الملف الأسبوعي

توبة العملاء

حكايات عملاء مغاربة استرخصوا وطنيتهم ثم أعلنوا اعتزال العمالة

حسن البصري

أديب يعترف في تدوينة بتجنيده من طرف المخابرات الفرنسية
كريم.. عميل مغربي ومهندس عملية الهجوم على فندق بمراكش
عبد اللطيف.. طالب يساري يتحول إلى عميل للقذافي
بروكسي يراقب عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية في مدينة طنجة
مومن الديوري.. حين قاطعت الزعامات السياسية مراسيم الدفن
الرابطة اليهودية في المغرب.. خير واستخبار وأشياء أخرى
بن البغدادي.. جاء يطلب الصفح من الملك فقتل عند بوابة القصر

تتداخل الكلمات وتتشابه الأسماء وتصب الغايات في مصلحة عدو واحد للوطن. أن تكون عميلا أو جاسوسا أو مخبرا أو متعاونا فالمهمة في ظاهرها واحدة، لكن في عمقها اختلاف وتباين. فالجاسوس مرتبط بوظيفة ولديه عقد ومهمته تقصي وجمع الأخبار وهو يعلم أن سقوطه في يد العدو سينهي حياته بإعدام أو مؤبد في أفضل الأحوال.
أما العميل فليست له وظيفة مرتبطة براتب، ولا يشترط فيه الذكاء والتفوق والجرأة، بل بالعكس قد يكون خمولا لكن تغلب عليه نزعة الانتقام من رفاق الأمس، وغايته الوصول بأسهل الطرق إلى مبتغاه لأنه يعجز عن بلوغ المكانة التي يرجوها بكفاءته، في ما يشبه الوصولية.
نادرا ما يتم القبض على العميل ومعاقبته كالجاسوس، لأنه في نهاية المطاف لم يفعل شيئا مضرا ببلد الاستقبال، وغالبا ما يعتمد على تجاربه السابقة لخدش صورة بلده، سيما حين تستعين به قنوات فضائية باعتباره شاهدا على العصر.
يوصف بالمنافق وبذي الوجهين يدعي الوطنية ويطعن الوطن، لهذا استهوى كتاب السيناريوهات السينمائية والروائيين وأدب الخديعة، لكن العمالة نوعان: عمالة الداخل وعمالة الخارج، وهما وجهان لعملة واحدة.
في عالم العمالة أصبح الاعتماد على العنصر النسوي أساسيا في التنقيب عن المعلومة، لأن رجال الدولة يدركون عمق التأثير النسائي وطرقه الملتوية التي تصعب مقاومتها. القضية أبعد مما يتصوره العاديون فالعملاء ليسوا عسكريين هاربين من الخدمة العسكرية وليسوا وزراء متقاعدين أو سياسيين معارضين بل منهم الفنانون واللاعبون والمفكرون والصحافيون.
في هذا الملف تسلط «الأخبار» الضوء على عملاء بوجوه مكشوفة يطلون علينا ليكشفوا عورات الوطن وينشرون غسيله في الفضائيات والأرضيات، وتتوقف عند أسماء مارست العمالة منها من اعترفت ومنها من انقلبت على رؤسائها وتصالحت مع الذات وفضحت أسرار مهنتها والجهة التي كانت تعمل لصالحها.

أديب يعترف في تدوينة بتجنيده من طرف المخابرات الفرنسية
كشف الضابط السابق في الجيش المغربي مصطفى أديب، في تدوينة على حسابه الشخصي في موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، عن تعاونه مع المخابرات الفرنسية، عندما كان لاجئا بفرنسا بعد أن غادر المغرب مباشرة بعد انتهاء مدة اعتقاله. وأكد تجنيده من طرف المصالح الاستخباراتية الفرنسية قبل رحيله إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وجاء في التدوينة: «حين استضافتني قناة «فرانس 24» لمناقشة بعض القضايا التي تهم المغرب، لم يكن اللقاء بريئا، بل كان في إطار صفقة مع المخابرات الفرنسية وعلى أعلى مستوياتها، ولم يكن محض صدفة أو في إطار استقلالية تلك القناة، ولو أنني تظاهرت أيامها بأنها مستقلة وذلك خدمة للشعب المغربي وقضاياه. كنت على علم بأن كل ما كان يدور بيني وبين المخابرات الفرنسية سوف يصل إلى الجانب المغربي، علما أنني اشترطت عليهم في بادئ الأمر أن يظل التعاون والتنسيق بيننا في إطار مهمة أمنية داخلية لفرنسا، وأن يبقى سريا على أي طرف ثالث أيا كان، سيما الطرف المغربي، وقلت لهم بالحرف يجب فصل هذا بحاجز عن باقي ما تقومون به».
حاول أديب نفي صفة عميل التي تلاحقه، وقال في التدوينة ذاتها: «أنا لست بعميل، لا أنفذ جميع الأوامر التي أتلقاها من المخابرات الفرنسية، ولست بموظف معهم حتى أتوصل بالتعليمات دون مناقشتها. أنا مجرد مواطن احتاجته فرنسا في مسألة تخص أمنها الداخلي ومن واجبي آنذاك تلبية النداء».
ولأن أديب له تكوين عسكري وسبق له أن اشتغل كضابط في الجيش ينام ويستيقظ على الأوامر غير القابلة للرفض، فإنه وجد نفسه ملزما بتنفيذ ما يطلب منه وبعد ذلك يترك له أمر الاستنتاج.
حسب الكتابات الصحفية التي تهتم بمغاربة الخارج، فإن الضابط أديب «كان مكلفا بمراقبة نشاطات الأجهزة المغربية غير القانونية فوق التراب الفرنسي، أي تلك التي تخرج عن السيطرة الأمنية. لكن ما لم يخطر بباله هو أن الفرنسيين لم يلتزموا بما قطعوه على أنفسهم وتنكروا للضابط اللاجئ».
يقول: «قررت مع ذلك الاستمرار حتى أرى كيف يشتغلون. وأحيانا مثلت عليهم كما يمثلون علي، وتظاهرات بالتجاوب معهم في أشياء لا أقبل التجاوب معها، كل هذا فقط لأعرف كيف يشتغلون، وكيف ينظرون للمغاربة».

كريم.. عميل مغربي ومهندس عملية الهجوم على فندق بمراكش
كان كريم مولاي عميلا في المخابرات الجزائرية التي وظفته في عمليات عدوانية ضد المغرب، أبرزها الهجوم الذي استهدف فندق أطلس أسني بمدينة مراكش صيف سنة 1994. يعترف كريم بأن التخطيط لهذا الهجوم تم قبل عام من موعد التنفيذ، وأن السلطات الاستخباراتية في الجزائر جندته لاختراق الجماعات الإسلامية الجزائرية المقيمة في المغرب، لهذا ظل يتردد على المغرب بجوازات سفر مختلفة.
اعترف كريم في حوارات صحفية بطبيعة المهمة التي قام بها خلال التخطيط للهجوم الإرهابي الذي استهدف السياحة المغربية، وخلال مراحل التنفيذ، وكشف عن أسماء مغاربة ساعدوا على إنجاز المهمة مقابل مبالغ مالية كانت تصل إلى المغرب بالعملة الفرنسية «الفرنك» ويتم توزيعها على العملاء الداخليين، بعد التأكد من صحة المعلومات التي يقدمونها، وكان على رأس المتعاونين رجل أمن مغربي في الرشيدية كان يزود كريم ببيانات دقيقة حول الجزائريين الفارين إلى المغرب وتحركاتهم وسياراتهم ومخططاتهم.
هاجر رجل الأمن إلى ليبيا بفضل المخابرات الجزائرية، «حصل على عمل في ظرف أسبوع بعد وصوله إلى طرابلس، وتم توظيفه في مركز دراسات الكتاب الأخضر. وأذكر أنني زرته في طرابلس عام 1995، وبقيت معه مدة أسبوع، وسألته عما إذا كان في حاجة إلى أموال، فقال إن أموره جيدة، وأخبرني أنه حصل على سكن لائق في حي الحدائق في طرابلس الذي تقطنه الشخصيات الليبية العامة»، يقول كريم.
أعلن العميل توبته إعلاميا خلال استضافته على قناة «الحوار» التي تبث من لندن، كان ذلك سنة 2000، أعلن اعتزاله «اللعبة» القذرة، لأنه كان في أمس الحاجة لاستراحة روحية، قائلا: «لأنه سيأتي وقت سأموت فيه، وأريد أن ألتحق بالرفيق الأعلى وأنا مرتاح الضمير، بخصوص الملف الجزائري فأنا مستعد للوقوف أمام محكمة عادلة إلى جانب الضباط الكبار والقادة إذا ما كانوا مستعدين لتقديم أنفسهم للمحاكمة».
اعتزل كريم العمالة سنة 2000 وطلب اللجوء السياسي إلى إنجلترا، بعد أن اقتنع بجدوى القطع مع الاستخبار لفائدة المصالح السرية الجزائرية، اختمرت فكرة الهروب بعد أن طلب منه تصفية نجل عباس مدني زعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وقرر اللجوء إلى إنجلترا تاركا الجمل بما حمل.

عبد اللطيف.. طالب يساري يتحول إلى عميل للقذافي
بدأ عبد اللطيف راكز حياته من وسط تقدمي، عاش شبابه متيما بالفكر الماركسي متعاطفا مع اليسار المغربي، قبل أن تضطره الضائقة المالية للالتحاق بسلك الشرطة المغربية، حيث تحول من مساند للتيار الثوري إلى متعقب للثوار مستنطق لزعامات سياسية ناشئة، ضدا على مبادئ وتوجهات شقيقه الأكبر الذي كان معتقلا سياسيا في سجن القنيطرة المركزي.
عاش عبد اللطيف تجربة مريرة، حين استقال طوعا من الاستخبار المحلي وأعلن استعداده للانخراط في اللجان الشعبية الثورية التي تشكل الذراع السياسي لنظام العقيد القذافي، بل إنه تقدم بطلب رسمي للانضمام إلى عالم العقيد فلبى له معمر طلبه، وضمه إلى صفوف المخابرات بصفته صحافيا في مجموعة من المنابر التي كانت تحت وصاية الأجهزة الأمنية السرية، قبل أن يقترب من محيط القذافي وينال ثقته، ويحمل صفة إعلامي مجند في صفوف الاستخبارات الخارجية الليبية.
عانى الرجل الأمرين قبل أن يصبح جزءا من أمن خيمة الزعيم الليبي، وحين بعثته المصالح الأمنية الليبية إلى تونس اقترب من محيط ليلى الطرابلسي وقدم معلومات هامة للجان الشعبية عن النظام الحاكم في تونس، بل وقضى فترة في سجون الرئيس التونسي المطاح به، زين العابدين بنعلي، بعدما كشفت المخابرات التونسية أمر مجيئه مبعوثا من القذافي لاختراق نظامها السياسي، وصولا إلى الجزائر التي عاش فيها بضعة أشهر بعد هروبه من السجن التونسي تحت غطاء ثورة الياسمين، حاملا هوية مزورة.
في رواية ألفها راكز حول تجربته في عالم العمالة، يكشف عن كيفية اختراقه ثورة الفاتح ونظام بنعلي، وطبيعة مهامه حين اشتغل سابقا لصالح المخابرات المغربية، قبل أن تلاحقه هذه الأخيرة ويدخل السجن بتهمة إصدار شيكات دون رصيد.
بعث عبد اللطيف برسالة اعتذار إلى الملك محمد السادس يعترف فيها بأخطائه ضد نظام الملك الراحل الحسن الثاني، وألف كتابا حول الملك يحكي فيه معاناته في دهاليز العمل السري من الرباط إلى طرابلس وتونس ثم الجزائر.

بروكسي يراقب عميل وكالة الاستخبارات الأمريكية في طنجة
يقول لحسن بروكسي في مذكراته: «بدأت أشتغل ضمن خلية من الباحثين الأجانب الذين جاء بهم أوفقير لوضع أسس نظام جديد فيه مراعاة للمقاربة الأمنية، في زمن كان فيه المغرب حقلا للتجارب في مجال الجهوية وإعداد التراب الوطني، في بداية عهدي بالوظيفة كنت معجبا بـ «ديتيي» المهندس المعماري، والذي كان على اتصال مباشر مع أوفقير، وماصون الذي كان مراقبا لقطاع التمدن على رأس فريق عمل مكون من مسؤولين مغاربة، وبعد فترة استئناس بالعمل الجديد أصبحت عنصرا لا محيد عنه في الخلية، بل إنني كنت المسؤول المغربي الوحيد في هذه المؤسسة، وتدريجيا بدأت المجموعة تتعزز بكفاءات مغربية، حيث تم استقطاب جلال السعيد، الذي ترأس لفترة طويلة البرلمان المغربي، وبعض المختصين في علم الاجتماع المغاربة الذين أوكلت لهم مهمة العمل الميداني، انضم إلينا في سنة 1971 محمد الربيع الذي شغل في ما بعد مهمة مدير عام للأمن الوطني، ومناصب حكومية أخرى، لكن الحلقة الأهم في هذه السلسلة هو إدريس البصري الذي نال في هذه الفترة شهادة الإجازة في القانون من كلية الحقوق بالرباط، بإشراف من الأستاذ روسي الذي كان يجني ثمار اشتغالنا على ملفات كبرى، مما خول له أن يتحول في ما بعد إلى خبير في الجهوية».
كان لحسن يتابع هذا الركض خلف المعرفة وهو يشعر بأنه ابتلع المهنة وخبر دروبها، وأصبح مرجعا في استراتيجيات إعداد التراب الوطني وسياسة التمدن، وسياسة مكافحة مدن الصفيح والتخطيط في المجال الحضري والقروي. توصل أوفقير بتقرير حول استيعابه السريع لهذه الملفات، حيث فوجئ يوما بجوريو يدعوه إلى مكتبه ليطلب منه الاستعداد لتقديم محاضرة حول المجال الحضري والتمدن، أمام ضباط تابعين للقوات المسلحة الملكية، انتابه نوع من الخوف إزاء هذا الطلب الذي كان يعرف أنه أشبه بأمر عسكري، تجاوز العائق البيداغوجي وأنجز المهمة بتقدير جيد، وأصبحت له شبكة علاقات واسعة مع ضباط الجيش.
«في هذه الفترة لم تكن لي علاقة مباشرة مع وزارة الداخلية، التي كانت تعتمد على ثلاثة ركائز يهودية الكوهن وحاسين ثم ليفي، وهذا الثلاثي يأتي في التراتبية الإدارية خلف جوريو، بينما كان حصار مكلفا بمديرية الشؤون السياسية، ومديرية الجماعات المحلية تحت إشراف الاستقلالي بلحسين، وكانت المفتشية العامة شبه معطلة وهو ما جعل العمال لا يخضعون في الغالب للحركة الانتقالية، أما الاسم الحاضر الغائب في هيكلة الديوان فهو بلعالم الرجل القادم من منطقة بركان شرق البلاد. مرة التقيته في مقر وزارة الداخلية حيث دعاني لمقابلته من أجل طلب خدمة غريبة أسندها رئيسه المباشر جوريو، فقد كلفني بمراقبة شخص أمريكي حل بمدينة طنجة وشكل مصدر إزعاج لأوفقير، تساءلت في قرارة نفسي لماذا اختارني أنا لهذه المهمة الاستخباراتية علما أنه يملك مئات المخبرين السريين؟ لم أجد جوابا لسؤالي الذي حملته معي وقررت السفر إلى طنجة بعد أن خصص لي الديوان منحة دسمة»، يضيف لحسن في كتابه: «حياتي.. الحسن الثاني.. البصري وأنا».
ظل أوفقير يبحث عن الرجل المناسب للمهمة المناسبة، وقع اختياره على لحسن لأن هيأته توحي بأنه طالب مازال يتابع دراسته، كما أن مساره الجمعوي يساعده في إنجاز المهمة، وفق ما أراد لها أوفقير الذي صدقت تنبؤاته حين أصر على أن السائح الأمريكي شخص غير عادي، فقد تبين بعد البحث أنه من رجال وكالة المخابرات الأمريكية. أنجز بروكسي تقريرا قدمه لجوريو قبل أن يعرضه هذا الأخير على الوزير الذي كان يترقبه بشغف، والذي نال رضاه واعتبره صائبا.
«هذه إحدى وسائل الرصد لدى أوفقير، فقد كان يسعى إلى استخدام كل الموارد البشرية المتاحة لديه واستخدامها على نحو يساير أهدافه أو مناوراته، لكن سرعان ما عدت إلى مدرجات الجامعة مع الاحتفاظ بوظيفتي، فللبحث العلمي جاذبيته رغم ثقل الملفات التي نتدارسها، وللإدارة روتينها القاتل، لكن الديمومة لأوفقير ورئيسه وعمال كانت لهم جذور في الإدارة الترابية، كسعيد واسو والطاهر واسو وعبد السلام بنحمو وآخرين لهم انتماءات عسكرية وأغلبهم من المقربين لأوفقير.
يمكن أن نتساءل: ألم يكن الملك الحسن الثاني رهينة هذا الجهاز الذي هو مزيج من البيروقراطي والعسكري والتقنوقراطي المختنق؟ بالتأكيد لا يمكن لهذه المكونات أن تدور بانسجام حول محور مركزي الذي هو الملك، في هذه الفترة كانت في هرم السلطة رؤوس كبيرة، والرؤوس الكبيرة غالبا ما تقتل بعضها البعض لتضمن بقاءها وتحافظ على جبروتها، كثير من الأسماء الوازنة ذات الأصول الأمازيغية كانت مقربة من الحسن الثاني كاعبابو والشلواطي والمدبوح وبوكرين وآخرين من الأطلس المتوسط كانوا يمارسون السلطة إلى جانب عمال من ذوي الانتماءات الأمازيغية، وهو عالم متشعب يستمد وجوده من عائلات الباشوات والقواد العريقة، أو ما أسماه بروكسي «النخب المنتمية للبادية المغربية، التي تعيش حياة بورجوازية دون فكر بورجوازي».

مومن الديوري.. حين قاطعت الزعامات السياسية مراسيم الدفن
كانت عودة مومن الدويري إلى المغرب سنة 2004 في سياق شعار «الوطن غفور رحيم»، ولأن والده كان من الموقعين على وثيقة الاستقلال فإنه شرب الوطنية من ثدي والدته. سمي مومن لأنه خرج إلى الوجود وأمه تطوي المسافات صوب سجن علي مومن بضواحي سطات، حيث كان والده يقضي عقوبته الحبسية قبل أن يستشهد في السجن، وهو الذي استأنس بحياة الاعتقال منذ أن أسر في سجون التهامي لكلاوي بأيت ورير.
حين حصل المغرب على الاستقلال عاد مومن إلى الوطن وهو يحمل مشروعا استثماريا. لم يكن في استقباله بالمطار مستشارون وخبراء اقتصاديون، بل مخبرون يأتمرون بأوامر الدليمي وأوفقير، اقتادوه إلى المعتقل السري دار المقري، حيث مورست عليه أنواع مختلفة من التعذيب، قبل أن يحال على السجن المركزي بالقنيطرة، إلى أن تلقى عفوا ملكيا سنة 1965، لكنه لم يؤمن على نفسه فقرر النفي الاختياري في فرنسا بعد ست سنوات من العفو، ثم الانتقال إلى الغابون بعيدا عن أعين المخابرات.
عاد الرجل إلى باريس، وهناك طلب منه حسن أبو أيوب سفير المغرب في فرنسا، كتابة رسالة اعتذار عما بدر منه في الماضي من معارضة للنظام، لكنه رفض، رغم ذلك عاد مرة أخرى إلى أرض الوطن وارتمى في حضن مقاومين شرفاء فضلا عن أفراد عائلته التي سئمت من ترصد البوليس السري والعلني.
في سنة 2010 مات بعد إصابته بمرض السرطان، وتحمل ملك البلاد نفقات دفنه، لكن الراحل تحمل لوحده غبن الرفاق، إذ غابت أسماء أغدق الفقيد عليها ولم تكلف نفسها عناء السفر إلى القنيطرة لتشييع جثمانه، يقول أصدقاء مومن إن «أنواعا شتى من الإقصاء دفنت مع الراحل في قبره، ومن بين أنواع الاقصاء التي تعرض لها تهميشه من اليسار قبل اليمين، إنه نكران مؤلم دون أن يوفيك أحد حقك من الاعتراف والتكريم».
لقد روجت بعض الزعامات كلاما كثيرا حول مومن، قالوا إنه كان عميلا للجزائر، لكنه «لم يمتهن العمالة لأي جبهة ولا جهة، ولا اغتنى من جهة معينة، مومن كان في الجزائر من أجل الدفاع عن حريتها واستقلالها، وجبهة التحرير خير شاهد على تاريخه الطاهر»، يقول مشيعوه في تأبين غابت عنه القيادات السياسية والثقافية، وما حز في نفس الأسرة هو اكتفاء التلفزيون المغربي بخبر الوفاة الذي لم يتعد بضعة ثوان»، كما يقول أفراد أسرته.

الرابطة اليهودية في المغرب.. خير واستخبار وأشياء أخرى
أنجز يوسف داديا، الرئيس المؤسس لجمعية اليهود المغاربة لمدينة مراكش، دراسة معمقة حول بدايات التمدرس اليهودي في هذه المدينة، تطرق فيها لجذور المسألة التعليمية وعلاقة اليهودي المراكشي بالفصل الدراسي ودور الرابطة الإسرائيلية في دعم جهود التمدرس ومحاربة الهدر ومنع إقبال الأطفال على امتهان الحرف البسيطة، ومدى الإقبال على التمدرس في ظل توفير دار للرعاية الاجتماعية تمول من التجار اليهود والرابطة العالمية.
ويروي جاكي كادوش رئيس الطائفة اليهودية بمراكش والصويرة، في مذكراته عن الموافق الاجتماعية التي كان يزخر بها الحي اليهودي، والذي أصبح يحمل اسم حي السلام، «كان عدد اليهود في حي الملاح بمراكش 27 ألف قاطن، وهو المكان الذي ولدت فيه، وعشت فيه لمدة أربع أو خمس سنوات من عمري. أتذكر جيدا هذا الحي «الملاح»، وأتذكر كنسه التي كان يبلغ عددها ما بين 40 إلى 45 كنيسا، نصف العدد موزع بين المدارس والمصحات وداخلية تأوي الأطفال الفقراء العاجزين عن تحمل نفقات الدراسة. تحت وطأة الاحتلال الفرنسي للمغرب، كان لا يسمح لليهود العيش خارج الحي اليهودي. وبعد الاستقلال سنة 1956، منح الملك محمد الخامس الإذن لليهود بالعيش حيث رغبوا. والآن انخفض عدد الطائفة اليهودية بمراكش إلى أقل من 200 شخص، ويرجع ذلك أساسا إلى جيل الشباب الذين يدرسون ويستقرون في الخارج، مما أجهز على كل المرافق الاجتماعية».
من القصص المثيرة التي جادت بها أدبيات المخابرات الإسرائيلية، قصة عميل الموساد أموس هاريل الذي زار المغرب سنتي 1959 و1960، حيث ركز على الأطفال الذين كانوا يعيشون في أوضاع صعبة، وأغلبهم من نزلاء المرافق الخيرية اليهودية، وقام بتهجيرهم إلى «أرض الميعاد»، كان العميل مكلفا بتنظيم الهجرية السرية إلى إسرائيل، وفي 11 يناير 1961 قام بترحيل عدد كبير من الأطفال إلى خارج المغرب بتنسيق مع الوكالة اليهودية فاق عددهم 530 طفلا وشابا ينحدرون من مؤسسات الرعاية الاجتماعية مكنهم من تجاوز الحدود تحت ذريعة «تنظيم مخيم صيفي للمعوزين في سويسرا»، لكن الوجهة الحقيقية كانت إسرائيل.
وفي سيرة حياته يتحدث عريق ديلويا الباحث في المجال الزراعي المقيم في باريس المتنقل بسبب أبحاثه بين فرنسا وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وكندا والهند ثم المغرب، عن علاقته بأبناء دار الرعاية المراكشية منذ طفولته إلى أن غادر المدينة صوب إسرائيل سنة 1964، وعن عمله التطوعي الذي لم ينقطع مع أطفال غزة، إذ كان همه تقديم يد العون للأطفال المعوزين الذين غادروا «خيريات» المملكة الشريفة واستقروا في إسرائيل دون أن تعرف أوضاعهم المعيشية استقرارا، «اشتغلت بشكل تطوعي منذ سنة 1970 كمربي في الأحياء الهامشية التي كان يقطنها يهود مغاربة استبدلوا الفقر بالعوز». لكن الرجل يعترف بساعاته الإضافية التي كان يخصصها لشغل آخر باسم العمالة لإسرائيل لكن بغطاء خيري.

بن البغدادي.. جاء يطلب الصفح من الملك فقتل عند بوابة القصر
في 16 نونبر 1955، عاد محمد الخامس من منفاه الاضطراري في مدغشقر، عمت البلاد حالة من الفرح بعد انتهاء زمن الحجر والحماية، طالب الوطنيون الملك العائد إلى عرشه بعدم الصفح على كل خائن للوطن ارتمى في حضن المستعمر، وذكروه بلائحة الوطنيين الذين قتلهم الخونة، بل ووضعوا أمامه لائحة بأسماء من أسماهم المستعمر بالأوصياء على العرش وعلى رأسهم السلطان البديل محمد بن عرفة، فضلا عن أسماء أخرى أبرزها الباشا التهامي لكلاوي وخليفة باشا فاس محمد بن البغدادي.
لم يتم التعرف على المساندين الرسميين للحماية الفرنسية إلا بعد حصول المغرب على الاستقلال، حيث وردت على الملك العائد عشرات التقارير التي تؤكد انخراط رجال السلطة في مخطط استعماري بغيظ، سيما في المعارك التي خاضها القواد والباشوات وأذناب السلطة في مواجهة مناضلي حزب الاستقلال وحزب الشورى والاستقلال وأعضاء المقاومة وجيش التحرير.
بعد ثلاثة أيام من عودة محمد الخامس إلى أرض الوطن، وتحديدا ظهر يوم 19 نونبر 1955، قرر محمد بن البغدادي التوجه إلى القصر الملكي طلبا للصفح، بعد أن عجز عن مغادرة البلاد وتمت محاصرته من طرف وطنيين منعوه من ممارسة مهامه كرجل سلطة واعتبروا مهمته كعميل لفرنسا منتهية الصلاحية.
تقول روايات تاريخية إن بن البغدادي خليفة الباشا بفاس «قصد القصر الملكي بالرباط من أجل، طلب العفو من الملك على غرار ما فعله عملاء قبله. آنذاك تعرفت عليه جماهير فاس كانت موجودة بمشور القصر الملكي، فهم البعض للهجوم عليه وعندما أخرج سلاحه لحماية نفسه انقض عليه أحد الحاضرين، وطعنه بخنجره ولقي نفس المصير بـعـض حراسه».
المصير نفسه لقيه صديقه بن العربي الفشتالي وهو قائد وعميل الاستعمار، وعملاء آخرون حلوا بالقصر لإعلان التوبة، وحين علم الملك محمد الخامس بمقتل بن البغدادي تأسف لسيادة منطق العنف، وقال لأحد الحراس كان علينا أن نواجه خونة الوطن بمنطق آخر ثم انصرف.
طلب الملك من مساعديه اعتماد مقاربة أخرى في مواجهة العملاء، ودعا الوطنيين إلى إنهاء إهدار دم المغاربة، سيما بعد أن توالت أخبار سقوط أكثر من عميل برصاص المقاومين، ومع تناسل الأحداث الدموية والانتقالية أعلن ولي العهد مولاي الحسن للمغاربة قائلا: «إن محمد الخامس يطلب منكم أن تغفروا لأولئك الذين أساؤوا إليكم».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق