GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

تفسير سورة الفاتحة (61)

تفسير سورة الفاتحة  (61)

آيات الفاتحة تشمل العقيدة، ذلك أنها جاءت عقب أوصاف الكمال للذات الإلهية وعظيم المنن في توليه لعباده، حيث لا يمكن لأحد أن يتوجه إلى الله مخاطبا له هذا الخطاب «إياك نعبد» إلا وهو عارف بالله حق المعرفة، حيث تبرأ من عبودية ما سواه من كل ما يتنافس عليه أهل الدنيا، فتحرر من عبودية الهوى وتأليهه. وكثرٌ هم الذين غرقوا في بحر الضلال باتباع أهوائهم كما أخبر سبحانه بقوله «أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون». كما أن معظم البشر إنما امتلأت قلوبهم بحب الدنيا وزينتها وزخرفها حتى ما عاد لهم من هم سواها، فطلبوها بكل الأسباب المشروعة وغير المشروعة، حتى بالاقتتال وإثارة الفتن والسلب والنهب، كما هو الحاصل بين الدول، فضلا عن الأحزاب والجامعات والأفراد، وحتى الكثير من المتدينين صورة تجد الكثير منهم في ولائه لأولي الحكم والسلطان، إنما مرجعه لذلك. وهذه الحقيقة هي التي كشف عنها سيد الشهداء سيدنا الحسين رضي الله عنه حين قال: «الناس عبيد الدنيا وإنما تدور ألسنتهم بالدين ما درّت به معائشهم فإذا مُحصوا بالبلاء قلّ الديانون». فتخصيص الله جل جلاله بالعبادة، إنما يكون بعد معرفة الله معرفة باعثة له إلى الإخلاص في القول والعمل وسرعة الامتثال والاستجابة لأمر الله جل جلاله «إياك نعبد» معرفة يشهدون فيها جلال عظمته وعزة سلطانه وجبروت قهره ونفاذ أمره وسعة جوده وكرمه، شهادة يتلاشى من عالمهم كل ما سوى الله أن يكون له أي اعتبار أو أن يستحق منهم التفاتة أو نظرة. هذه المعرفة التي بلغها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث أوجب عليه بل صار ذلك بديهة عنده «وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» فهذه الآية هي محور وباب كل من أراد أن يبلغ المقام الأعلى والدرجة الأولى في العبودية لله، حيث لا يلتفت إلى ما عند الخلق أجمعين من أهل الدنيا، بل يهتم ويبحث عن هؤلاء الذين هداهم الله. وما كان لهم من مراد إلا وجهه الكريم، وفي هذا المراد جمعٌ لأقصى الغايات ونيل لأعظم المطالب وأرفع الدرجات. وإذا كانت العبادة في حقيقتها عبارة عن السمع والطاعة على وجه الخضوع والمذلة لمن يستحق ذلك وحده، فإن كل ما انفتح لهم من أبواب الطاعة من سائر صنوف العبادات والمعاملات الشاملة للأقوال والأفعال والنوايا ومكارم الأخلاق والآداب الرفيعة، فإنها حقاً من أجمع آيات القرآن الكريم للدين كله. وهذه لا تتأتى على حقيقتها إلا لمن تولاه الله ولاية كاملة، حيث تولى كل جوارحه، فكان هو المتصرف بها ومبلغها كمالها، فتولى سمعه وبصره ويده ورجله وقلبه وروحه وسره وحاله في يقظته ومنامه، فهو قائم بأمر الله لا بأمر من سواه. وهؤلاء هم أولوا الأمر الذين أوجب الله لهم السمع والطاعة وهم الذين زكاهم الله بقوله «والذين هم بشهاداتهم قائمون» ومنحهم مقام كرامته «لهم ما يشاؤون عند ربهم» وهذا ما يكشف عنه سر التقديم إياك نعبد، ولم يأتِ الكلام بصيغة نعبدك، فإن من يطيع شخصا ويخبره بأنه يطيع أمره، لا ينفي عن نفسه أن يطيع آخر في أمره ومطلبه. فالتقديم دالٌ على عظيم مقام الألوهية والربوبية، حيث لا يحتاج إلى أحد أن يسمع له أو يستجيب لأمره، إذا كان مخالفاً لأمر الله تحقيقا لغاية أو مصلحة أو منفعة أو ضرورة ماسة، فإن يقينه بالله ومعرفته لمولاه بأنه أقرب إليه من حبل الوريد، فإن توكل عليه حق التوكل كفاه من كل ما يستوجب الالتفات والطلب مما هو عند الخلق أجمعين. ولنا وقفة مع نون المتكلم المشعرة بالجمع «إياك نعبد وإياك نستعين» ولم يكن الكلام على صيغة أخرى «إياك أعبد وإياك أستعين» فإن المتكلم بها فرد إن كان في غير صلاة جماعة والله ولي التوفيق.
أما بالنسبة لما ذكره المفسرون فإنهم غلّبوا أمر الجماعة في الصلاة؛ لأنها هي الأصل، كانت في المسجد أو في أي مكان هو متواجد فيه، بالبيت أو العمل، فالسنة في البيت أن يجمع أهله للصلاة، وأن يقيموها جماعة مع من تيسر رجالا أو نساء، وكذلك في العمل، فإنه لا يخلو من وجود الذين يقيمون الصلاة وفي حث على صلاة الجماعة، لأنها إنما نالت الأفضلية لما في الاجتماع من فضلٍ في تحقيق الصلاة مالا يتحقق في صلاة الفرد وحده. أما بالنسبة للجانب الآخر وهو الإنسان الذي يصلي منفردا، فإن الجمع على لسانه إنما يتأتى من ناحيتين، الأولى: أن الإنسان في نفسه هو هذا المجموع الكلي من الجوارح الظاهرة والعوالم الباطنة، هو فضلا عما يتكون له من أعضاء وجوارح، يجب أن يلاحظ خضوعها لأمر الله. وبهذا يتحقق معنى الجمع، فاليد التي لا تمتد للأذى لأحد، بل تكون بطاعة الله في كل ما تستعمل به في الخير، هي عابدة. وكذلك العين والسمع والرجل فهذا ما ينبغي أن يلاحظه المصلي وهو يقول «إياك نعبد» ليرى إن كان بكله متحققا بهذا القول، أو أنه مقتصرا على اللسان فقط.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة