CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

حسن فرج : «الملحق الثقافي في السفارة شكّل لغزا بعد أن تدخل لحمايتي بطلب من غيثة»

حسن فرج : «الملحق الثقافي في السفارة شكّل لغزا بعد أن تدخل لحمايتي بطلب من غيثة»

يونس جنوحي
توقفنا عند الأيام الأولى للواقع الجديد في ألمانيا. بدأت حياتك بعيدا عن عبد الفتاح فرج، وأمك «بريجيت» أو «غيثة» ستتدخل للاتصال بك ومساعدتك بعد أن أبلغتك أنك لم تعد تنتمي إلى الأسرة، صيف 1999 دائما.. احك لنا عن هذا الأمر..
بعد تلك الورقة التي وجدت في باب الشقة وبعدها في الفندق حيث وجدت أغراضي في علب كرتونية، لم أفكر في الحقيقة إلا في أمر واحد وهو استكمال دراستي، لأنها الباب الوحيد الذي سينقذني من التشرد هناك في ألمانيا. في تلك الأيام التي فكرت خلالها في التوجه إلى فرنسا للاعتبارات التي شرحتها لك، فوجئت باتصال من والدتي غيثة. كانت متأثرة جدا، وأخبرتني مرة أخرى أن قرار والدي عبد الفتاح فرج وأختي خديجة نهائي، وأنه يتعين علي الاقتناع بلا جدوى العودة إلى المغرب.
وحتى لا أكون كاذبا، لا بد أن أشير إلى أن نفسيتي وقتها كانت مهزوزة جدا، لقد أصبت بأضرار نفسية بالغة جراء القرار الصادم الذي اتخذه عبد الفتاح فرج في حقي، والطريقة المهينة التي عاملتني بها أختي خديجة. نصحتني أمي أيضا، خلال المكالمة الهاتفية نفسها، بأن أتوجه إلى برلين، حتى أكمل دراستي، لأن الفرص فيها ستكون أفضل. كان صوتها مرتعشا، وبدا أنها تقاوم البكاء، وبصوت مخنوق، أملت عليّ عنوانا لأتوجه إليه في برلين.

هل أحسست في تلك اللحظة أن أمك تتعاطف معك؟

بشكل كبير. لقد كان صوتها يؤكد تعاطفها معي، وأرادت أن تساعدني. ربما كانت متأثرة جدا لأنها ظنت أنها لن تراني مجددا ما دامت رغبة عبد الفتاح ألا أعود نهائيا إلى منزل العائلة في المغرب. المهم، وحتى أكمل لك، توجهت إلى العنوان الذي أملته عليّ عبر الهاتف، ووجدت أنه مقر السفارة المغربية في برلين. أخبرتني أن أبحث، عندما أصل إلى هناك، عن شخص اسمه الدكتور عبد الفضيل قنيدل.
هذا الرجل ستكون له أدوار كبرى في المحطات المقبلة من حياتي منذ ذلك التاريخ، ولازمني طوال مدة إقامتي في ألمانيا إلى أن استطعت العودة إلى المغرب، وأيضا خلال الفترة التي كنت أتردد فيها بين ألمانيا والمغرب بشكل دائم بعد سنة 2007.
هذا الرجل، أي د. قنيدل، من مواليد مدينة الدار البيضاء وتلقى تعليمه العالي في جامعة القرويين بفاس، حيث تلقى هناك تكوينا دينيا. وفي ما بعد تلقى تكوينا عسكريا في مدرسة «أهرمومو» العسكرية. غادرها بعد أن تلقى تكوينا قاسيا ليلحق بمركز رفيع في وزارة الدفاع خلال الستينات، ومن هناك توجه إلى ألمانيا، كما حكى لي، إلى مدينة ألمانية تدعى «Tübingen»، حيث حصل على الدكتوراه في القانون الدولي. بعدها مباشرة عُين ملحقا ثقافيا في سفارة المغرب ببون خلال سنوات الستينات دائما، ثم في برلين سنة 2000. وفي نهاية 2008 تم استدعاؤه إلى الرباط. لقد احتفظ بالمركز نفسه (ملحق ثقافي بالسفارة)، طيلة أربعين سنة.

أنت عرفته ما بين 1999 و2000.. كيف وجدته؟

وحيدا.. كان وحيدا وغامضا. لكني عرفت عنه أمورا كثيرة جدا، عندما توطدت علاقتنا أكثر. في البداية توجهت إليه في السفارة وساعدني على التسجيل في ثانوية فرنسية في برلين، وفي ما بعد ساعدني في التوجه إلى فرنسا حيث أكملت دراستي هناك بهدف الحصول على شهادة الباكلوريا، ثم توطدت علاقتي به أكثر ولازمته لسنوات.

احك لنا عن لقائك الأول به..

(يصمت).. عندما اتصلت بي والدتي وأعطتني عنوان السفارة المغربية في برلين. توجهت إليها من مدينة «أولم» الصغيرة، ولم تكن تلك المرة الأولى التي أتوجه فيها إلى برلين. وصلت إلى العنوان، وضغطت الجرس ليخرج إليّ أحدهم. أخبرته أنني هنا للقاء الدكتور قنيدل، ولم أكن أعرفه قبل تلك المرة. المهم أنه استقبلني جيدا، ومن يومها أصبح جزءا من مشاكلي، وقد فهمت أنه على اتصال بوالدتي، حيث نسق معها لتسجيلي في المدرسة الفرنسية ببرلين، وتدبر لي أمر السكن، حيث تكلف باكتراء مسكن صغير سكنت فيه طوال السنوات الثلاث التي قضيتها في الدراسة ببرلين قبل أن أغادرها إلى شمال فرنسا سنة 2003 لأدرس الباكلوريا هناك.

هل يمكن أن تكون علاقة الدكتور قنيدل بوالدتك تعود إلى سنوات الستينات؟ أي قبل دخولها إلى المغرب زوجة لعبد الفتاح فرج؟

لا أعلم. ليس لدي ما أقوله بهذا الشأن، علاقتهما لم تكن مفهومة بالنسبة لي. لم تتحدث أبدا عن صديق اسمه قنيدل، ولم أسمع اسمه في حياتي إلى أن أخبرتني أنه يتعين عليّ لقاؤه ليساعدني.

كيف وقع عليه الاختيار ليساعدك؟

لا أعلم.

طيب. هو ملحق ثقافي في السفارة المغربية منذ 1968، ووالدتك كانت تعمل مترجمة وعملت في خارجية بلادها قبل أن ترتبط بوالدك. ألا يمكن أن يكونا صديقين مثلا منذ ذلك الوقت؟

لم يخبرني أحد شيئا عن هذا الأمر. حتى عندما تحدثت عنه والدتي، قالت إنه ملحق ثقافي في السفارة المغربية ببرلين وسيساعدك، ووجدت فيه عونا كبيرا، وتطورت علاقتي به بسرعة، وتوطدت أكثر بعد وفاة والدي بألمانيا في 2005.
الأمور التي وقعت بعد ذلك التاريخ، جعلتني أجزم أن الدكتور قنيدل ليس شخصا عاديا، وأنه لم يكن يرعاني «مجانا» إن صح التعبير. بالنسبة لي، كنت وسط دوامة كبيرة، ولم أكن أعلم بمن يتوجب علي أن أثق، بالإضافة إلى أنني كنت صغيرا جدا، ومضطربا بكل ما تحمله الكلمة من معنى. وقنيدل كان عونا كبيرا لي، لقد قدم لي الحماية النفسية والمأوى، ورافقني في محطات كثيرة. في البداية كان يتصل للاطمئنان عليّّ، وأفهم منه أن والدتي تتصل به للاطمئنان على وضعي، كما أنه قدم لي عونا ماديا في السنوات الأولى. وعندما حكيت له كل شيء عن مأساتي، وتضرري النفسي بسبب طردي من العائلة مرتين: الأولى من عائلتي البيولوجية، والثانية من طرف عائلة عبد الفتاح فرج، أحسست أنه يتعاطف معي، وعرض عليّ زيارته في بيته.
أخبرني أنه يسكن لوحده في شقة ببرلين وأنه غير متزوج ولا أولاد له، وأنه لم يزر المغرب نهائيا منذ غادره خلال الستينات، وهذا الأمر كان يثير الاستغراب فعلا.

قربنا من شخصيته أكثر.. كيف كان منزله مثلا؟

كانت شقته في حالة فوضى كبيرة، عندما دخلتها أول مرة لاحظت أنه غير مستقر في حياته رغم أنه يبدو منتظما في حياته المهنية ودقيقا في المواعد. لكن منزله كان في حالة فوضى كبيرة. الملابس مبعثرة في كل جانب، وكتب كثيرة موضوعة فوق الكراسي، وفي الرفوف. لقد كان رجلا موسوعيا وله إلمام واسع بالعلوم. في ما بعد، خصوصا بعد سنة 2005، كنت أحاول معرفة مواقفه السياسية وأفكاره.. لقد كان رجلا متناقضا.
كان يسألني كثيرا عن قصتي مع عبد الفتاح فرج، ووثقت فيه وأخبرته كيف أنني مطرود من العائلة، وكنت أجد فيه أبا. لقد ساعدني كثيرا في الحقيقة. شكوكي في شخصيته والدور الذي لعبه في تلك الفترة، لم تبدأ إلا بعد وفاة عبد الفتاح فرج، لأجد أن هناك نقطا غامضة في حياة د. قنيدل. مثلا تكوينه الديني الأصيل في جامعة القرويين، لا يمكن فهمه بالموازاة مع التكوين العسكري الذي تلقاه في مدرسة «أهرمومو» العسكرية، التي يقول إنه غادرها مبكرا ليعدّ الدكتوراه في ألمانيا ويتخصص في القانون الدولي. النقطة الغامضة الأخرى كانت في عدم زيارته للمغرب منذ غادره سنة 1968، رغم أنه أخبرني أن عائلته تستقر في الدار البيضاء.
أخبرني أيضا أنه بدون أسرة، ويعيش وحيدا. لكني، داخل منزله دائما، اكتشفت أنه يتحدث عبر الهاتف مع بعض الأشخاص في كندا، ووجدت لديه صورة في أحد الكتب لسيدة رفقة طفلين، وارتبك، ليخبرني في الأخير أن لديه زوجة سابقة وابنين في كندا، يتصل بهما بين الفينة والأخرى للاطمئنان عليهما.

ألم تلاحظ أي اتصال بين الدكتور قنيدل وعبد الفتاح فرج؟

نهائيا.

هل كان والدك يعلم أنك على اتصال بقنيدل أو أنه يتكلف بالإشراف عليك ورعايتك في ألمانيا؟

لا أعلم. لم أتحدث مع عبد الفتاح فرج نهائيا عن وضعي، ولم يتصل بي نهائيا منذ طردني في اليوم الذي توفي فيه الملك الحسن الثاني. انقطع اتصالي به تماما هو وأختي خديجة. وحتى عندما التقيتهما في ألمانيا بعد قدومه النهائي إليها، لم يسألني أبدا عن أموري الشخصية ولا الظروف التي مررت بها هناك. لم يسأل في الحقيقة عن أي شيء.

سنأتي إلى تلك الفترة.. لنكمل الحديث الآن عن علاقتك بالدكتور قنيدل.

توطدت علاقتي به، وكان يسأل عني، وكنت بدوري أتصل به كثيرا كلما احتجت شيئا، سواء خلال فترة دراستي القصيرة في برلين داخل الثانوية الفرنسية، أو عندما انتقلت إلى شمال فرنسا لاستكمال دراسة الباكلوريا.
عندما كنت في برلين، كنت أذهب إليه إلى مقر السفارة، إلى درجة أن الحارس أصبح يعرفني جيدا.

هل كان يعلم أنك ابن عبد الفتاح فرج، سكرتير الملك الحسن الثاني؟

كان يعرف اسمي، ويخبر الدكتور قنيدل الذي كان يستقبلني جيدا في الحقيقة. كانت تقع لي أمور طريفة لما تعايشت مع الوضع نسبيا. ففي سنة 2000، لم يكن لدي ما يكفي من المال لإعالة نفسي شهريا، نظرا لأن القدر المالي الذي ترسله والدتي لم يكن كافيا، واستمر هذا الوضع ثلاث سنوات بالضبط إلى أن انتقلت إلى فرنسا. المهم خلال مقامي في برلين، كنت أتصل بالدكتور قنيدل وأشتكي له من الوضع، وأخبره أن المال الذي ترسله والدتي لم يكن كافيا، فكان قنيدل يخبرني هاتفيا أن أتوجه إلى مقر السفارة المغربية، وكنت أجد بعض المال لدى الحارس الذي كانوا ينادونه هناك «الحاج».
لقد كان شخصا طيبا جدا، وكان يسلمني المال الذي يتركه قنيدل لديه، أو يقرضني ويتكلف قنيدل بتسديد المبلغ لـ«الحاج»، واستمر هذا الوضع إلى أن سكنت مع قنيدل في شقته لفترة أيضا. عندما كنت آتي إلى مقر السفارة، أضغط على الجرس وأنتظر ليأتي «الحاج»، وأخبره باسمي، الحسن فرج، فيعود إليّ بالمال، وأحيانا كثيرة كنت أرجوه ليمنحني مالا إضافيا.. (يضحك)، ويرد عليّ: «سير فحالك..». لقد كان وضعا مضحكا. لا أشك في أنه كان يعلم أنني ابن السكرتير السابق للملك الحسن الثاني، فقد كان يعرف اسمي الشخصي والعائلي، كلما أتيت إلى قنيدل طلبا للمساعدة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة