«تيشكا» وأخواتها

«تيشكا» وأخواتها

فقط حتى لا ننسى، تحل هذه الأيام ذكرى فاجعة طريق «تيشكا». لا يهم، بطبيعة الحال، رقم الذكرى بقدر ما يهم إن كنا فعلا قد نسينا تلك الكارثة ومضينا إلى الأمام نحو المجهول، أم أننا نقرر أخذ العبر والعمل على ألا تتكرر كوارث مشابهة.
على كل حال، فإن طريق «تيشكا» لا تزال واحدة من أخطر الطرق في العالم وليس في المغرب فقط. والعارفون يعلمون أنها واحدة من الوجهات المفضلة لدى المغامرين الذين يرغبون في تجربة السيارات السريعة على يد السائقين المحترفين.
هؤلاء، أي (السائقون المحترفون)، لا يعلمون، بطبيعة الحال، أن هناك سائقين من نوع آخر، يقطعون طريق «تيشكا» طولا وعرضا بحثا عن لقمة خبز، عن طريق نقل الأبرياء بين منعرجاتها الوعرة، سبع مرات في الأسبوع وربما أكثر.
يكتب أحد المواقع المتخصصة، أن طريق «تيشكا» توفر للمغامرين ظروفا ملائمة لاختبار قدراتهم على التحكم في السيارات الرياضية السريعة، وتمتحن قدرة أعصابهم على رد الفعل السريع لإيقاف السيارة المسرعة في الوقت المناسب قبل ارتطامها بالجبل أو انفلاتها نحو المنحدر السحيق. ربما غاب عن بال هؤلاء المغامرين، أن نسبة مهمة من سكان المغرب يقطعون تلك الطريق، ليس حبا للمغامرة، ولكن اضطرارا للالتحاق بعائلاتهم، والقاسم المشترك بينهم والمغامرين، هو أن تيشكا تختبر أعصابهم جميعا!
يعتقد الكثيرون أن «تيشكا» مضمار رياضي، وهذه لوحدها أضحوكة كبيرة. ولا يمكن أن تقنع مغامرا بأن تلك الطريق تعتبر طريقا وطنية، بل ونقطة الوصل الوحيدة بين مركز المغرب وهامشه. لن يصدقك أحد من الذين تكسو الطرق السيارة كل شبر من بلادهم، عندما يرون منعرجات «تيشكا» والموت المزروع بين «الفيراجات» والتيارات الهوائية القوية التي تجري عند نهاية كل منعرج.. ببساطة لأن الطريق توفر جميع شروط الخطر والإثارة والتشويق التي يبحث عنها المغامرون، وبالتالي فإنه يصعب عليهم أن يصدقوا أن «سائقا» مؤتمنا على أرواح الركاب في حافلة متوسطة، عليه أن يقطع بهم كل تلك المنعرجات ليوصلهم سالمين إلى ورزازات.
وعلى ذكر ورزازات، فإنها يمكن أن تعتبر جائزة للفائزين في امتحان «تيشكا» يوميا. إذ إن المسافر يمكنه أن يموت ببساطة شديدة في واحد من تلك المنعرجات الوعرة. وليست المدينة وحدها من اكتسبت سمعة سينمائية عالمية بفضل مؤهلاتها الطبيعية، بل حتى «تيشكا» نفسها بدأت تستقطب مجانين العالم، وينامون في ورزازات عندما ينهون مغامراتهم بين المنعرجات. وقد رأينا جميعا كيف أن «توم كروز» اختار منعرجات «تيشكا» لتصوير الجزء الأخير من سلسلته الشهيرة «المهمة المستحيلة»، التي تعتبر واحدا من أكثر الأفلام تشويقا في تاريخ السينما، وتم تصوير مشاهدها في أخطر الأماكن الطبيعية عبر العالم، وطبعا كانت «تيشكا» هي آخر الأماكن التي صوّر فيها توم كروز مشهدا وهو يقود دراجة نارية سريعة، بين منعرجات «تيشكا»، ولقيت تلك اللقطات استحسان عدد كبير من المغامرين عبر العالم، والذين بدؤوا في الأنترنت رحلة بحث كبيرة عن تلك الطريق، ليكتشفوا في الأخير أنها تقع في شمال إفريقيا، وبالضبط في المغرب، وشد بعضهم إليها الرحال لتجربة السيارات الرياضية السريعة، لكنهم، بطبيعة الحال، لا يعلمون أنها، أي الطريق، مخصصة لنقل العباد بواسطة حافلات لنقل الركاب، لم تُصنع نهائيا لتسلق المنعرجات الجبلية الوعرة.
أراوح الأبرياء الذين قضوا في فاجعة «تيشكا»، قبل أربع سنوات، لا تزال محلقة فوق المكان الذي يبدو من الأعلى وكأنه مضمار سباق احترافي، اختار له صانعوه أن يكون تحديا للطبيعة وليس طريقا وطنية للنقل الطرقي المتعارف عليه. وكان حريا بالمغرب أن يترك تلك الطريق لتبقى أثرية، يأتي إليها عشاق اللعب مع الموت بواسطة السيارات الرياضية السريعة. لكن، للأسف، نحن هنا دائما نختار اللعب مع الموت في كل شيء، ونقامر بالمواطن وكأنه عنصر لدينا منه الكثير، ويجب أن ينفد في أقرب وقت. إذ ما معنى أن تحشر ركابا فوق الطاقة الاستيعابية لحافلات لا أحد يعلم عدد المرات التي تقطع فيها رحلاتها المكوكية أسبوعيا بدون توقف، وتقطع بهم واحدة من أخطر الطرق عبر العالم، علما أنه كان بإمكانك، منذ عقود، أن تحفر نفقا وسط الجبل، وتختصر كل شيء.. هكذا ببساطة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *