ثرثرة حشاشين

لن تحيد الحكاية عن مستملحات من عالم الحشيش. لقد كتب مؤرخون ومفكرون عن «الحشاشين» باعتبارهم فئة خارجة عن المألوف في نواميس متعارف عليها. لكني أنبش في الذاكرة عن حشاشين من نوع آخر. إذ لم يكن مظهر «السبسي» و«المطوي» يثيران الاستغراب، فهما مرتبطان بأعواد الثقاب وآخر ما يتبقى من «دكة» الشاي التي تحمر خجلا، كما يقال.
فالطقوس أهم شيء في العادات السيئة والحسنة على السواء. ولولا أن صناع الفخار أدركوا وجود مستهلكين يحشون رأس «السبسي» بـ«الكيف»، لما صنعوه أصلا. وكذلك هم القصابون والنقاشون الذين تفننوا في تزيين هذه الأداة، كما فعل ممتهنو الجلود في صنع «البزاطيم» و«المطويات». فحيث يكون الاستهلاك تنبت حرف رائجة. وإن كانت تقاليد «النفحة» فقدت الكثير من «مقوماتها»، يوم كان استهلاكها يتطلب مناديل طويلة الحجم، غالبا ما تكون ألوانها فاقعة، إضافة إلى وسائل تطويعها في أوان خشبية، مثل طقوس «تقصيص العشبة».
لم يكن «أبا جناة» يكمل رواية حلقات العنترية وسيف بن ذي أزل، وهو يقصها على جموع المتحملقين حوله في ربوة «باب الفتوح» خارج أسوار فاس، من دون أن يتوقف برهة بعد أخرى. يأخذ «السبسي» بيمينه و«المطوي» بشماله ويضع عود الثقاب بين أصابعه، ثم يملأ حقينة «السبسي» ويشعلها بتأن وهدوء. ولا ينفث في الجعبة»، إلا بعد أن يكون أخذ نفسا عميقا يرد له «المجاج».»
فالأصل في هذه الكلمة التي درجت أنها منبثقة من المزاج، شأنها في ذلك مثل كلمات أخرى، ويقال مثلا في العامية «المطوي» الذي يشار به إلى كيس جلدي صغير، ومبعثه في التسمية ما ينطوي عليه، أي ما يوجد بداخله. ولعل انطواء الحيلة مثل انطلاقتها مشتق من حالة الشرود التي يحدثها استهلاك الحشيش. ولا يمكن بهذا المعنى تصور اشتعال «السبسي» بغير عود الثقاب، لأن مسكه باليد جزء من طقوس العملية المشاعة.
يدخن «أبا جناة» «سبسيه» والكلمة تصغير للسيد الذي اسمه الجناتي، على الملأ. ويحترم رواد حلقاته عادات المعلم الحكواتي، ويتركونه يمارس هوايته، بعد أن يعاود وضع قلنسوته على رأسه لتبدو مائلة بعض الشيء، ثم يسأل الزبائن: أين توقف به الحديث عن عنتره وغيره من الأبطال الأسطوريين.
وهات ما عندك من خوارق، يعجز الخيال عن فك طلاسمها. الأفواه مشدوهة والآذان تتعقب نهاية المأساة، خصوصا إذا تحدث «أبا جناة» عن آلاف مؤلفة من البغاة الذين طوقوا عنترة بن شداد في ساحة الوغى، واستل سيفه من غمده، ثم أرداهم جميعا، مقطوعي الرؤوس والأطراف على الأرض. لا تعليق، فإذا كان المتكلم حشاشا فشيمة مستمعيه من تأثير ما استنشقوه.
ليس مثل الطيور أكثر تأثرا بالروائح، لذلك دأب بعض الصناع التقليديين والحرفيين التقليديين الذين يهوون تدخين «الكيف» على تربية العصافير التي تزيد زقزقاتها، كلما هبت «نسائم» العشبة التي كان يقال عنها إنها تجلب الطمأنينة والهدوء ونبذ العنف. ومادام الشيء بالشيء يذكر، فقد سأل أحد الممثلين من فرقة «المسرح الشعبي» في فاس زميلا له : إن كان «هاملت» ابنا شرعيا لـ«عطيل».
كان الممثل ملأ جوفه وعقله بحاجته الملحة من «الكيف»، وبدت له أسماء الأشخاص والمسرحيات تتراقص أمام عينيه، وتخيل أن أمير الدنمارك الذي اسمه «هاملت» لا يمكن إلا أن يكون ابنا للقائد العسكري، ذي القامة المديدة والجثة الضخمة، عطيل ومن كان قياسه من وحي الحشيش، لا جناح على سامعيه في أن يتصوروا نظرته إلى الأشياء، خصوصا وأن الكلمات مثل النقود تعرف برنينها. فالكلمة الضخمة في التعبير الذي تحشوه حروف غليظة في النطق، لا تكون إلا حكرا على الرجال، أما غيرها من النواعم فهو من نصيب النساء. حتى أن كلمة الشاي، أدغمت تأنيثا حين بدأ النساء يشاركن الرجال في شربه، فخرجت كلمة «أتاي» استئناسا وتأنيثا.
لن أغادر حكايات مسرحية تأثرت بنوع من عربدة الحشيش. فقد كانت فرقة مسرحية أخرى في فاس، يقودها صانع تقليدي يدعى العيادي، عرف عنه أنه كان مولعا بشرب الحشيش، وألف على طريقته تمثيلية هزلية تدعو الناس إلى الكف عن استهلاك القنب الهندي. ومن جملة حواراتها، كانت هناك أغنية تقول
«راه الكيف عملها بي وخلاني ولهان
قطعي الكيف يا كتامة واسمعي للسلطان».
المشهد المثير في تلك المسرحية أن الممثلين لم يكونوا يتقمصون أدوار حشاشين فحسب، بل أحضروا مستلزمات «تقصيص» العشبة، وشرعوا في ممارسة الطقوس اللصيقة باستهلاكها. انبعثت في القاعة رائحة الكيف تعبق قاعة العرض، وعندما ألم الجوع بالممثلين، على عادة أن شرب الكيف يفتح الشهية، أحضروا إناء وضعوا فيه بعض اللحم وكثيرا من الخضر، وانتظروا طهيه، وهم على خشبة المسرح.
وتذكرني القصة بواقعة مماثلة عن فرقة هواة المسرح قدمت من مدينة آسفي إلى مسرح محمد الخامس في الرباط، كانت تشخص مشاهد بحياة البحارة الذين يرمون شباكهم إلى عمق البحر لاستخراج السمك. ولأن وجبة استهلاك السردين لا تكتمل دون شوائه، فقد أقاموا فرنا صغيرا وضعوا عليه «شرك» السردين. فغطت رائحة شوائه المكان، إلا أنها أقل ضررا من رائحة الكيف. ومن الذكريات أن فرقة شابة في فاس كانت بصدد تقديم عرض هواة مسرحيين، وجاء من ينصح بعض أفرادها بأن تناول كمية قليلة من «غْرِيبة» التي عرف تاجر في حي «العشابين» بصعنها، يمكن أن يساعد في إزالة الخجل وامتلاك الجرأة.
لمعلومات القارئ، فإن حلوى «غْرِيبة» هاته تكون محشوة بالكيف و«المعجون». وما أن شحنت رؤوس الممثلين حتى بدؤوا يتعاركون فوق الخشبة بأقدح الكلمات وأشنع الأوصاف. فقد أنستهم تلك الحلوى المشبوهة حوارات مسرحية. ومن كان بلا خطيئة فليخفِها بمبرر أن تدخين الكيف أو ابتلاع حلوى «غريبة» أخذا بعقله، وما يذهب بالعقل كثيره، فإن حكم الشرع في قليله معروف وثابت.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة