CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

حزب العازفين

حزب العازفين

لا أحد يمكنه أن يجادل في كون حزب العدالة والتنمية قد تمكن خلال هذه الانتخابات من مضاعفة حصته من الأصوات بحوالي ثلاث مرات، بحيث انتقل من 600 ألف صوت سنة 2009 إلى مليون و500 ألف صوت اليوم بزيادة 900 ألف صوت.
لذلك فلا يمكن لأحد أن يبخس العدالة والتنمية أشياءها، فهذا سيكون بمثابة محاولة لحجب الشمس بالغربال، لكن هناك مغالطة كبيرة يروجها الحزب الحاكم وهي أن هذه الانتخابات مكنت المغاربة من استعادة الثقة في السياسة، وأن الشعب المغربي منحهم ثقته لتسيير مجالس المدن.
هذه الانتخابات زكت معطى واحدا وواضحا هو أن الشعب المغربي عازف عن المشاركة في الاقتراع. ليس لأنه شعب غير مسيس، بل لأن العرض السياسي غير مغر بسبب ممارسات السياسيين المنفرة من أية مشاركة سياسية للمواطن.
وبعبارة أخرى فليس المواطن هو العازف عن المشاركة السياسية بقدرما أن السياسيين هم العازفون عنها لكونهم متفرغين جزئيا أو كليا لتوظيف العمل السياسي لخدمة الطموح الشخصي عوض الصالح العام.
لنعد إلى الأرقام العنيدة لكي نحلل هذا الادعاء، ادعاء أن الشعب صوت للعدالة والتنمية، ونظهر تهافته.
لقد حصل حزب العدالة والتنمية خلال هذه الانتخابات على مليون ونصف مليون صوت.
أي أنه أكل من أصوات الأحزاب التي تشكل معه التحالف الحكومي، مما يفيد بأن تراجع هذه الأحزاب هو ما مكن من تقدم العدالة والتنمية.
وبالرجوع إلى عدد المغاربة الذين لديهم الحق في التصويت نجد أن هذا العدد يبلغ 26 مليونا، فيه فقط 14 مليون مواطن مسجل باللوائح الانتخابية.
وحسب وزارة الداخلية فنسبة التصويت وصلت إلى 50 بالمائة، وهي النسبة نفسها التي سجلت في الانتخابات السابقة، مما يعني أن عدد الذين صوتوا في هذه الانتخابات لا يتعدى 7 ملايين مواطن، فيهم مليون و500 ألف صوت ملغاة، ومنهم مليون ونصف مليون صوتوا لحزب العدالة والتنمية.
هذا يعني أن 6 ملايين مواطن مسجل في اللوائح الانتخابية لم يصوتوا، و7 ملايين الذين صوتوا لم يمنحوا لحزب العدالة والتنمية سوى مليون ونصف مليون صوت.
في المدن التي يفتخر حزب العدالة والتنمية بالفوز فيها لم تتعد نسبة التصويت 35 بالمائة مثل الدار البيضاء التي لم تتجاوز النسبة بها 28 بالمائة، وإذا افترضنا أن ثلثي هذه النسبة صوتت للعدالة والتنمية فإننا نصبح أمام نسبة 85 بالمائة من ساكنة الدار البيضاء المسجلة في اللوائح الانتخابية لم تصوت لهذا الحزب.
الخلاصة المنطقية التي نخرج بها من هذه الأرقام هي أن الشعب المغربي لم يصوت لحزب العدالة والتنمية بل شعب العدالة والتنمية هو من صوت لبنكيران، إلا إذا كان عبد الإله بنكيران وحزبه يختزلون الشعب المغربي في 200 ألف صوت. كيف ذلك ؟ لنشرح قليلا.
حزب العدالة والتنمية حصل على مليون و500 ألف صوت، وحزب الأصالة والمعاصرة حصل على مليون و300 ألف صوت، وحزب العدالة والتنمية يختزل الفساد والاستبداد في حزب الأصالة والمعاصرة، أي أن 200 ألف صوت التي تشكل الفارق بين الحزبين هي الشعب المغربي الذي انحاز للعدالة والتنمية ضد الأصالة والمعاصرة.
وإذا كان الشعب المغربي بنظر العدالة والتنمية هو 200 ألف فماذا نسمي 19 مليون نسمة التي لم تصوت أصلا ؟
لعل الإنجاز الوحيد الذي نجح فيه حزب العدالة والتنمية طوال الأربع سنوات التي قضاها إلى حدود الآن في السلطة هو استقطاب أعضاء بعشرات الآلاف للانخراط في صفوف الحزب.
ومن أجل إنجاح هذه المهمة جند الحزب جميع أذرعه الموازية، سواء منها الشبابية والنسائية والدعوية والنقابية والحقوقية.
ولعبت الوزارات والمؤسسات التابعة لها والتي يسيرها وزراء الحزب في تسهيل هذه المهمة، خصوصا في قطاع التعليم، حيث انخرط العديد من الأساتذة الذين منهم من فعل ذلك لحماية نفسه ومنهم من فعل ذلك رغبة في الاستفادة من انتقال أو تفرغ أو ترقية إدارية.
الحزب كذلك لديه خطة محكمة لتزويج المناضلين والمناضلات والبحث للعاطلين عن عمل، وتمويل مشاريع صغرى للباعة المتجولين الذين يمثلون قطاعا اقتصاديا قائما بذاته.
وأتباع العدالة والتنمية ليسوا كلهم سواء، فهناك المتشبعون بإيديولوجية الحزب الصاعدون من محاضن حركة التوحيد والإصلاح، وهؤلاء هم النواة الصلبة للحزب، وهناك التابعون الذين وجدوا في الحزب ما يدغدغ مشاعرهم ولديهم مصالح تتقاطع مع مصالح الحزب، خصوصا بعدما وصل إلى الإمساك بدواليب التسيير الحكومي والجماعي، وهناك الأعضاء الواقعون تحت تأثير عمليات مكثفة لغسيل الدماغ، وهؤلاء هم الغالبية العظمى وهم الأخطر، بحكم أنهم يرون في بنكيران مهديهم المنتظر الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فهؤلاء عطلوا حاسة الفهم والتحليل وصاروا أشبه بآلات مبرمجة على السمع والطاعة والتصفيق للزعيم عندما يخطب والضحك لأي شيء قاله حتى ولو كان غير باعث على الضحك، فقط لأن الزعيم رسخ في أذهانهم أنه شخص يجيد الإضحاك.
إن الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي تتفرج على هذه المسرحية الهزلية التي يؤديها من يدعون تمثيله في المجالس والجماعات والغرف والبرلمان، دون أن يشاركوا فيها لعلمهم المسبق بأن أحوالهم المعيشية لن تتغير بتغير الوجوه والأحزاب.
فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم والضربات تتوالى نحو القدرة الشرائية للمواطن، ومع ذلك يريدون إقناعنا بأن هذا الشعب مازوشي يعشق من يكوي جيوبه بغلاء الأسعار.
يا إلهي ما هذه الطبقة السياسية التي ابتلينا بها ؟
المعارضة تهدد بمقاطعة جلسات البرلمان، رئيس الحكومة ينسحب من البرلمان بعدما هدد المعارضة بدفع الثمن، النقابات العمالية تقاطع احتفالات فاتح ماي وتهدد بمقاطعة جلسات الحوار الاجتماعي، رئيس الحكومة ينزل ليسير مكان العمال في فاتح ماي ويقول إن له مطالب وشكاوى يريد بثها للطبقة العاملة، زعيم حزب الاستقلال يسأل رئيس الحكومة عن علاقته بداعش وجيش النصرة والموساد، رئيس الحكومة يتهم شباط بالسرقة ووضع يده في يد تجار المخدرات، ويصف لشكر بالطاغية ورمز الفساد واللص الذي يقتسم الغنيمة مع شباط، ولكي يكملها ويجملها يتهم الأصالة والمعاصرة باستعمال عائدات الغبرة في تمويل الانتخابات ثم لا يجد بعد ذلك حرجا في القول إن احتمال التحالف مع هذا الحزب وارد.
ولذلك فإذا كان هناك من حزب أفرزته هذه الانتخابات فهو حزب العازفين.
ولعل كل من يحمل في قلبه ذرة حب لهذا الوطن يحز في نفسه أن يرى كيف أصبح الشعب رهينة لدى طبقة سياسية فظة الخطاب طويلة اللسان، تقضي وقتها في التنابز بالألقاب في ما بينها تاركة القدرة الشرائية للشعب تتعرض لأعنف الضربات.
إن الشعب لا يدفع أجور النواب البرلمانيين والوزراء وتقاعدهم المريح من عرق جبينه لأجل أن يشغل هؤلاء وقتهم بصراعاتهم التي تشبه صراعات الديكة المنفوشة الريش.
إن معارككم التافهة وتنابزكم بالألقاب وأرقام الكراسي والمقاعد التي تحصلون عليها لا تهم دافعي الضرائب في شيء، فما يهمهم هو قيامكم بمسؤولية تحسين أوضاعهم الاجتماعية، وإنقاذ التعليم العمومي من الإفلاس، وتوفير الخدمات الصحية الأساسية للمرضى، وإصلاح الطرق ووسائل النقل العمومية للحد من نزيف حرب الطرق، وإنقاذ تقاعد الموظفين، وتشغيل العاطلين وتوفير الاستثمار وإنقاذ السياحة من الأزمة، وغيرها من الإصلاحات التي يجدر بكل حكومة تحترم نفسها أن تقوم بها.
وعوض القيام بكل ذلك تختار الطبقة السياسية، معارضة وأغلبية، أن تعطي عن نفسها صورة منحطة، تساهم في تردي الوضع السياسي والاجتماعي العام وتزيد من نسبة العزوف والمقاطعة.
واضح إذن أن السفهاء ليسوا هم من يوجدون في المعارضة أو في الحكومة، وإنما السفهاء «ديال بصح» هم نحن الذين ندفع من ضرائبنا رواتب هؤلاء البرلمانيين والوزراء والمستشارين والعمداء الذين يهملون واجباتهم اتجاه الشعب وينشغلون بسب وشتم بعضهم البعض، وفي الأخير يأتون للتباكي حول نزول نسبة المشاركة في تمثيلية اختيارهم.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة