جماعة الدعوة والتبليغ

جماعة الدعوة والتبليغ

مما يذكر عن الجماعة أنه في مطلع دجنبر 2004م احتشد أربعة ملايين مسلم في صعيد واحد، على مساحة 160 فدانا، بما يزيد عن عدد المسلمين في موسم الحج، في منطقة (تونجي) على ضفاف نهر (توراج) خارج العاصمة (دكا)، في المؤتمر السنوي لـ (جماعة الدعوة والتبليغ) الإسلامية في (بنغلادش) حيث أقاموا صلاة من أجل السلام والأخوة الإنسانية.
وهذه الجماعة ليست ناشطة سياسياً ولذا لم تناسب الذوق العربي تماماً. وأهم ما يميزها ثلاث: نبذ كل صور العنف، وتجنب السياسة، واعتماد العمل التربوي، لتغيير واقع المسلمين من خلال إحياء وظيفة المسجد، والخروج في سبيل الله والبساطة في الحياة والخلق الحسن، ونشاطهم يشمل النساء أيضا ويسمين بالمستورات.
وهي مقابل الذبح الذي يمارسه المتشددون الأصوليون يحكي فكرة (النماذج الإسلامية)؛ فهناك نماذج من (جماعة الدعوة والتبليغ) و(الوهابية) و(الصوفية) وفرق (التشيع) و(الإخوان المسلمين) و(حزب التحرير) وعشرات التشكيلات التي تفوق العد، وكلهم يقول أنه على مذهب السنة والجماعة. وكما يقول (ابن تيمية) أن لكل واحد سنته وقرآنه، وهناك من يدعي أنه حزب الله، والله غير حزبي ولا يقيم وزناً للحزبيين.
وبعد أحداث شتنبر طلب (مشرف برويز) حاكم باكستان العسكري السابق من الجماعة (الدعوة والتبليغ) أن لا تعقد اجتماعها، وكان جواب رئيس الجماعة (جمشيد) نحن نقدر الظروف الدولية وجو الحروب ولكننا نؤمن بالسلام وندعو إليه، وتاريخنا في نصف قرن يشفع لنا، وقد تركنا لكم الدنيا فاتركوا لنا الدين. وعقدوا اجتماعهم السنوي بهدوء وسلام مثل ما يفعلونه منذ 57 سنة.
ويصلي في هذا اللقاء عادة قرابة ثلاثة ملايين من الناس بإمام واحد وبتنظيم مدهش. أما في بنغلادش فيصلي في صعيد واحد أحياناً سبعة ملايين من العباد فتخر الجباه لرب العالمين.
ومن تعاليمهم ترك ما لا يعنيك وعدم التدخل في وحل السياسة، وهي حكمة بليغة. وهم يتصرفون هكذا ليس سذاجة بل لمعرفتهم حاجة العالم الإسلامي إلى الدواء الأخلاقي. ولذلك فهم يعنون بالصقل الروحي وتهذيب الناس بفلسفة عملية أكثر من المحاضرات النظرية. فهم يصطادون الناس في كل العالم، ولهم مراكز في كل عواصم العالم تقريبا، وإن اجتمعوا بأحد عرضوا عليه الخروج في سبيل الله فيتعلم منهم بالصحبة، ولا يسألون الناس إلحافا، ولا يسألون الناس أجرا، ولا يمدوا أيديهم إلى جيوب الناس عفة منهم.
وفي يوم اتصل بهم رئيس الدولة الباكستانية الأسبق (نواز شريف) في هدف منه لإصلاح الجهاز البيروقراطي فقال لرئيسهم حبذا لو استبدلت 800 من كبار الموظفين من عندي بعددهم من جماعتكم أضعهم في هذه المراكز الحيوية حتى يتبدل دم الدولة. قالوا له نقترح عليك ما هو أفضل: أن يخرج المذكورون معنا في سبيل الله أربعين يوما فيرجعوا وقد زكت قلوبهم وتغيرت أخلاقهم وأصبحوا منا ومنكم فلم يخسروا وظائفهم ولا نحن تسلطنا عليها.
وفي يوم كانوا في باريس فقام اثنان منهم بزيارة لشباب عرب من الخليج قد ملوا الوعظ الديني، فطرقوا عليهم الباب فلما رأوا اللحى ارتعبوا وصدوهم وقالوا قد شبعنا من كلامكم ولا نريد المزيد. فلما كرروا الطلب غضب الشاب العربي وبصق في وجه أحدهم وأحكم رتاج الباب. فما كان من الثاني إلا أن طرق الباب من جديد فقال له العربي والآن ماذا تريد؟ قال أن تبصق في وجهي كما بصقت في وجه أخي فنتعادل في الثواب. فخجل الرجل منه وجلس معهم ثم خرج معهم ستة أشهر وكان مبتعثاً لدراسة الكيمياء في فرنسا. فعاد لدراسته وهو أنشط وقد تحلى بالتواضع وحب العلم والخلق الزكي.
وفي الواقع فإن حاجة العالم إلى هذه الطهارة الروحية والخلق الزكي حاجة ملحة أمام التشدد والجلافة والخشونة، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك. إنهم يحيوا الروح، ويعيدون الذاكرة المنسية، ويستنهضون الأعماق الخفية من طاقة الروح المخبأة في كل منا.
وجماعة (الدعوة والتبليغ) يعرفون تماماً أن تأثير الأنبياء على الناس لم يكن نظرياً بل من خلال فلسفة عملية، وهذا السر في انتشار مبادئهم لأنهم يقومون بإحياء الإنسان، أو من كان ميتا فأحييناه. ونحن نعرف من الكهرباء أن التيار إذا انقطع أظلم البيت وتوقفت الآلة عن الحركة. وكذلك كهرباء الروح فعندما تتعطل يموت الإنسان فترى ذلك في وجهه قطعاً من الليل مظلما، وعندما تتفعل ينشرح الصدر بالإسلام فهو على نور من ربه.
وعندما كان عيسى بن مريم يعظ الناس يوم السبت جاء اليهود (الحرفيون) فقالوا أنت تخالف التعاليم الدينية ومحرم علينا العمل يوم السبت. قال لو أن خروفا سقط يوم السبت في الماء وأشرف على الغرق ألا يسعى أحدكم في إنقاذه؟ قالوا بلى، قال فهؤلاء الضائعون أولى من الخرفان.
وفي يوم كان المسيح جالسا مع جماعة المباحث ورجال الدولة الرومانيين يعظهم فاستهجنوا تصرفه وقالوا إنه يجلس مع الخطاة. قال لهم من أحوج للعلاج البدن الصحيح أم المريض؟ قالوا بل المريض. قال فهؤلاء مرضى وهم أحوج للعلاج.
ويروى عن (حسن البنا) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر أنه بدأ نشاطه بالوعظ بالمقاهي وكانت الدفعة الأولى من أنصاره من رواد المقاهي.
وفي عام 1980 م كنت في زيارة لمصر فاجتمعت بـ (فتحي رضوان) فروى لي أن البنا كان عازماً على سحب الإخوان من حقل السياسة وإدخالهم إلى بستان من التربية الروحية فقط، وأن الإخوان بهذه سوف يمدون عالم السياسة برجال نظيفين، أما نفس الجماعة فستكون على غرار (الدعوة والتبليغ) تخصب الأرض الإسلامية بالنظافة الأخلاقية والروح العملية وحب الإنتاج، وهو ما يذكر بشروط التغيير التي طرأت على أوربا مع الإصلاح الديني.
ويروى عن الشيخ (المالنبوري) من جماعة الدعوة والتبليغ في الهند أنه بلغه يوماً خبرا عن رجل ارتكب المحرمات ومارس الفسوق وعكف على الخمرة. قال لمن حوله لقد ألهمني الله أن أزوره وأكسبه إلى فريق الصالحين فماذا أنتم فاعلون؟ قال من حوله: نخاف الرجل على أنفسنا. فما زال يسألهم واحدا واحداً والكل متخوف وممانع، فلما يأس منهم قال إني ذاهب فاتبعوني. فلم وصل إليه قال له اخرج معنا، قال بشرط. قال ما هو؟ قال خمرتي لا أفارقها وأنا حامل منها عبوتين. قال له: قد قبلنا شرطك. ولكن لنا نحن شرط؟ قال وما هو؟ قال أن تأتي إلى المسجد وتترك أوعية الخمر في دورة المياه. قال قد قبلت. فلما جاء الرجل استقبلوه بحب وترحيب وأكرموه جدا فخجل من نفسه فلما سمع الكلام انقلب الرجل وتاب. ومن قواعدهم الجوهرية ستة أمور: التوحيد، والصلاة مع الخشوع، والعلم مع الذكر، والتواضع، وإكرام المسلمين، وإخلاص النية.
وينقل عن العالم (المالنبوري) أن الرجل التائب بعد ذلك قام في ظلمة الليل فبكى وسالت دموعه كالميازيب؛ فوقف خلفه الشيخ وهو يقول: إن رحمة الله مركزة فوق الرجل فلعل القليل أن يصيبني منها، وهذا القليل ليس بالقليل. فهذه هي أخلاق العلماء من الرحمة والحب والإنسانية. إنهم أمل الجنس البشري فبهداهم اقتده.
إن الهند على ما يبدو خزان روحي وهناك تمثل وإفراز لكل مبدأ حسب طبيعة المنطقة، والصحراء ليس فيها ياسمين وزنبق بل شوك حاد وأثل وخمط وشيء من سدر قليل. وكذلك الأفكار والدعوات، وعندما يسلم الياباني فلن يكون مثل إسلام رجل من راوندا، وهذا ليس ميزة لهذا أو عيبا لذلك ولكنها طبيعة المنطقة وكيف تخلق الناس، وفي الحديث تجدون الناس معادن مثل معادن الذهب والفضة. وفي الهند حصلت معجزة انقلاب الملك آشوكا من مجرم إلى قديس في عام 273 قبل الميلاد، فأغلق سجنه المدعو جحيم آشوكا الذي لا يخرج منه أحد حياً. وبدأ في حملة بناء المدارس والمشافي بما فيها مستشفيات للحيوانات. ونطق القانون كما يقول المؤرخ (ديورانت). وبنى 48 ألف مركز ثقافي وأرسل اعتذارا عجيباً لقبيلة (كالنجا) وأعاد إليهم أراضيهم التي سلبها منهم. وآمن بالسلم وسيلة لحل المشاكل بين البشر وكف عن شن أية غارة أو حرب مع الجيران أو داخل بلده. وبدأ بنشر تعاليم الرحمة وأوصى موظفيه أن يعاملوا الناس بالحب والمرحمة مثل أبنائهم. فترك ذكراه العطرة في التاريخ وانتشرت البوذية بفضله من سيلان إلى اليابان شاهداً على أثر السياسة في المذاهب.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *