CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

جدلية الموت2/2

الموتى يصيرون أكثر لطفا وأهمّية مما كانوا عليه، وسواء رموك بالسوء، أو بروث البقر، يظل هناك شيء من الحنين إليهم، قد يكون شيئا مما كنت تودّ لو كانوا عليه، أو ما لم تستطع سبره بهم، يظل بالأخير أمرا غير واضح يجعلهم يطلّون من شرفة قدّيسين، بأسباب صفح غير مفهومة، لا يورثها سوى خروج الروح عن الجسد.. ففكرة الموت مختلطة من دون وعينا بالشفقة على هؤلاء الذين سبقونا، لذلك غالبا ما نقول: «مات مسكين»، فالميّت بنظرنا مسكين، سواء مات ميتة طبيعية، أو بعد مرض، أو مقتولا، أو منتحرا، وذلك بغضّ النظر عن المقاربات الدينية أو المجتمعية للأمر.. لأن الموت استثناء!
والموت من حولنا يتكرّر بشكل دوريّ، فهو موجود بداخلنا ونعيشه ونحن على قيد الحياة، خلايانا تموت وتتجدّد وطموحاتنا وأحلامنا كذلك، تموت فينا الأفكار التي حاربنا من أجلها يوما وندفن علاقات ومشاعر ما ظننّاها ستموت أبدا، وتظل أعتق صورة لخاصّية الفناء هي الفصول، يأتي الربيع فتزهر الحقول والبساتين ويليه الخريف فيصفرّ العشب وتتساقط أوراق الأشجار وتذبل الأزهار، فعنصر الفناء ضروريّ لخاصية التجدّد، تجدّد ما سيفنى لاحقا بدوره..
واستيعاب هذه الفكرة هو ما يجعل المرء يمضي حياته منغّصا من هذه الحتمية، وقد نعته الرسول عليه الصلاة والسلام بهادم اللذات، ولهذا فالإنسان يتفادى بشدة الحديث عن الموت، ويتعوّذ منه كما كان يتعوّذ الأوربيون من الطاعون في القرن الرابع عشر، يحاول تناسي هذا التناهي اللامحدود الذي سيلُفّه فلا يستطيع، وأذكر أني قرأت فصلا في كتاب «الكلمات والأشياء» لميشيل فوكو يتحدث فيه عن الاقتصاد ويورد فيه نظريات لعلماء وباحثين، حين قال: «الإنسان الاقتصادي ليس ذلك الذي يطوّر حاجاته الخاصّة والأشياء القادرة على إشباعها، إنّما هو الذي يمضي حياته ويستهلكها ويفنيها في النجاة من الموت الوشيك»، فتحليل القيمة عند الاقتصاديين كان مبنيا على الحاجة، لكنه عند فوكو كان مختلفا تماما في تصوّر فلسفي موسّع لأنثروبولجيا الخطاب الاقتصادي، اقتصاد الموت!
وإن ما يجعل من هذا الحادث أمرا جللا في حياة الإنسان، هو قطعيته التي لا تمنحنا إمكانية الاستدراك، وإني أتذكر في دراسة قمت بها قبل سنتين، كيف وضعنا فكرة موت افتراضي لشخص معيّن يربطه بآخر خصام أو سوء فهم عظّم القطيعة بينهما، وكيف تغيّرت مشاعر الاستياء هذه بمجرّد إثارة وفاته، كان هناك بمعظم الحالات ندم يتبعه حزن فانكسار، النساء كنّ ينهرن وبعضهنّ يحكين أسباب الخصام وهنّ يبكين بشدة، وكان الرجال يجمّدون نظراتهم وقد لا ينبتون بكلمة، والحقيقة أن أكثر شيء أثارني في هذه التجربة أنّ الشخص موضوع الدّراسة بمجرّد أن يعلم أن الآخر على قيد الحياة حتى يركض إليه يعانقه ويبكي وقد نسي كل ما مضى، بدون اختلاف بين الرجال والنساء، لكن الطرف الآخر الذي كان يعلم بالموضوع رغم تجاوبه لا تبدو عليه نفس اللهفة، وإنما تجاوبه نابع من الغدق الصادق من الطرف الآخر، وكان هذا هو الفرق بين الطرفين، لقد خبر الفريق الأول أثر الفقد واستحالة الاستدراك التي يخلّفها الموت فكان ردّ فعلهم منافيا لما كان سيكون عليه خارج هذه التجربة، فيما أدرك الفريق الآخر فقط كمّ الحب والتقدير الذي يكنّه الآخر له.. وفي الختم.. سأعيد ما قلته يوما، أدرك من تختلف معهم قبل أن يضيعوا في غمرة الحياة.. الأموات لا يهتمون والموت لا يقتل سوى الأحياء!

نبذة عن الكاتب

كاتبة وصحفية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة