شوف تشوف

جابها الله

 

 

 

نفس سكان الفيسبوك تقريبا الذين تعاطفوا مع اللاعب أمين حارث بعدما “بغج” مواطنا في مراكش بسيارته الفارهة وغادر إلى ألمانيا بعدما نال السراح المؤقت وبعدها السجن موقوف التنفيذ، هم الذين يطالبون اليوم باعتقال ابنة رئيس جهة مراكش آسفي بسبب ارتكابها لحادث مروري تسبب في إتلاف “بوطو”، بسيارة تابعة للجهة دون أن تتوفر على رخصة سياقة.

القاضي قرر متابعة ابنة رئيس الجهة في حالة سراح مع أداء غرامة، وبذلك يكون قد طبق القانون بحذافيره، إذ ليس هناك أي مسوغ قانوني لاعتقال السيدة.

فالفعل الذي ارتكبته ابنة رئيس الجهة يدخل في خانة الجنح المتعلقة برخصة السياقة حسب المادة 148 من مدونة السير والتي تنص على ما يلي:

“دون الإخلال بالعقوبات الأشد ومع مراعاة أحكام المادة 149 بعده، يعاقب بغرامة من ألفين (2000) إلى أربعة آلاف (4.000) درهم، كل شخص :

يسوق مركبة تتطلب سياقتها الحصول على رخصة سياقة دون أن يكون حاصلا على تلك الرخصة.

يعاقب المخالف، علاوة على ذلك، بالحرمان من الحصول على رخصة السياقة لمدة أقصاها ثلاثة أشهر”.

وكما يبدو فليس هناك في هذا الفصل ما ينص على سلب الحرية، لذلك فالذي يجب أن يعاقب هو المسؤول عن حظيرة سيارات جهة مراكش آسفي والذي سمح لابنة رئيس الجهة باستعمالها دون أن يكون لها الحق في ذلك.

ومباشرة بعد انتشار الخبر الذي كانت هذه الجريدة سباقة إلى نشره، تناسلت الإشاعات، وأكثرها سخرية تلك التي قالت إن العربي المحرشي رئيس لجنة الانتخابات لحزب الأصالة والمعاصرة جمد عضوية اخشيشن رئيس جهة مراكش آسفي على خلفية هذا الحادث.

لكن العربي خرج وكذب ما راج، مع أن من يجب تجميد عضويته وتقديمه للمحاسبة هو المحرشي نفسه، الذي عجز أن يرد عندما كتبنا أنه أسس بمعية بنشماش رئيس مجلس النواب تعاونية فلاحية فوق أرض اشتروها بمليار بقيادة راس الما بعين الشقف بفاس، بسعر 300 درهم للمتر، فأصبحت الآن بعدما دخلت المدار الحضري تساوي ألف درهم للمتر، أي خمسة مليارات.

وعوض أن يوضح للرأي العام ملابسات استفادته من هذه “الهمزة” تفتقت عبقرية المحرشي عن فكرة جهنمية وهي أن ينسب إلينا قولا لم نقله ويشرع في الحديث عن أرض سلالية وأنه لم يستفد من أي أرض سلالية، و”شكون هضر ليك على شي سلالية أصلا”، نحن كتبنا عن تعاونية فلاحية وليست أراضي سلالية. أما شريكه بنشماش فقد فضل أن “يضرب الطم” ويتعامل مع هذا الخبر بقاعدة كم حاجة قضيناها بتركها.

والواقع أن حادث سيارة الجهة أماط اللثام عن موضوع سبق أن نبهنا له ولا أحد أراد أن ينتبه إليه أو يتعامل معه بجدية، وهو موضوع سيارات الخدمة.

وتظهر الأرقام بخصوص سيارات الدولة أن المغرب يأتي على رأس قائمة الدول، حيث بلغ أسطول السيارات التي تحمل “إم روج” أو “ج” التي يصطلح عليها المغاربة بسيارات “جابها الله”، حتى حدود سنة 2011 ما مجموعه 115 ألف سيارة.

علينا أن نعرف بهذا الخصوص أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتوفر إلا على 72 ألف سيارة دولة، فيما لا توجد بكندا سوى 26 ألف سيارة خدمة فقط.

أما اليابان فبعدد سكانها الذي يضاعف عدد سكان المغرب أضعافا كثيرة فلا يتجاوز عدد سيارات الدولة المخصصة لموظفيها سوى 3400 سيارة .

وبالمقابل فإن عدد السيارات المخصصة لموظفي وأعضاء الجماعات والمؤسسات العمومية 52273.

والفضيحة الكبرى هي أن الدولة تخصص 46 مليار سنتيم سنويا لشراء سيارات المصلحة، و54 مليار سنتيم لمتوسط كلفة الوقود الذي تستهلكه سيارات “إم روج” سنويا. دون الحديث عن 30 مليار سنتيم معدل مجموع فواتير إصلاح سيارات الدولة كل سنة، و9 ملايير سنتيم كمعدل سنوي لكلفة تأمينات سيارات المصلحة.

ما حدث يكشف أيضا عن وجهين متناقضين لمغربين، مغرب “الألبة” الذين يوفرون لأبنائهم “الكيليميني” السيارات الفارهة والمال لكي يصرفوا في ليلة واحدة ما يوازي الراتب الشهري لموظف في السلم العاشر، ومغرب “بوزبال” الذين يرسلون أبناءهم مشيا على الأقدام أو محشورين كالسردين في وسائل النقل العمومي نحو مدارس المخزن حيث يتفشى الانحراف والتطرف والاغتصاب والتحرش والعنف والمخدرات.

ولسنوات طويلة ونحن ننشر فضائح أبناء الفشوش الذين كانوا يدهسون الناس بسياراتهم ويخرجون منها مثل الشعرة من العجين، وكان دائما ما نكتبه يتم إما تكذيبه أو “التمييك” عنه إلى أن يكمد الضحايا جراحهم وينسى الرأي العام وجوه وأسماء أبناء الفشوش.

وإلى حدود سنوات قليلة كان يمكن لوزير اسمه خالد الناصري عندما كان وزيرا للاتصال، أن يهب لنصرة ابنه الذي اعتدى على طبيب بالسلاح الأبيض والكريموجين وسط العاصمة الربــاط، وبالضبط أمام قبة البرلمـان، فتدخل رجال السلطة للقبض على المعتدي وقيدوه إلى السور الحديدي للبرلمان في انتظار وصول التعزيزات لنقله إلى مقر الأمن، لكن والده خـــالد الناصري وزير الاتصــال آنذاك وصل قبل التعزيزات وأطلق سراح ابنه وأمسكه من يده وقاده نحو سيارته الحكومية وغادر المكان أمام استنكــار المواطنين الذين عاينوا الحــادثة التي ما زال شريطها موجودا في اليوتوب.

اليوم يبدو أن الأمور آخذة في التغيير بعدما صدرت التعليمات من المدير العام للإدارة العامة للأمن الوطني بتطبيق القانون بصرامة ضد كل من يتجاوزه، فقد تم اعتقال ابن جنرال كان يقود سيارته في حالة سكر، وفِي الغد تم إيقاف ابنة رئيس جهة مراكش آسفي.

وتفسير كل هذه السلوكيات المنحرفة هو تضخم الشعور بالأنانية لدى البعض والإحساس بكون القانون يوجد فقط بالنسبة للآخرين الذين ليست لديهم رائحة الشحمة في شواقير توجد بالعاصمة الرباط. وهذا الشعور المتضخم بالأنانية سببه المباشر هو قلة التربية أو انعدامها أصلا.

إن الحل الوحيد للقطع مع هذه التصرفات التي تعود لعهود كنا نعتقدها انقضت هو تطبيق القانون بصرامة، حرصا على هيبة المؤسسات واحتراما لروح القانون وإعمالا له، ففي تطبيق القانون حماية للمؤسسات وصون لها وفي الدوس عليه تهديد لها وتشجيع على الفوضى.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق