CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

حسن فرج: «رغبة عبد الفتاح كانت ألا يدفن في المغرب وأختي أرادت إحراق جثمانه!»

حسن فرج: «رغبة عبد الفتاح كانت ألا يدفن في المغرب وأختي أرادت إحراق جثمانه!»

حاوره: يونس جنوحي
نفهم من كلامك بالأمس أنك لم تعرف أشياء كثيرة عن حياة عبد الفتاح فرج وثروته إلا بعد وفاته.. هل صحيح أولا أن رغبته كانت أن يُدفن بالمغرب؟
لا بالعكس. كانت رغبته أن يدفن بألمانيا، وكان يقول دائما إنه لا يريد أبدا العودة إلى المغرب.

  • لكن البعض يقولون إنه كان يريد أن يعود؟

لا يمكن، هذا غير منطقي، فالطريقة التي غادر بها المغرب تقول عكس ذلك. لقد فاوض مع أصدقائه المقربين ليؤمن خروجه من المغرب. هذه أمور علمتها بعد وفاته بطبيعة الحال، وكلها تؤكد أنه لم يكن يفكر أبدا في خيار العودة إلى المغرب.

  • طيب لنتحدث إذن عن وفاة عبد الفتاح، ثم نمر إلى الألغاز المحيطة بثروته، أنت كنت في فرنسا عندما توفي؟

كنت بين فرنسا وألمانيا، في آخر أيامه كنت أجده إما في البيت أو في المصحة. كانت والدتي تتصل بين الفينة والأخرى وكثيرا ما قالت لي إن وضعه أصبح خطيرا وكنت أسرع للوصول إلى برلين، وأجده بين الحياة والموت. لكن المرة الأخيرة كانت والدتي تقول في الهاتف إن وضع عبد الفتاح فرج كان أخطر من أي مرة وأنه يتوجب عليّ أن آتي على وجه السرعة، وفعلا جئت، ووجدته في حالة صحية حرجة جدا. ولك أن تتصور الحالة الصحية لإنسان مريض بالسرطان، في آخر المراحل، مع ما يخلفه العلاج الكيميائي من أضرار.. كان هذا في العاشر من دجنبر 2005، وعبد الفتاح فرج توفي في الثاني عشر من الشهر نفسه.

  • من كان معه في اليومين الأخيرين؟

لا أحد باستثنائنا نحن. في اليوم الذي وصلت فيه، ووجدت والدتي بالمصحة، أدركت أن حالة والدي قد تفاقمت. بقيت اليوم مع والدتي وأختي خديجة، ولم أكن أتحدث معها بطبيعة الحال، وفي الغد ازداد وضع عبد الفتاح خطورة. كنا دائما في المصحة، وأردت أن أحضر قهوة من الشقة التي قضى بها عبد الفتاح آخر أيامه، لأن قهوة المستشفى كانت رديئة. غبت لدقائق قليلة، وعندما كنت في الشقة أعد لنفسي القهوة، انتابني إحساس غريب جدا لم أفهمه إلى اليوم، بالإضافة إلى أن غرابا حطّ فوق النافذة التي كنت أتأمل من خلالها المكان، وعندها هرعت بسرعة إلى المستشفى لأطمئن على والدتي. في اللحظة التي دخلت فيها إلى الغرفة، وفتحت الباب وجدت عبد الفتاح فرج يخرج النفس الأخير، ولم يتحرك بعد ذلك. الغريب أن والدتي كانت جالسة قربه ولم تلاحظ أنه فارق الحياة للتو إلى أن أخبرتها، لنكتشف أنه فارق الحياة فعلا.
بدأت والدتي في البكاء لفترة قصيرة ثم هدأ روعها، وبعد ذلك بقليل جاءت أختي خديجة أيضا، ووجدتنا في ذلك الوضع وأدركت أن والدنا توفي.

  • ألم تؤثر فيك وفاة عبد الفتاح فرج؟

بطبيعة الحال، بالرغم من أنه طردني ولم يكن يريد لقائي إلا أن الموت يبقى حدثا كبيرا وعبرة في الحياة. سأكذب إذا قلت إنني لم أتأثر. ثلاثتنا تأثرنا، رغم أن خديجة كانت في تلك الفترة العصيبة بإحدى الحانات، وعندما عادت إلى المصحة وجدته قد فارق الحياة بحوالي ساعة تقريبا.
عندما أخبرنا العاملين في المستشفى أن عبد الفتاح فرج فارق الحياة، أخرجوه من الغرفة التي كان يتلقى فيها العلاج، وأودعوه مستودع الأموات. لكن أختي خديجة لحقت بهم، وطلبت من الطبيب أن يسلمها فم والدي الصناعي.. وجد الطبيب الطلب غريبا للغاية، لكنه أمام إصرارها لم يملك إلا أن يلبي رغبتها.
المهم، عندما أُودع جثمان الوالد مستودع الأموات، أخبرتنا إدارة المصحة أن نغادر، ونعود في الغد لاستلام الجثمان ومباشرة إجراءات الدفن.

  • كل هذا وأنتم لوحدكم؟ ألم يحضر أحد من السفارة، وألم يتصل أصدقاء عبد الفتاح فرج من المغرب؟

لا أحد اتصل ولا أحد حضر إلى حدود تلك اللحظة. لم يكن أحد يعلم بخبر الوفاة حينها. غادرنا المصحة، أمي وأختي توجهتا إلى الشقة، وأنا كنت أنوي التوجه إلى فندق قريب لأبيت الليلة هناك. لكن والدتي أخبرتني أن هناك غرفة شاغرة بالشقة ويمكنني قضاء الليلة معهما، وبالتالي لم أتوجه إلى الفندق.

  • كانت تلك إذن أول ليلة منذ سنة 1999، تبيت فيها مع أسرتك في المنزل ذاته؟

نعم. الغرفة التي كان فيها عبد الفتاح فرج بقيت شاغرة، وقالت لي والدتي إن بإمكاني قضاء الليلة معهما. تبين لي أن والدتي لم تكن تمانع في أن أعود إلى الأسرة، لكن رغبة والدي رحمه الله، هي التي كانت تحول دون تحقق الأمر.
بعد انقضاء تلك الليلة أخبرونا في المستشفى أنه يتعين علينا الانتقال إلى مقبرة المدينة لتسلم الجثمان والتقرير في إجراءات الدفن. بمجرد ما تم إخبار السفارة بالأمر، جاءنا أول اتصال من المغرب لتعزية أمي غيثة في وفاة والدي.

  • من كان أول متصل؟

أول من اتصل هو الملك محمد السادس. وكانت مكالمته مثلجة لصدر والدتي وعنت لها الكثير، في موقف صعب، وأكد لها أن بابه مفتوح أمامها متى أرادت العودة إلى المغرب. بعد ذلك جاءها اتصال من السيد بوهلال، الذي كان وقتها سفيرا للمغرب في برلين. هذا الرجل كان حاضرا في الجنازة. وآخرون لم أعد أذكرهم.. أصدقاء للوالدة ومقربون سابقون.. لا تحضرني أسماؤهم.
بعد التعزية الملكية، بدأنا نناقش أمور وإجراءات الدفن. وتوجهنا إلى المقبرة لتسلم الجثمان. وهناك برز الخلاف، أمي كانت قد تجاوزتها الأحداث لأنها كانت متأثرة بوفاة زوجها. وبالتالي لم تعلق برأي بخصوص إجراءات الدفن. فيما أختي خديجة كانت تريد أن تحرق جثمان عبد الفتاح فرج، واعترضت أنا بشدة وقلت إن الرجل مسلم ويجب أن يدفن وفق تعاليم الشريعة الإسلامية وليس أن يحرق وكأنه ينتمي إلى دين آخر.
عندما احتدم النقاش بيني وخديجة حول مصير جثمان عبد الفتاح، توجهت خديجة بالكلام إلى أمي وكأنها تريد أن تجعلها حكما يفصل بيننا.. يعني إما أن يُحرق جثمان عبد الفتاح فرج، أو يُدفن كباقي المسلمين. وهنا تدخلت أمي وخرجت من صمتها، وقالت إن رأيي هو الصواب، وعبد الفتاح كان مسلما ويجب أن يدفن وفق مراسيم الدين الإسلامي وليس بطريقة أخرى.

  • هل صحيح أن عبد الفتاح فرج كان حاصلا على الجنسية الألمانية؟

هذا أمر غير صحيح إطلاقا. فعبد الفتاح فرج كان مغربيا ولم يكن يحمل جنسية أخرى. بالإضافة إلى أنه لم يكن يتحدث الألمانية.

  • لنعد إلى الدفن. ألم تكن هناك مقبرة للمسلمين في «أولم»؟

عبد الفتاح فرج دُفن في مقبرة رسمية في ألمانيا، وهي مقبرة للمسيحيين، وليس في مقبرة خاصة بالمسلمين مثلا. لكن إجراءات الدفن تمت وفق تعاليم الدين الإسلامي.

  • كيف؟ اشرح لنا هذا الأمر؟

ما حدث أنني تمسكت بضرورة تغسيل جثمانه، توجهت إلى الحاسوب وبحثت عبر الأنترنيت ووجدت عنوان أقرب إمام واتصلت به ليساعدنا في إعداد الجثمان للدفن وفق تعاليم الدين الإسلامي. هذا الإمام كان تركي الجنسية ووافق على الفور وساعدنا على تنفيذ مراسيم الغسل وما إلى ذلك من الإجراءات التي تسبق عملية الدفن.

  • هناك نقطة مهمة: قلت إن عبد الفتاح دفن في مقبرة لغير المسلمين، هل وافق الإمام على ذلك بسهولة؟

هذا ما كنت أريد أن أشرحه أيضا. عندما بدأت البحث عن إمام، كنت أستحضر هذه الجزئية أثناء البحث، وعندما اتصلت به، سألته إن كان سيوافق أولا على إجراء مراسيم الدفن في مقبرة للمسيحيين، وهكذا وقع اختياري على الفقيه التركي لأنه وافق.

  • هل أوصى عبد الفتاح فرج بأن يُدفن في مقبرة للمسلمين؟

كلا، لم يوصِ بهذا الأمر. لكن من خلال كلامه في أيامه الأخيرة، بدا وكأنه أوصى بأن يدفن في ألمانيا، ولم يؤكد مثلا أنه يريد أن يدفن في مقبرة للمسلمين ولم يشر إلى الأمر ولو كرغبة أخيرة. ما فهمته وقتها من مواقف أختي ومن صمت والدتي أن عبد الفتاح فرج لم يكن مكترثا بأمر الدفن في مقبرة للمسلمين أو غيرها، ولهذا ربما كان الدفن في المقبرة الأقرب، بما أن مقابر المسلمين لم تكن متوفرة في أي مكان، كما أن عبد الفتاح لم يكن يريد أبدا أن يعود إلى المغرب، لا حيا ولا ميتا.

  • هل كان يقول هذا الأمر؟

هذه أمور رأيتها بعيني عندما كنت أزوره في أيامه الأخيرة. لم يكن يتحدث كثيرا، لكن مواقفه وتصرفاته توضح أنه كان يريد أن يقطع مع المغرب نهائيا وألا يعود إليه. رغبته كانت ألا يعود أبدا. وبالتالي فإن كلامه يمكن أن يُعتبر وصية. لو أوصى مثلا بأن يدفن في أرض أجداده، لقامت والدتي بالواجب ولأخبرتنا بالأمر.

  • طيب أثناء الإعداد للدفن، هل ساعدك أحد؟ هل جاء أحد أصدقاء العائلة مثلا لتقديم العون في هذه المواقف؟

قمت بالإجراءات لوحدي بعد أن عثرت على الإمام. وبعدها اتصلت بأحد أصدقائي، رشيد الحرشي، وهو ابن الجنرال الحرشي. جمعتني به صداقة قوية ومتينة منذ الطفولة، وفكرت فيه فور وفاة والدي حتى يكون بجانبي، والدكتور قنيدل بطبيعة الحال. هذان هما الوحيدان اللذان جاءا لمساعدتي بعد أن اتصلت بهما وأخبرتهما بوفاة الوالد.
رشيد الحرشي صديق منذ الطفولة، وكان يدرس في فرنسا هو الآخر، واتصلت به ليلحق بي، والدكتور قنيدل اتصلت به بحكم علاقتي به منذ أن عرفتني عليه والدتي غيثة.

  • كم كان عدد الحاضرين في الجنازة؟

العدد كان قليلا جدا. كنا أربعة رجال فقط في المكان المخصص لوضع الأموات، أنا وقنيدل وصديقي الحرشي، والإمام بطبيعة الحال.
عندما مررنا إلى إجراءات الدفن، كانت والدتي غيثة وأختي خديجة تنتظران في الجهة الأخرى بعد أن انتهت والدتي من ملء الأوراق الرسمية وإعداد الورود.. في المقبرة لإتمام الدفن. بالإضافة إلى السيد بوهلال، سفير المغرب في برلين، ثم البنكي الذي كان مكلفا بأموال عبد الفتاح فرج وبأموال والدتي غيثة أيضا.

  • هل كان مغربيا؟

لا لا. البنكي كان ألمانيّا، وحضر لتشييع جثمان الوالد بحكم أنه كان على اتصال وثيق به.

  • ألم تحضر عائلة والدتك؟

حضرت خالتها فقط، عائلة والدتي كانت صغيرة جدا، بعد وفاة والدها ووالدتها وانتحار أخيها في وقت سابق، لم يتبق لها أحد باستثناء خالتها وابنتها فقط.

  • ماذا حدث بعد اجتماع الحاضرين؟

عندما وضع الصندوق، أخبرتنا إدارة المقبرة أن أمامنا مهلة زمنية لا تتجاوز 15 دقيقة للانتهاء، لأن هناك مراسيم دفن أخرى قادمة. وهذا ما تم فعلا، لم يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة