TM_Top-banner_970x250

جائزة نوبل في الطب حول كيف نتغذى؟

جائزة نوبل في الطب  حول كيف نتغذى؟

نال البيولوجي الياباني يوشينوري أوسومي (Yoshinori Ohsumi) جائزة نوبل في الطب، حول أمر يدركه العوام، ولكن سره في بئر عميقة من أسرار الطبيعة.
أذكر جيدا مرض أبو صفار= اليرقان (Icterus)، حين جاء إلى محل والدي صديقه الكردي وقد اصفرت مقلتاه. كنت طفلا أسمع حوارهما. كان تفسير صفار العينين، حسب فلسفة أهل القامشلي العوام، أن صاحبها تعرض لخوف شديد أورثه الصفار، وحتى يزال لابد من تعريضه لفزع أكبر فيطيب بإذن الله.
هكذا إذن؟ فلندخل إلى يقينه ما يروعه؟ في الحقيقة لم أعرف كيف كانوا يدخلون الرعب إلى مفاصل المصاب، حتى يصاب بالهلع إن لم يمت من هول الصدمة أن ابنه قتل، أو زوجته انتحرت، أو بيته احترق، أو تطلبه المخابرات البعثية العبثية؟ لا أعرف.. ما أتذكره من مثل هذه الأمور شيئا عجيبا يحتاج إلى كتابة مذكرات خاصة.
منها أيضا مرض الصرع (Epilepsy) فأتذكر جيدا حين هوى أحدهم إلى الأرض، وبدأ بالارتجاج والاختلاج، والزبد على شدقيه، بعد أن فقد وعيه، وبال على سرواله؟ هرع إليه رجل وقال: طريقة العلاج هي وضع سكين (موس) بجانب الجمجمة؟ ما أتذكره أن الرجل استمر في الارتجاج وغياب الوعي والتبول اللاإرادي وزاد طفح الزبد فوق شدقيه إلى درجة الاختناق وما زالت موسى صاحبنا بجانب الرأس لا تفعل شيئا.
بالطبع حين أصبحت طبيبا عرفنا أن العلاج الواقي هو الأهم بتناول حبة (الإيبانوتين) والتوقي من سياقة السيارة أو الاقتراب من نهر أو موقد نار، وفي النوبة غير المسيطر عليها رفع الفك السفلي للأعلى حتى لا يختنق المصاب. إنها أمور في التربية الصحية يجب أن يتدرب عليها عوام الناس، فضلا عن الفنيين.
كذلك أذكر من جدي أنه كان مشهورا بعلاج العطاشة (الإكزيما = Eczema) وكنت ممن ابتلي بها، فكان يبصق على ساقي، ويقرأ آيات من القرآن الكريم. آيات الرحمن لم تشف ساقي قط، بل مرهم الكورتيزون.
كذلك أذكر من والدتي رحمها الله وهي محتارة في كيفية علاج (الإكزيما) في ساقي وذراعي، أنها سمعت بطبيب برغالي وصل القامشلي (من بلغاريا)!. قالوا إنه فلتة يعالج الشلل والفالج والجذام والبرص بأفضل من المسيح؟ إنه قادم من برغاليا (عفوا بلغاريا البلد الشيوعي المنكوب). وفعلا وصف لها أن تدهن جلدي بنترات الفضة. يومها ذهبت إلى المدرسة وقد تغير لون جلدي إلى الأسود مثل البعير المعبد (المدهون بالقطران)، من وراء وصفة الطبيب العبقري البرغالي! فنظر إلي مدير مدرسة (الحمدانية) التعيسة التي كنت طالبا فيها، وظنني جربانا، فأرسلني إلى البيت مطرودا. وليس ثمة فائدة من المدرسة سوى أنها مرحلة منكوبة مررنا فيها من أساتذة غلاظ شداد يرفعوننا بالفلق، تهيئة لفلق المخابرات البعثية العبثية.
هذه القصص تذكر بوصية أبي الأطباء القديم أبو قراط الذي أوصى زملاءه الأطباء بنصيحة ذهبية: زملائي إن استطعتم شفاء مريضكم بالغذاء الصحيح فكفوا عن أي علاج.
حاليا يقوم من جامعة ييل (Yale) فريق بقيادة الطبيب رسلان ميدزيتوف (Ruslan Medzhitov) بتتبع ظاهرة الشفاء الذاتي في الجسم، وعن طريق محض الحمية والغذاء؛ فقاموا بالتجربة التالية على الفئران، وكان ذلك على الشكل التالي: فقد حقنوا الحيوانات بالفيروسات والبكتيريا الممرضة، ثم أخذوا المصابين فأطعموهم على شكلين بالإشباع والتجويع، فوصلوا إلى نتائج عجيبة متناقضة، لا علاقة لها مطلقا بالغذاء أو الإنتان المرضي، فساعة يصبح الغذاء سما زعافا، وفي الأخرى شفاء وقوة، فأين السر إذن في الحمية؟
هذه النتيجة والتجربة تم نشرها في مجلة (الخلية= Cell) العلمية. المجموعة من الفئران التي حقنت بالجراثيم الممرضة قسمت إلى مجموعتين؛ الأولى أطعمت جيدا، والثانية غذيت بسوائل قليلة الكالوري، كانت النتيجة أن من غذي جيدا مات معظمها، ومن أكلت أقل مات النصف منها تقريبا، أما تلك التي حقنت بالفيروسات الممرضة ثم غذيت أعطت النتائج المختلفة عن نظيرتها، فمن غذي عاش منهم 80 في المائة ومن جاع منهم عاش 10 في المائة منهم؟
عجيب كيف تناقضت النتائج فأين الحمية الصحيحة إذن؟
نحن نعرف من الخبرة اليومية أن الإصابة بالرشح (البرد) سببه فيروسي، ولكنه إن تطور إلى التهاب مقيح جرثومي ارتفعت فيه حرارة أحدنا فكيف يعالج بالحمية؟ هنا الحدس والميل الشخصي يدل على المفتاح كما هو موجود عن الحيوانات في الطبيعة، فنحن ثلثانا حيوان إن لم يكن أكثر.
يدرج المثل البريطاني في المعالجة للبرد والالتهاب بقولهم: في البرد أكل وفي الالتهاب جوع؟ (Feed a Cold, starve a Fever). ونقل هذا الكلام إلى الحمية في مثل هذه الأحوال: في الرشح (نزلة البرد) يميل أحدنا إلى تناول السوائل من الشاي والعسل وشوربة الدجاج، أما في الالتهاب فيسقط أحدنا وتنسد شهيته، ولكن هل هذا سليم من تصرف البدن؟
لقد وجد أن ما يفعله البدن يشهد له الطبيعة والأدب والعلم؛ فأما الطبيعة فالقطط والشمبانزي تعالج نفسها بحكمة من تناول الأعشاب فتصح الأمعاء، وتعمد القرود إلى مضغ أعشاب نبات الفيرنونيا (Vernonia Amygdalina)، التي ثبت أنها تنقي الجهاز الهضمي من الطفيليات. كذلك تصاب بعض الحوامل بوحام عجيب من الميل إلى تناول اللحم المقدد، وهو في الواقع يحوي الحديد النافع للأجنة في الأرحام، كما أظهرت الدراسات من تنزانيا في جزيرة بمبا (Pemba) أن النساء الحوامل هناك يشتهين على نحو ضاري أكل الوحل، مما يظن أنه ينقي البدن من الأدران؟
ويسعفنا الأدب الروسي لما نقل عن الروائي فيدور دوستويفسكي (Fjidor Dostojewski) عن قصته عن السيدة ماريا شاتوفا (Maria Schatowa)، كيف كانت تكتفي بنصف طاسة من الماء وكسرة خبز، أما لحم العجل فكانت تعافه.
إنها آلية ذكية يقوم بها الجسم للخلاص من الاعتلال.
يظن الناس أن الاعتكاف عن الطعام أو ما نسميه نحن المسلمون الصيام أمر لا يتماشى مع الوهن في المرض، فكيف نضيف فوق الاعتلال قلة الطعام؟ وإن كان المثل العربي جيدا في هذا فهو يقول: راحة الأجسام في قلة الطعام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
ويبدو أن القمه (Anorexia) هي بالضبط الاستراتيجية الحكيمة في مقاومة المرض، فقد افترض الباحثون من جامعة ستيللن بوش (Stellenbosch) من جامعة جنوب إفريقيا، أن نقص التغذية وتخفيف الجسم من دخول المزيد من البروتينات يشكل راحة رائعة للبدن، مما يحرض خلايا البدن على التهام العناصر المرضية أو البروتينات التي لا حاجة للجسم إليها فينجو من المرض.
هذه الآلية تسمى البلعمة أو الالتهام الذاتي (Autophagia)، وهو ما أخذ عليها الطبيب الياباني (يوشينوري أوسومي) جائزة نوبل للطب، خريف العام الماضي 2016.
مجموعة الدكتور (رسلان ميدزيتوف) لاحظت أن سكر العنب يؤثر بشكل متضارب على الخلايا، تلك التي أصيبت بهجوم جرثومي أو احتلال فيروسي، فأما الخلايا المبتلاة بالجراثيم فإن الإفراط في تناول السكر يضر بالخلايا، وعلى العكس فقد لاحظوا أن الخلايا في الاحتلال الفيروسي تقوم بآلية الانتحار الذاتي كي تقطع الطريق على الفيروسات من التكاثر، فالفيروسات كما نعرفها من مرض الإيدز الخبيث أنها تتكاثر على حساب الخلايا ومن داخل الكود الوراثي، مثل أجهزة المخابرات في العالم العربي على قاعدة حاميها حراميها، فتفضل الخلايا الموت على أن تدعها تتكاثر.
الدكتور رسلان يحاول هنا أن يضرب ضربته العلمية فيحرم الجسم من الغذاء على نصيحة أبو قراط القديمة، لا داعي للعلاج إن كان ثمة طريقة للعلاج بالحمية والغذاء. يحاول الفريق العلاج بالكمية المناسبة من سكر العنب في أي نوع من الالتهاب، فيحموا الخلايا من الطرفين فلا ضرر ولا انتحار.
حبذا لو فعل الربيع العربي بنفس الآلية بدون حجم الدماء في يمن الحوثيين وبراميل البعثيين العبثيين في سوريا أو حفتر ليبيا ومقاتلي مصراتة وبنغازي.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة