حبيبة «القايد» ماكلين التي هجرها في جبل طارق ليحقق حلمه ويصير على رأس الجيش المغربي

حبيبة «القايد» ماكلين التي هجرها في جبل طارق ليحقق حلمه ويصير على رأس الجيش المغربي

كانت شهرة «القايد» ماكلين كبيرة. لكن حياته الزوجية ظلت سريّة، إلى الحد الذي تضاربت فيه الروايات عن كونه أعزب، بينما أكدت بعض المصادر، خصوصا لدى المفوضية البريطانية في مدينة طنجة، أنه كان متزوجا في اسكتلندا، في حين تحدث آخرون عن زواج سري تم بينه وبين موظفة في طنجة دائما، كان قد جرى تعيينها لأربع سنوات كسكرتيرة، لمحها بالصدفة عندما كان في زيارة إلى مكتب صديقه القنصل البريطاني.
في حين تحدث البعض عن علاقات واسعة بينه وبين الأعيان المغاربة، خصوصا المقربين من القصر الملكي، وعُرضت عليه مصاهرات مقابل أن يعلن إسلامه، لكن لم يثبت أبدا أنه اعتنق الإسلام، وهو أمر يطعن في مصداقية قصص زواجه من مغربية من أسر الأعيان الفاسيين.
سنة 1880، كان عمره أربعين سنة، عندما جاء إلى المغرب أول مرة، قادما إليه من منطقة جبل طارق التي عين بها كضابط صف، وعاش قصة حب عاصفة هناك. لكنه نأى بنفسه عن الحياة العسكرية واختار أن ينشغل بالتجارة، ولأنه سمع الكثير من الحكايات عن المغرب في تلك الفترة، فقد استقر به عندما قدم المرة الأولى إلى فاس لغرض تجاري دون أن يعلم أحد أنه عسكري اسكتلندي. دخل التاجر الإنجليزي إلى البلاط السلطاني عن طريق باحماد، بعد أن تعرف عليه وأنشأ معه علاقة وطيدة سهلت عليه لقاء الحسن الأول. ومن يومها لم يعد يفكر إلا في تأسيس حياة جديدة في المغرب، خصوصا بعد أن عُرض عليه منصب حساس للغاية من طرف الحسن الأول، يتمثل في تدريب عناصر الجيش المغربي والإشراف عليه، وهكذا تخلى عن طموحه في أن يصبح تاجرا كبيرا، بعض أن ضمن أن كرم القصر الملكي يشمله.
بقيت الحياة الحميمية للقايد ماكلين سرية، وهو ما أرق رجال القصر وأعيان فاس، والوزراء أيضا، خصوصا أن ماكلين كان واضحا بخصوص قناعاته الدينية ولم يعلن إسلامه أو رغبته في اعتناق الإسلام. لكنه تحدث لبعض الأوروبيين الذين استقدمهم بنفسه إلى المغرب ووعدهم بأن تصبح حياتهم أفضل داخله، عن قصة حب جامحة بينه وبين شابة بريطانية لم يفصح لأحد عن اسمها، ودعها عندما قرر أن يغادر منطقة جبل طارق في اتجاه المغرب. كان يتحدث عنها بين الفينة والأخرى لبعض أصدقائه البريطانيين في الحفلات الخاصة، واشتد به الشوق مرة ليسأل أحد الأطباء البريطانيين في حفل باذخ في طنجة، كان قد أخبره أنه أقام لفترة في جبل طارق، فبرقت عيناه وسأله: «ألم ترها هناك؟». وما كاد الطبيب يستفسر «القايد» ماكلين عن هوية السيدة التي يسأل بشأنها، حتى تدارك الأمر، وغيّر الموضوع حتى لا يفصح عن اسم حبيبته.
مما يذكر أيضا بخصوص «القايد» ماكلين، أنه كان وسيما بالقدر الذي كان محط أطماع النساء، حيث كانت «الموضة» وقتها في اسكتلندا وبريطانيا، ومستعمراتها، هي إنشاء علاقة مع عسكري، خصوصا إذا كانت رتبته العسكرية متقدمة. بالنسبة لماكلين، فقد كان في ريعان شبابه عندما ولج الحياة العسكرية، ولم يكن قد ترقى إلى المدارك التي تسمح له بتوطيد علاقاته مع نساء الأوساط الراقية، لذلك أجّل الأمر إلى أن وصل إلى المغرب، خصوصا بعد تعيينه مشرفا على الجيش المغربي، ومنحه لقب «القايد» بشكل رسمي، ليصبح محط أطماع الأوروبيات خصوصا في طنجة، ويصبح اسمه معروفا جدا في القنصليات والتمثيليات الأجنبية في المغرب، لمختلف الجنسيات الأوروبية.
تجاوزت مدة إقامة «القايد» ماكلين عشرين سنة بالمغرب، فقد جاء إلى طنجة لأول مرة عندما كان في الأربعين، وتجاوز عمره الستين سنة عندما كان في المراحل النهائية لعلاقاته النافذة بالقصر الملكي في فاس. كان قد بلغ أوج قوته عندما تكلف بمرافقة الوفد المغربي الرسمي في زيارة دبلوماسية إلى بريطانيا ترأسها الوزير القوي المهدي المنبهي، وكان «القايد» ماكلين قد تكلف بأمور الترجمة والتنسيق مع القصر في لندن لاستقبال الوفد المغربي. يومها أدرك البريطانيون أن الجندي الذي تخلى عن الجندية في شبابه بجبل طارق، ترقّى في المغرب وأصبح موظفا رفيع المستوى، وعلى قدر كبير من الغنى والجاه، لكنه لم يكن متزوجا.
مسألة زواجه كانت تحرجه كثيرا أمام أصدقائه البريطانيين، خصوصا في اللقاءات البعيدة عن أجواء العمل، حيث كانوا يصطحبون زوجاتهم جميعا، في حين أن «القايد» ماكلين كان يكتفي بمراقبتهم ومشاركتهم أطراف الحديث، محيطا نفسه بكثير من الغموض.
على عكس ما توقعه له الكثيرون، فإن «القايد» ماكلين لم يغادر المغرب حتى بعد أن بلغت به الشيخوخة مبلغا كبيرا، ليتوفى سنة 1920 في مدينة طنجة، وتم دفنه في مقبرة للنصارى هناك، حيث دفن في كنيسة القديس «أندرو»، وقد رسم أحد الرسامين موكب الجنازة في لوحة شهيرة، ويظهر فيها حضور عدد كبير من الأعيان والإنجليز، بمختلف تمثيلياتهم السياسية والدبلوماسية والعسكرية أيضا، فقد جاء وفد كبير من الأجانب من منطقة جبل طارق ومن فاس والرباط، خصيصا لحضور جنازة «ماكلين» الذي ولد اسكتلنديا، وعاش مغربيا، ومات وحيدا مستقرا في ربوة تطل على البحر، حيث تتراءى معالم حب قديم دفنه ماكلين في سن الأربعين.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *