آخر الأخبار
TM_Top-banner_970x250

حتى أنت يا مصيطيفة

حتى أنت يا مصيطيفة

مرة أخرى سيذرف مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات السابق، الدموع، وإذا كانت المرة الأولى وقعت بمناسبة عجزه عن التصدي لإضرابات كتابة الضبط، واعتقاده بأنه سيموت قبل انتهاء ولايته، فإن هذه المرة كانت بمناسبة تركه للوزارة وتوصيته لخلفه، محمد أوجار، بالاستمرار في محاربة الفساد، والتنصيص على تجريم الإثراء غير المشروع في منظومة القانون الجنائي.
لكن دعونا نتساءل ماذا فعل الرميد طيلة خمس سنوات ونصف لمتابعة الذين جمعوا ثروات طائلة بشكل غير مشروع، ما عدا تحريك بعض المتابعات بشكل انتقائي انتهى أغلبها بالبراءة، وعدم فتح الملفات الحقيقية التي تفوح منها رائحة الفساد الحقيقي، ومنها على الخصوص تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن آلاف الشكايات التي توصلت بها الوزارة، ومنها شكايات وضعتها الهيئة المركزية للوقاية من الرشوة ومؤسسة «وسيط المملكة».
أما بخصوص تجريم الإثراء غير المشروع في القانون الجنائي، فكان مجرد ضجة انتخابية أثارها الرميد لتلميع صورة حزب العدالة والتنمية قبل الانتخابات الجماعية والتشريعية، ثم تراجع عن تعديل هذا القانون في أحد اجتماعات المجلس الحكومي، وحذف المادة التي كانت تنص على أنه «يعد مرتكبا لجريمة الإثراء غير المشروع، ويعاقب بالسجن من شهرين إلى سنتين وغرامة مالية من 5 آلاف إلى 50 ألف درهم، كل موظف عمومي، ثبت بعد توليه للوظيفة، أن ذمته المالية عرفت زيادة ملحوظة، وغير مبررة، مقارنة مع مصادر دخله المشروع، ولم يدل بما يثبت المصدر المشروع لتلك الزيادة، ويمكن في حالة الحكم بالإدانة، الحكم بمصادرة الممتلكات طبقا لمقتضيات الفصل 42 من القانون الجنائي»، لكن الرميد استسلم للضغوطات وحذف الحبس من هذه المادة واكتفى بالغرامة، بالإضافة إلى تقليص فئة المعنيين بهذا القانون في فئة الموظفين الخاضعين للتصريح الإجباري بالممتلكات دون غيرهم.
وغادر الرميد وزارة العدل التي عمر بها لأزيد من خمس سنوات لكي يتسلم حقيبة حقوق الإنسان التي وصفتها «هيومن رايتس ووتش» بالوزارة المهزلة، دون أن يكشف للرأي العام الوطني مصير ملفات الفساد التي أحالها عليه المجلس الأعلى للحسابات، والتي تجاوز عددها 50 ملفا تتضمن اختلالات ذات طابع جنائي، دون أن نرى أي ملف من هذه الملفات يروج أمام القضاء، ما عدا ملفات متابعتنا نحن أمام المحاكم بخصوص ما نشرناه في هذه الجريدة إلى جانب ملفات «فاضحي الفساد» الذين حركت وزارة العدل المتابعة في حقهم عوض المتورطين في ملفات الفساد. وتتضمن تقارير المجلس الأعلى للحسابات مجموعة من الملفات المرتبطة بتدبير المال العام، بعضها تكتسي طابعا جنائيا وتقتضي فتح تحقيق قضائي بشأنها وتحريك المتابعة في حق المتورطين فيها.
ومن بين الملفات التي نشرناها بالوثائق والأدلة والأرقام، ملف إثراء حميد شباط وعائلته، بمراكمة ثروة خيالية في ظرف قياسي منذ أن تسلم شباط زمام عمودية مدينة فاس، ولم يتحرك الرميد لفتح تحقيق حول مصدر هذه الثروة، كما نشرنا تفاصيل ومعلومات حول ثروات بعض القضاة ممن حضر الرميد أعراس أبنائهم وبناتهم وشاهد بعينيه كيف تنفق الأموال الطائلة على طعام وشراب المدعوين وعلى «جهاز» العروس دون أن يحرك ساكنا للبحث عن مصدر ثروة هؤلاء، وكل ما فعله في حق بعض القضاة الذين راكموا الثروات في ظروف مشبوهة، هو عزلهم من مناصبهم أو إحالتهم على التقاعد المبكر لكي يستمتعوا بهذه الثروة والتفرغ لتسيير مشاريعهم الاستثمارية وضيعاتهم الفلاحية.
كل ما قام به الرميد طيلة ولايته، هو وضع خط هاتفي أخضر للإبلاغ عن جرائم الرشوة الصغيرة تنتهي في غالب الأحيان باعتقال موظفين صغار، في حين توصل بملفات ووثائق تخص الرشوة الكبيرة ومنها ملفات تهم صفقات كبرى، لكن دون جدوى، وانتهى الأمر أحيانا بمتابعة المبلغين عن الرشوة.
ومع نهاية الولاية الحكومية، صدر تقرير عن منظمة الشفافية العالمية، كشف تراجع ترتيب المغرب بنقطتين في سلم مؤشرات إدراك الرشوة والفساد خلال سنة 2016، حيث احتل المرتبة 90 من ضمن 176 دولة بنقطة 37 على 100، بعدما كان يحتل المرتبة 88 خلال سنة 2015، دون أن ننسى تورط وزراء وقياديين بالحزب في قضايا تتعلق بالحكامة والتصرف في المال العام مباشرة بعد تحملهم المسؤولية الحكومية أو تسيير المجالس الجهوية والجماعية، عن طريق التلاعب في الصفقات وتفويتها إلى شركات في ملكية قياديين آخرين في الحزب وذراعه الدعوية وتبذير المال العام وتعيين المقربين في المناصب العليا.
ولم يلتزم الرميد بما وعدت به حكومة بنكيران في برنامجها، بمكافحة الفساد في تدبير الشأن العام، واتضح من خلال الممارسة والإجراءات التي قام بها، تعامله بشكل انتقائي في المتابعات القضائية والإفلات من العقاب لصالح الكثير من الحالات، أو القيام بإجراءات شكلية في بعض الحالات لتفادي الحرج، من خلال محاكمة بعض المسؤولين، غالبا ما تنتهي بأحكام مخففة أو بالبراءة، ونشرنا على صفحات هذه الجريدة، أحكاما غريبة لا تتعدى ثلاث سنوات في حق أشخاص كانوا متابعين باختلاس الملايير من المال العام.
وكل من لا يعرف الرميد يعتقد بأنه فعلا من صقور العدالة والتنمية الذي لا يخاف في قول الحق لومة لائم، غير أنه في الحقيقة يمكن وصفه بأكبر مراوغ من درجة وزير، فهو الذي هرول نحو القصر الملكي ظنا منه أنه سيعين رئيسا للحكومة، ليجد نفسه وجها لوجه مع عبد الإله بنكيران الذي فوجئ بوجوده إلى جانبه بدون سابق إشعار، وخلال فشل رئيس الحكومة المعزول في تشكيل حكومته، والذي يتحمل معه الرميد قسطا وافرا من المسؤولية فيه، بعد خمسة أشهر من «البلوكاج» وتخراج العينين، صرح برفضه أن يكون بنعرفة داخل حزب العدالة والتنمية، دون اعتبار للأضرار الجانبية لمثل هذا التصريح الأرعن، لكنه في النهاية قبل أن يكون خادما عند بنعرفة، بحصوله على وزارة بدون حقيبة في حكومة العثماني، وتنكر لبنكيران كما تنكر للكثير من أصدقائه من قبل، ولمستشاره جواد غسال، الذي ظل يوظفه طيلة خمس سنوات في مهاجمة كل من انتقد ولي نعمته من قضاة وكتاب ضبط وصحافيين، وتخلى عنه عندما حركت وزارة الداخلية متابعة قضائية ضده، بسبب مقالات اتهم من خلالها الولاة والعمال ورجال السلطة بتزوير الانتخابات، ونشر أشرطة «مفبركة» على موقعه الإلكتروني.
وإذا كان هناك من يظن أن الرميد شعر بأية إهانة بسبب انتزاع وزارة العدل منه وتعويضه بحقيبة تافهة فهو واهم، إذ لماذا سيقبل الرميد على نفسه هذه الإهانة ويرضى بحقيبة صغيرة، ولماذا لم يتمتع بشجاعة العثماني عندما أعفي من وزارة الخارجية ورفض قبول حقيبة أخرى مكانها في حكومة بنكيران، والحقيقة أن الرميد مستعد لأن يقبل بأية وظيفة مخزنية تمنح له مهما كانت بسيطة، لأنه ذاق حلاوة كرسي الوزارة وما يتيحه له من امتيازات، بعد أن قضى خمس سنوات على رأس وزارة العدل والحريات وهو محروس برجال الأمن ويركب سيارة فارهة من آخر طراز، فضلا عن كونه شخصا متشبعا بـجينات «تامخزنيت» حتى النخاع رغم الهالة الخادعة التي يحاول أن يحيط بها نفسه.
وإذا كان هناك من شيء فشل فيه الرميد وهو على رأس وزارة العدل والحريات، فهو حماية حقوق الإنسان بالذات التي عين اليوم وزيرا لها، إذ بدل أن يؤسس مديرية للحريات داخل وزارته، تستوعب الوظيفة الجديدة التي منحت لها، وتفعل الفلسفة العميقة وراء إضافة تلك التسمية وتنزلها إلى أرض الواقع، عبر المساهمة في توسيع مجال الحريات الدستورية الخاصة منها أو العامة، وعبر الرصد والتصدي لكل خرق قد يطالها، بما كانت تتوفر عليه الوزارة من إمكانيات قانونية ومادية وبشرية، قام سيادته بتحريك المتابعات ضد الصحافة المزعجة، وراقب فيسبوك القضاة، وتابعهم على تعبيرهم عن آرائهم، وناهض الحق في حرية التنظيم النقابي، وقمع إضرابات أطر كتابة الضبط وشرعن الاقتطاع من رواتب المضربين، ودخل في صراعات مع الموثقين والعدول والنساخ والمحامين ممن كانوا يعتبرون أن إصلاح منظومة العدالة ليس بالبنايات والتجهيزات التي يتفاخر بها، بقدر ما يتعلق بتوفر إرادة سياسية حقيقية، وهو من جانب آخر كان أبعد ما يكون عن الحقوقي المتشبع بحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، برفضه العصبي وتشنجه لكل من يخالفه الرأي، ولجوئه إلى القسم بالأيمان المغلظة لوقف كل حوار مع من يعارضه، أو بزواجه بامرأتين وتشجيعه المستمر لمحيطه على ذلك، في الوقت الذي سيكون مطلوبا منه خلال شهر ماي المقبل أن يمثل المغرب في اجتماع مجلس الأمم المتحدة بجنيف لتوضيح الإجراءات التي اتخذتها الدولة المغربية للحد من تعدد الزوجات، حتى أن هناك عريضة عالمية بصدد التوقيع، تطالب بسحب وزارة حقوق الإنسان منه، لعدم أهليته لمهمة كهاته.
ومن هنا لن يكون غريبا أن يأتي الرميد لكي يتخلى عن «موكله»، ويبحث عن مبررات ومسوغات التراجع عن مواقف الحزب المعبر عنها خلال مفاوضات تشكيل الحكومة، ويكذب أمينه العام عبد الإله بنكيران ويسفه رأيه، ويقول بأن الأمين العام وافق على دخول الاتحاد الاشتراكي لحكومة العثماني، في وقت كان بنكيران قد صرح بعظمة لسانه وفي أكثر من مناسبة برفضه لدخول هذا الحزب، بل ذهب إلى درجة التحدي بالقول في تجمع خطابي أنه إذا دخل الاتحاد الاشتراكي للحكومة فإنه ليس عبد الإله بنكيران.
لذلك ربما اكتشف بنكيران بعد فوات الأوان، طبيعة أصدقائه، وفطن إلى أن العفاريت والتماسيح التي كان يحدثنا عنهم، ويتوجس منهم خيفة، ينتمون معه لنفس الحزب، ويتقاسمون معه نفس المائدة، وأن التخلي عنه في منتصف الطريق من أعضاء الأمانة العامة لحزبه من أجل الظفر بمقاعد وزارية بسيطة، هو بمثابة تلك الطعنة الغادرة التي تلقاها يوليوس قيصر من بروتوس وهو أقرب المقربين إليه، ليقول له قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة «حتى أنت يا بروتوس»، وهي المقولة التي تقابلها لدى بنكيران جملة يرددها هذه الأيام في نفسه تقول «حتى أنت يا مصيطيفة».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة