شوف تشوف

جدول الضرب

حسب تقرير صادر حديثا عن الشبكة الإعلامية الأمريكية “يو إيس نيوز آند وورد ريبورت” فالنساء المغربيات تعيسات، حيث حللن في المرتبة 63 من أصل 80 دولة ضمن تصنيف النساء الأكثر سعادة في العالم.
وأغلب الظن أن أتعس النساء هُن زوجات السياسيين، وأكثر من وزير عندنا غير زوجته خلال فترة وجوده بالحكومات المتعاقبة، أما الذين غيروا معاطفهم فبلا عدد. قد يقول لي أحدكم إن تغيير المنازل راحة، لكن أن يغير الواحد منا زوجته التي ضحت بشبابها ومالها من أجله وتذوقت معه الحلو والمر بأخرى لم تتذوق معه سوى أطباق الكافيار في المطاعم الراقية، فهذا تصرف يكشف عن احتقار دفين للمرأة.
ورغم كل التقارير التي تتحدث عن تعاسة المغربيات تبقى النساء في نظر الكثيرين هن الحاكمات الحقيقيات اللواتي يحركن رجالهن من خلف الستار. وكم من سياسي كبير(في السن طبعا) لا يحرك إصبعه الصغير دون إذن مسبق من زوجته الشابة.
وفي كثير من البيوت المغربية تبقى المرأة هي مولات الدار الحقيقية. إليها تعود كل القرارات، من لون الستائر إلى شكل العرائس التي سيتزوجها أبناؤها، مرورا بالإشراف المباشر على شؤون البزطام.
وكم من زوج لا تترك له زوجته من راتبه آخر الشهر سوى ثمن السجائر والقهوة، وإذا كان مبليا بالقمار تترك له ثمن سباق كلاب واحد أو سباقين. وهذا من مصلحة بعض الرجال، لأنهم بمجرد ما يتسلمون رواتبهم حتى يذهبون بها مباشرة إلى البارات ومحلات القمار ليخسروها في الشرب والمراهنة على الطوكارات.
والواقع أن المغربيات لسن وحدهن التعيسات بل الرجال المغاربة ربما أتعس منهن، وقد أثارت انتباهي دراسة نشرت قبل مدة تتعرض لتعامل الأزواج المغاربة مع زوجاتهم. وكنت، قبل الاطلاع على هذه الدراسة، أعتقد أن الرجال المغاربة يعاملون زوجاتهم بلطف، وأنهم لفرط ما ضربوا الأخماس في الأسداس حسرة على حالهم لم تعد لديهم القدرة على رفع أيديهم لضرب زوجاتهم.
ومن الأفضل للبنات اللواتي يفكرن في الزواج أن يلقين نظرة متفحصة على هذه الدراسة قبل أن يقررن الاقتران برجل مغربي. فربما يقررن بعد قراءة الأرقام التي أوردها التقرير حول النسب المائوية للرجال المغاربة الذين يضربون زوجاتهم، والذي أنجزه أحد مراكز الاستماع لضحايا العنف، البقاء عازبات على أن يقضين حياتهن الزوجية يبادلن رجالهن الحب، فيما هم يبادلنهن الحب باللكمات.
والواقع أن الرجل المغربي مغلوب على أمره، فهو يقضي عمره كله مضروبا، يضربه أبواه وهو طفل ويجبرانه على الأكل بحجة أنهما يريدانه أن يكبر بسرعة، وعندما يأكل يضربانه لكي يتأدب ويقفل فمه عند الأكل، وعندما يكبر ويشاهد الآخرين يأكلون رزقه يغضب، فيضربونه من جديد ليبتلع لسانه ويمضغ كرامته بفم مغلق.
ويضربونه في الجامعة وهو طالب، وعندما يتخرج ويطالب بشغل يضربونه وهو عاطل. وحتى عندما يحصل على عمل يحصل عليه بضربة حظ، إذ ليس هناك رجل مغربي لم يضرب في حياته، فمن لم يضربه أبوه بالحزام الجلدي ضربه المعلم بالمسطرة الحديدية، ومن لم يضربه المعلم ضربه الشرطي بحذائه، ومن لم يضربه كل هؤلاء لا بد أن يكون قد ضربه حمار الليل على الأقل.
وحتى أبناء الذوات، الذين يولدون وفي أفواههم ملاعق من ذهب ولم يحدث أن مد عليهم أحد يده في البيت أو في المدرسة أو في الشارع، فكثير منهم “ضرباتهم تلافة”.
لذلك، فالرجل المغربي المسكين بمجرد ما يتزوج يوفر واجب الانخراط الشهري في نوادي فنون الحرب، ويبقي على اشتراكه اليومي في النوادي الأخرى، ويتفرغ لتمرين عضلاته مع زوجته بين عراك وآخر، منتقما لنفسه من ذلك الرصيد التاريخي من الضرب الذي أكله طوال حياته السابقة.
والعيب الوحيد في مثل هذه التقارير، في نظري، هو أنها تغفل إعطاء أرقام تتعلق بمعشر الرجال الذين تضربهم زوجاتهم، وهم في المغرب كثر، بلا شك.
أعرف وزيرا سابقا كان، عندما يدرك أن أعصاب زوجته متوترة، يذهب إلى أقرب فندق ليقضي ليلته هناك بعيدا عن شبشب زوجته. وأعرف روائيا مشهورا يحفظ عدد أدراج العمارة التي يقطن بها أكثر مما يحفظ عناوين رواياته، لأن زوجته «كركبته» عبرها أكثر من مرة كلما عاد مخمورا في آخر الليل.
هذا دون أن أتحدث عن بعض زعمائنا السياسيين الذين يتجنبون إحضار زوجاتهم في الحفلات والمناسبات خوفا من أن يغرهن الشيطان ويتحولن، في نهاية السهرة، إلى ملاكمات من الوزن الثقيل.
وإذا كانت لدى النساء مراكز استماع ومكاتب للنجدة، فإن الرجال المساكين ليس أمامهم إذا أرادوا إسماع شكاواهم غير رفع أكفهم إلى الله، وإذا أرادوا النجدة من زوجات بعضهم السمينات فليس لهم سوى سيقانهم ليطلقونها للريح.
ولا يجب أن ننخدع بالمظاهر، فكم من رجل تراه في الشارع يمشي فتخلطه بعنترة بن شداد العبسي، وعندما يدخل إلى العمل يزرع الرعب في موظفيه، لكنه عندما يدخل إلى بيته ويقف أمام زوجته يتحول إلى فأر مذعور ينتظر فقط أن يطلع النهار ليغادر قفص الزوجيّة.
وقد كنت دائما مقتنعا بأن كل الرجال الذين يعطون عن أنفسهم مظهرا صارما فوق العادة خارج البيت وفي العمل، يختفي خلف ملامحهم الجامدة رجل خائف ومرعوب تُرهِبه زوجته وتضربه بالشربيل.
انظروا جيدا في عيون رؤسائكم المتسلطين في الوزارات والمؤسسات العمومية والأحزاب والنقابات، وسترون داخلها زوجاتهم السمينات واقفات وفي أيديهن «مدلك».
والغريب في هذه التقارير أنها تكشف أن الرجل المغربي لا يميز بين ربة البيت الأمية وبين الطبيبة المتعلمة، فعندما يتعلق الأمر بالضرب تتساوى كل النساء مثل أسنان المشط. وربما ليس هناك نشاط آخر تتساوى فيه المرأة المغربية، سواء كانت جاهلة أو متعلمة، فقيرة أو ثرية، شابة أو ناضجة، غير الضرب.
والواقع أنه ليس هناك ما هو أصعب من أن تكون امرأة في المغرب، وهناك رسالة توصلت بها تشرح جيدا هذا الوضع تقول صاحبتها:
“عندما أعود إلى بلدي أحب أن أتمشى قليلا وأن أستمع إلى الناس يتحدثون، أن أتنفس هواء جديدا، أن أنظر إلى السماء وأقول إنني في وطني، في أرضي، وهذا البحر هو بحري، وهذه الشجرة شجرتي. لكنني أصاب بخيبة أمل كبيرة، إذ لا يمكنني التحرك سوى داخل سيارة. وإذا كنت سأسير على قدمي فإنني أطلب من أخي أن يرافقني، وهذا يحزنني كثيرا. فكلما خرجت لوحدي من البيت أعود باكية، بسبب عدوانية الناس وأحكامهم المسبقة. أعترف أنني أصبحت أخاف الخروج في المغرب بمفردي. أصبحت أشعر بالرعب كلما رأيت رجلا يتجه نحوي. لقد عشت في أوكرانيا ثماني سنوات، وفي باريس ثلاث سنوات ولم يحدث أبدا أن شتمني أحدهم في الشارع لمجرد أنني امرأة.
لكن في المغرب فالأمر يكاد يكون كارثيا، لأنني في يوم واحد أكاد أسمع كل الكلمات النابية التي في القاموس. لا أعرف لماذا عندما تكون المرأة على قدر من الجمال في المغرب فإنها تتعرض للشتائم المجانية. وأول شيء أفكر فيه عندما سأعود إلى المغرب هو كل تلك الكلمات النابية التي سأسمعها. لذلك لا أريد العودة ما دمت لا أتوفر على سيارة. لا أريد أن أتنقل في الحافلة أو سيارات الأجرة. فإلى جانب سيارات الأجرة هناك دائما سيارات أخرى يطلب منك أصحابها الركوب ويقترحون عليك 200 درهم، وعندما ترفضين العرض يرفعون السعر. وأنت بدموع في عينيك تحاولين أن تفلتي بجلدك من نظرات الناس. وأسال نفسي كيف يمكنني العودة للعيش في هذا البلد، حيث الرجال يعتقدون أنهم بمجرد شتم المرأة فإنهم يثبتون فحولتهم. لقد كنت في الهند وأمريكا اللاتينية وأمريكا الشمالية وأوربا وشرق الفيتنام والشرق الأوسط، ورأيت كيف أن شتم المرأة بالكلام النابي يعتبر من أكثر الأشياء إثارة للخجل في ثقافتهم. لا أقول بأن هذه الثقافات لا توجد فيها إهانة للنساء، لكن تبقى قضية شتمها من الأشياء المثيرة للخجل.
في المغرب عندما تشتم امرأة أو تضربها فإنك تثبت فحولتك وترضي أنانيتك، وتكون فخورا بحكي ذلك للجميع».

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق