GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

جورج بيغال الذي أصبح «زوج بغال»

مرتان على الأقل، يستوقف المكان رجالا وأحداثا غير متباعدة. نقصده كصحفيين ونعود منه أناساً آخرين. إن لم تكن الوقائع الكبرى تغير نظرة الصحافة، فأي شيء يقدر على إلغاء مسافة الحياد التي تلازم النظرة إلى الأحداث غير التحولات التي قد تبدأ كبيرة وهائلة ويتضاءل مفعولها. أو تنطلق صغيرة ويشمخ مداها عبر الأزمنة والأمكنة.
مرة كان لقاء القمة الثلاثية التي ضمت الراحلين الملك الحسن الثاني والعاهل السعودي فهد بن عبد العزيز والرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد. انتصبت ثلاث خيام في ساحة كانت شبه قفراء، اعتلتها أعلام مغربية وسعودية وجزائرية. وبدت المسافة أكثر تقلصا، كأنما هي العواصم الثلاث استقر بها مقام المساعي الحميدة في رقعة من قرية العقيد لطفي على مشارف الحدود المغربية – الجزائرية السالكة وقتها، بلا ألغام سياسية أو حواجز جمركية.
كانت المبادرة السعودية نموذجا في مساعي الوفاق والإخاء، وأعادت إلى الأذهان كيف أن الحسن الثاني توسط بدوره يوما من أجل حل أزمة عاصفة بين السعودية وإيران على عهد نظام الشاه رضى بهلوي. وزادها زخما أن الحالة العربية الناشئة بعد قمة فاس أشاعت روحا جديدة، وسار المغاربة والسعوديون والجزائريون والسوريون بدعم عربي على طريق واحدة، قبل أن تتغير بوصلة الاتجاهات المتناقضة.
وفي مرة أخرى كان لقاء بين الملك الحسن الثاني والعقيد الليبي معمر القذافي. ما تغير المكان ولكن تبدلت الأفكار، ولسبب ما وقع اختيار قرية العقيد لطفي، مع أن لا حدود مشتركة بين المغرب وليبيا تحتم اللجوء إلى منطقة شبه محايدة. كان المغاربة اقترحوا عاصمة غربية لاستضافة القمة، ورأى القذافي أن لا أجمل من أن يرفرف علما البلدين فوق أرضية مغربية. وكان لذلك معنى يفيد بأن الخلافات العربية – العربية تحل على الساحة العربية.
لم يشأ المغاربة إثارة حساسيات جزائرية، وأخبرني دبلوماسي ليبي منفتح خلال الفترة نفسها، أن القذافي أدرك مغزى الاقتراح المغربي، خصوصا عندما تمنى عليه الحسن الثاني لدى مغادرته المغرب أن يتجه إلى تونس أو الجزائر لإبلاغهما أن الاتفاق ليس موجها ضد أحد.
تجلت رمزية المكان في اللقاء الثلاثي، عبر استحضار دلالات مرحلة ناصعة في التاريخ المشترك لكفاح المغاربة والجزائريين ضد الاستعمار الفرنسي. فقد كانت المنطقة الشرقية تضم أكبر معسكر لجبهة التحرير الجزائرية، ولم يفت أيا من زعماء الثورة أن يزوروا ذلك المعسكر، إضافة إلى الرئيس الجزائري هواري بومدين الذي أقام بدوره في مدينة وجدة، كما هو شأن الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.
وعكست القمة الثنائية درجة الانشطار الذي ألقى بنفوذ سياسة المحاور على المنطقة، وإن لم يكن «الاتحاد العربي – الإفريقي» ردا على معاهدة الإخوة التي ضمت الجزائر وتونس وموريتانيا آنذاك، كونه انصرف إلى تأمين وفاق أعاد نزاع الصحراء إلى بعض جوانب نشأته. ولأنه بدأ عبر دعم القذافي للحركة الانفصالية، ممثلة في مصطفى الوالي الذي كان يقلد القذافي، حتى في أسلوب إسدال شعره على كتفه.. فقد كان لابد أن يخفت من خلال وقف ذلك الدعم، كما جسدته معاهدة «الاتحاد العربي – الإفريقي» في حينه، قبل أن تنهار أركان خيمتها.
لم تراوح قرية العقيد لطفي موقعها، إنها تمثل صمود جغرافية المكان. أقصى ما يحدث أن بعض الراغبين في تغيير مسار التاريخ يخطئون الطريق، فتتغير الجغرافيا، وقد انتشرت هذه الواقعة على نطاق واسع بعد هزيمة يونيو للعام 1967. وردد المناوئون لنظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر، أنه رغب في تغيير التاريخ، لكنه خسر جغرافية سيناء وغزة، كما حدث للنظام السوري في الجولان.
لكن قرية العقيد لطفي ستغير التاريخ على طريقتها، وإن لازال هناك من يفكر بعقلية جغرافية، من خلال الإصرار على سريان مفعول إغلاق الحدود البرية بين الجزائر والمغرب. كيف ذلك؟
عرفت المنطقة باسم معمر فرنسي كان يدعى جورج بيغال، واستمر الوجود الفرنسي في المنطقة خلال السنوات الأولى لما بعد استقلال المغرب، وتعرضت الرباط لموجة ضغوط من فرنسا للكف عن مساندة كفاح الشعب الجزائري من أجل استقلاله. وحدث أن البشرى جاءت من المنطقة الشرقية تحديدا، إذ لم يجد ذلك المعمر بدا من الرحيل عن المغرب، وبقي اسمه عالقا بالأذهان. غير أن النطق باسمه اعترته تعثرات لغوية، فأصبح جورج مرادفا لكلمة «زوج» كما تحولت كلمة بيغال إلى «بغال». ومن أجل تلافي بعض الإحالات شبه الخادشة أطلق اسم قرية العقيد لطفي على المكان الذي كان ينعته أهل المنطقة بـ «زوج بغال».
كذلك هي الكثير من الكلمات والألقاب، حتى أن منطقة بين الجديدة والدار البيضاء ستعرف باسم «البير الجديد» كناية بالمعمر «ألبير» الذي كان يتوفر على ضيعات زراعية هناك سلبها من أهلها، كما كانت حالات أجود الأراضي الزراعية. وقد يسنح موضوع علاقات أسماء وعناوين الأمكنة بالأحداث التي عرفتها، بمعاودة استظهار فصول منسية في التاريخ. وتلك مهمة المؤرخين بامتياز. وأرجو التصحيح إن أخطأت في رصد دلالات الأمكنة أما الأزمنة فقد صارت منفلتة لا تتقصى زمامها إلا بالنبش في التضاريس.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة