CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

جدلية الموت 2/1

جدلية الموت 2/1

لا أريد اتخاذ موقف من العالم ولا أن أحاول فهم الموت، لا جهد لي على مواجهته، لكنني لا أستطيع في الوقت نفسه أن أتجاهله أو أن أنكر أنّه غير عادل. فهو متحايل، يموّه الأحداث كما تذوب «المارغارين» فوق قدر ساخنة، يخفي مادية الأشياء ليتدفّق المعنى خاليا من الكثافة، نهايته واضحة، كمزلاج فولاذي ضخم يخبرك أن لا فُرص في عودة.
فهو منحدر غامض، لا يسعك الابتعاد عنه إلا لتقترب، يصلك أن فلانا مات فلا تصدّق، تحاول أن تستوعب الأمر، ليس أمر موته، بل فكرة أنه ما عاد موجودا ولن يكون بعد اليوم، وأنّ دوره انتهى قبل أن يسدل السّتار، لكنك لا تتجاوز الأمر بسهولة، يرتبط الأمر غالبا بأسى وحسرة، قد ينخفض ذلك عند المتديّنين ويتحوّل حزنا لما يكون عليه الدّفق السليم للنفس البشرية، لكنه لا يلغي هذا التعب من محاولة إدراك حقيقته، حقيقة النهاية الجافّة لمنسوب الحياة، فتحسّه أثقل منك ومن قدرتك على تقبّل اللاجدوى من الفهم.
فالموت طارئ، وتناقض لما عليه الأصل في الحدث الطارئ، إذ نعلم أن تلك نهايتنا جميعا، لكننا نصدم في كلّ مرة يجب أن نتذكر ذلك، فهو أشبه بدين آجل غير عاجل، ندين به جميعا في أجل محدّد، أو دعني أقول إنّه ضريبة على الحياة نؤدّيها مرغمين ..
لكننا بالرغم من ذلك ننام ونحن متأكدين من أننا سنستيقظ اليوم الموالي لنفطر ونذهب للعمل، نعرف أنّه سيأتي دورنا في الطابور أيضا، لكننا لا نتجهّز له بالشكل الكافي أبدا، لأننا نضع في اعتبارنا أننا لن نموت بعد ساعة أو غدا.
هناك شيء عميق في داخلنا، لا أحب أن أنعته (يقينا) لأنه سيورّطنا في متاهات لا تسرّ، يخبرنا أنّ دورنا لم يحن بعد وإن كنّا نعلم في دواخلنا أنّ منحى اعتقادنا هذا خاطئ، لكنّنا نستطيع أن ننظر لأنفسنا في المرآة ونطمئن أنفسنا بمزيج من الوجل أنه لا يمكن أن تنتهي حياتنا اليوم أو غدا بهذه السرعة، نحن نظن – ومن دون إدخال الكبرياء أو الغرور على الخط- أنّنا أهمّ من أن ينتهي حالنا دون أن نشيخ ونتأهّل لاستقباله كتصريف طبيعي لدورة الحياة والتي يكون العجائز أقرب لبلعها بسلام..
وإني أظن الوحيد الذي خبر عمق تعامل البشر مع قضية الموت هو عمر بن عبد العزيز حين صوّر الواقع بكثير من العمق لما قال: «ما رأيت يقينا أشبه بالشك، كيقين الناس بالموت»!
إن جزءا كبيرا من العبث الذي نتقلب فيه منحصر بشكل معقول في نظرتنا الطردية لمسألة الحياة وجدلية الموت، فلو أدركنا فعلا أن فكرة وجودنا ستُحدّ بموعد معيّن، كنا سننظر للأمور بحكمة أكبر، وكنا سننشغل بتقدير الوقت الذي معنا عوض الانشغال بتقدير الآخرين، وكان العالم ليكون أكثر سلاما وأكثر استعدادا لدفن أجساد موتى عوض رفات جثث، ما كان سيتدفق من شاشاتنا كل هذا الدم والجبن والبغض، كنا سنعيش عوض أن نبحث عن الحياة..

نبذة عن الكاتب

كاتبة وصحفية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة