين المبين بالرحمانية والرحيمية تلطيفا كما ألمحنا لتأييد الوفاق بين الانسجام الكريم في معاني هياكل الروح العظيم. والله المشع بهاؤه في هذه البسملة منطو جلاله على الرحمانية ليظهر كاملا بالرحيمية، فالله ثبوت محض في قِدمٍ صرف. والرحمن قِدمٌ صرف في وجودٍ حق، والرحيم بحت القدم الثبوتي في محض الوجود الحق على الاسم المشار إليه والذي كل المعوّل عليه. وبنظرة سريعة في مقابلة بين التربية الربانية ومناهج التربية البشرية نلاحظ أولا الاختلاف في الغايات والأهداف فالتربية فيما يعرفها علماء التربية في ما هو متعارف لدى الكثير هي بناء المواطن الصالح. والمواطن الصالح في نظرهم هو الذي يخدم الوطن ويعمل على نهوضه والذود عن حماه، لكننا إذا نظرنا إلى حقيقة الوطن فلا يتسع لأكثر من الأرض التي يعيش عليها المواطن في بلده أو دولته مع بقية أفراد الوطن، وإذا كانت الأوطان مختلفة في دياناتها وثقافاتها فإن المواطن في البلاد التي تدين بالشيوعية أو الرأسمالية والأخرى الإلحادية إنما ينشأ الأفراد على هذه المبادئ. وهذا ما صرح به قول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» وهي التي تبتعد بهم كثيرا عن منهج التربية الإلهية وبهذا يكون الاختلاف والانقسام الذي يؤدي إلى المنازعات والصراع ولا يتأتى أن تجتمع الكلمة ويتوحد العالم ليعيش في أمن وطمأنينة وسلام، هذه الغاية القصوى من منهج التربية الإلهية. والله جل جلاله توجه إلى الناس كافة أن يدخلوا في السلم «ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة