شوف تشوف

جذور الإرهاب 2.1

 

 

 

 

 

 

“المواطنون الذين يقاتلون في صفوف داعش يجب ضبطهم وقتلهم ولا يجب السماح لهم بالعودة إلى المملكة، فحسب وجهة نظري إرهابي ميت لن يستطيع إلحاق أي أَذًى بالمملكة”.

 

لأول وهلة يبدو للمرء أن هذا التصريح صادر عن مسؤول في بلد ديكتاتوري أو نظام بوليسي، لكن في الحقيقة فهو صادر عن وزير دفاع واحدة من أعتى وأعرق الديمقراطيات، وهي بريطانيا.

 

وفِي الوقت الذي يدعو فيه وزير الدفاع البريطاني لقتل 800 بريطاني يحاربون في صفوف داعش وعدم السماح لهم بالعودة إلى بريطانيا نرى كيف أن هناك أصواتا ترتفع عندنا للتعاطي مع عودة حوالي 2500 مقاتل مغربي في صفوف داعش بنوع من الإنسانية، لاحتضانهم وإعطائهم فرصة جديدة للاندماج في المجتمع.

 

مناسبة هذا الكلام هي شروع دول أوروبية في ترحيل جهاديين مغاربة نحو المغرب آخرهم إسبانيا التي رحلت 25 منهم.

 

قدم مصطفى الرميد وأحمد التوفيق خطة لمحاربة الكراهية، وهي خطة ذات أبعاد تتعلق بتدابير اتخذها المغرب في المجالات الدينية والاجتماعية والأمنية والقانونية للقضاء على هذه الظاهرة العابرة للقارات، غير أن الحلقة الأهم والغائب الأكبر في تفاصيل خطتهما هما التربية والتعليم.

 

وقراءة بسيطة في خلفيات الأشخاص الذين ثبت تورطهم في ممارسات عنيفة، متعلقة بالكراهية والتعصب، تفيدنا في كون الحلول الاجتماعية والأمنية والقانونية حلولا هامة ولكنها قاصرة لوحدها إذا كانت المدرسة تشجع على العكس، سيما على مستوى المناهج والبرامج، وأيضا على مستوى طرق تدبير المؤسسات التعليمية.

 

فالمناهج التربوية التي يتم الآن تلقينها للتلاميذ ما زالت تتعامل مع القيم بمنطق حشو الأدمغة بالحفظ، مع أن الواقع يؤكد أن تلميذا يحفظ عن ظهر قلب آيات قرآنية أو أحاديث نبوية تحض على تجنب العنف والرحمة لا يعني بالضرورة أنه سيكون مسالما ورحيما، والأمر نفسه مع قيم التسامح والسلم والحوار مع معتنقي الديانات والمذاهب الأخرى، أو حتى المنتمين للعرقيات المختلفة، فالاكتفاء باستظهار تعاليم دينية حول هذه القيم لا يضمن التشبع بها.

 

لذلك فالتحدي اليوم يتمثل في التربية والتكوين، صحيح أن العمل على تأطير المجال الديني هو إجراء هام جدا، مكن من منع استغلال المنابر في الدعوة إلى الكراهية وتكفير المخالفين مهما كانت انتماءاتهم، لكن الواقع يؤكد أيضا أن الذين تورطوا في الأحداث الإرهابية، أو خططوا لها، إنما تم تأطيرهم عبر منابر افتراضية تعد بالمئات، إذ يمكن لأي شخص مهما كانت معرفته التقنية ضعيفة، أن يطلع على عشرات الفتاوى المحرضة على الكراهية، بل ويمكنه أيضا تلقي تعليمات لتنفيذ الإرهاب عبر هذا العالم الافتراضي من طرف أشخاص يبعدون عنه بآلاف الكيلومترات، فالأشخاص الذين لهم استعدادات للتطرف وممارسة الإرهاب، لا يعتمدون على خطب المساجد الرسمية المعترف بها، بل يعتمدون على خطب افتراضية، بالصوت والصورة.

 

ومهما كانت الوسائل التكنولوجية متطورة لرصد هؤلاء وحجب المواقع المحرضة على خطابات الكراهية، فإن إمكانية وصول الشباب إليها يبقى دوما ممكنا، فبقدر ما تتطور وسائل المراقبة تتطور أيضا وسائل التملص منها، مما يعني أن المقاربة الوقائية، والمتمثلة في التربية والتكوين، مسألة حيوية.

 

الأمر ذاته في ما يتعلق بالمقاربة الأمنية، فإذا كان جهاز الأمن المغربي، قد أثبت كفاءة معترفا بها دوليا في محاربة الإرهاب، فإن التكلفة التي يتطلبها عمل هذا الجهاز هي أكبر بكثير من التكلفة التي يمكن رصدها للتربية على الأمن الإنساني، وهذا أمر يقر به كل الخبراء الأمنيين على مستوى العالم.

 

فمحاربة التطرف وكراهية الآخرين، لجنسهم أو لعرقهم أو لدينهم أو مذهبهم، لا تكون بالبنادق فقط، ولا تكون بالسجون فقط، ولا تكون أيضا بالحملات التواصلية الظرفية أو بالوصلات الإشهارية، إنما تتم انطلاقا من المدرسة أولا وأخيرا.

 

وكما جاء في الميثاق التأسيسي لليونسكو “لما كانت الحروب تولد في عقول البشر، ففي عقولهم يجب أن تبنى حصون السلام”.

 

إن السبب الرئيسي في التعصب هو الجهل، وهو حالة يمكن أن يعيشها الإنسان في حالة غفلة تامة، معتقدا أنه على الطريق المستقيم، أو أنه ينتمي لـ”الفرقة الناجية”. أما مساهمة المدرسة في تكريس هذه الحالة، فهي حقيقة لا يمكن نكرانها، باعتراف تقارير رسمية صادرة عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين، فحوالي نصف المؤسسات التعليمية بدون مكتبات، والمؤسسات التي تملكها لا تشغلها إطلاقا، إذ غالبا لا يوجد موظفون لتسييرها، وفي حالة تم ذلك، فإنها تفتح وتغلق بالمواعد الإدارية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
Al akhbar Press sur android
إغلاق
إغلاق