حسن فرج: « عبد الفتاح كان يشرب ويقول إن لديه أوراقا ستشعل حربا عالمية ثالثة »

حسن فرج: « عبد الفتاح كان يشرب ويقول إن لديه أوراقا ستشعل حربا عالمية ثالثة »

حاوره: يونس جنوحي
الآن مضت عشر سنوات بالضبط على وفاة عبد الفتاح فرج، ولا زلتم إلى اليوم تتخبطون وسط مشاكل الإرث التي عشنا معك أطوارها خلال هذا الحوار. أريد أن أسألك.. ماذا يعني لك اسم «عبد الفتاح فرج»..؟ كيف يمكن أن تلخصه لنا؟
في الحقيقة، وحتى عندما كان عبد الفتاح على قيد الحياة، لم يكن اسمه يُذكر دون أن تعود بي الذاكرة إلى الوراء وأستحضر منظرا له منذ صغري، كان عمري وقتها حوالي 12 سنة تقريبا، يلخص لي كل شيء.
في إحدى المرات كنا جالسين إلى طاولة العشاء في فيلا حي السفراء. أنا وأمي غيثة وخديجة بالإضافة إلى جدتي، أم غيثة الألمانية التي كانت تزور ابنتها بين الفينة والأخرى قيد حياتها. كنا جالسين إلى طاولة العشاء ننتظر نزوله من الطابق العلوي، لكنه تأخر قليلا لأنه كان منهمكا في الشُّرب.. وبينما نحن ننتظر، سمعنا صوتا مدويا، قبل أن نلمح جسده يتدحرج نحو الأسفل..
في تلك الفيلا كانت هناك جدران زجاجية تحيط بالسلالم من أعلى إلى أسفل، ولمحناه يتدحرج عبرها إلى أن سقط على الأرض، ونهض يترنح وآثار دمائه تملأ المكان، وثيابه أيضا تلوثت بالدماء، ورغم ذلك نهض وبدأ يمشي ويعربد ويصرخ أمامنا، وكان يصيح ويقول بالفرنسية ما معناه: «أنا لدي وثائق إذا أخرجتها ستقوم حرب عالمية ثالثة».
رغم حداثة سني وقتها، إلا أنني أتذكر ذلك الموقف جيدا، وكانت زوجته غيثة فرج في قمة غضبها، لأن أمها كانت حاضرة ولم ترد أن ترى ذلك المنظر، لأن عبد الفتاح اعتاد على الظهور صامتا ولا يتكلم إلا نادرا. وبينما كان يصيح بتلك الجملة نهرته غيثة وصاحت فيه: «توقف عن اختلاق مثل هذه القصص». ثم أمرتنا أنا وخديجة أن نصعد إلى غرفتينا، وألغي العشاء.
هذا كل ما يحضرني عندما أسمع اسم عبد الفتاح فرج. منظره وهو يتخبط في دمائه بسبب السقطة المدوية فوق السلالم، ثم تدحرجه نحو الأسفل وارتطامه بدرج المطبخ، ونهوضه مترنحا وصراخه.

ما الذي كان يقصده عبد الفتاح بقوله إنه يتوفر على وثائق من شأنها أن تقيم حربا عالمية ثالثة؟
لقد منعته والدتي من التلفظ بالمزيد، خصوصا أنه كان مخمورا جدا.. وأمرتنا أن نغادر نحو غرفتينا. الأكيد أن كلامه يحمل دلالات، لم أفهمها إلا بعد وفاته، فقد تبين حقا أنه يتوفر على وثائق مهمة.

هل يمكن القول إن عبد الفتاح خان ثقة الملك الحسن الثاني؟
لا أدري تحديدا في أي فترة حصل على تلك الأوراق. ربما يكون الملك الراحل قد كلفه بالاعتناء بها.. الأمر يدخل في أسرار الدولة، لكنه أخذها إلى الخارج، وقد أخبرتك سابقا أن الأكيد أنه كان يخطط للمفاوضة بها بعد رحيله النهائي إلى ألمانيا ورفضه إعادة الأموال التي نقلها إلى الخارج.
ما بعد سنة 1998، عندما انفجرت قضية المنظري، والحديث حول السرقات التي قام بها واستغلاله لاسم القصر الملكي في نسج علاقاته الخاصة خارج المغرب، كان الملك الحسن الثاني قد كلف عبد الفتاح فرج، بصفته مديرا للكتابة الخاصة، بأن يعيد ترتيب مكتب الملك، وكلفه أيضا بنقل بعض الأموال وتأمينها، لأن المنظري كان قد سرق الكثير منها.. هذا كل ما أعرفه. كان هذا قبل أن تخرج قصته إلى الإعلام.
عندما كلف الملك الراحل عبد الفتاح فرج بترتيب الأمور، لا بد أنه ضرب ضربته. ليست هناك تواريخ واضحة للفترة التي نقل فيها تلك الوثائق الحساسة إلى الخارج.

ربما يكون قد أخذها معه عندما غادر نهائيا.
لا أظن. ربما يكون قد استغل سفريات سابقة، لقد كان دائم السفر مع الملك. الأكيد أنه أخرج أوراقا حساسة إلى الخارج. لا أستطيع تأكيد إن كان الملك قد كلفه بالاحتفاظ بها في المكتب أم أنه اختلسها..
عندما غادر هو المغرب نهائيا، لم أكن هناك لأقدم شهادة ما حول المرحلة. لكني علمت أنه غادر بالحيلة فقط، لأنه كان يعلم أن أي تفقد بسيط للكتابة الخاصة الجديدة للملك محمد السادس، سيكشف أن عبد الفتاح فرج كان يفعل ما يحلو له في الكتابة الخاصة للملك الحسن الثاني، وبالتالي كان عليه أن يغادر في أقرب فرصة. أخبرهم أنه يجب أن يغادر المغرب لزيارة الطبيب.. ولم يعد أبدا. وعندما ذهبوا هم إليه رفض أن يسلمهم أي شيء، والوثائق الحساسة التي كان ينوي أن يفاوض بها، أغلق عليها بإحكام في بنك سويسرا.
هناك سؤال مهم.. لماذا جعل عبد الفتاح الخزانة الحديدية التي تضم الوثائق التي أخذها من مكتب الملك الحسن الثاني، تؤول إلى ابنته خديجة فقط؟
+لا أعلم. مكنها من حسابات بنكية كثيرة الله وحده يعلم كم تضم من المال، بالعملة الصعبة. لكني لا أفهم صراحة لماذا خصها بالصندوق الحديدي. قد تكون محتوياته ثمينة للغاية، بالإضافة إلى تلك الوثائق.. أي أن ذلك الصندوق لا يضم الوثائق وحدها. أراد لخديجة ربما أن تستفيد من أشياء أخرى، ولم يجد بدا من تأمين تلك الوثائق في ذلك الصندوق الحديدي.

إذا حدث يوما وفُتح ذلك الصندوق.. ولم تجدوا بدخله تلك الوثائق الحساسة.. كيف سيكون إحساسك؟
أولا لا أعتقد أبدا أن ذلك الصندوق سيُفتح وأنا أعارض بشدة أي إجراء يرمي إلى فتحه. يجب على العائلة كلها أن تفهم أن ذلك الصندوق لا يعني العائلة في شيء.
عندما علمت للمرة الأولى بأمر ذلك الصندوق الحديدي، وبقصة رفض عبد الفتاح إعادة ما أخذه معه، عادت بي الذاكرة إلى الوراء، مباشرة إلى مشهد العشاء في فيلا حي السفراء، ومنظره وهو يتدحرج أرضا ثم ينهض مضرجا بدمائه، رافعا يده إلى أعلى مرددا الجملة التي قال فيها إنه يملك أوراقا ووثائق من شأنها أن تقيم حربا عالمية ثالثة.

في هذه النقطة أيضا.. في بداية هذا الحوار صورت لنا عبد الفتاح على أنه شخصية قوية وأنه كان يفرض سلطة كبيرة على غيثة. هل كانا يدخلان في مشادات كلامية بسبب هذه الأمور؟
كان عبد الفتاح فرج صامتا أغلب الوقت، لكنه كان في الحقيقة يدخل في مشادات مع والدتي، في مناسبات قليلة.. وتلك كانت إحداها. ووالدتي لم تكن خاضعة، بل كانت فقط تحاول أن تجعل الحياة ممكنة. كانت لها شخصيتها القوية والصارمة أيضا. لم تكن مثل سيدات المجتمع اللواتي كن ينتمين إلى نفس محيطها الاجتماعي، بل كانت سيدة مختلفة.
ما أستغرب له الآن هو الغموض الذي لف موتها، والحالة غير المفهومة التي عرفتها قضية موتها.

ماذا تقصد؟
كنت أنتظر مثلا أن تفتح ألمانيا تحقيقا في الموضوع، وأن تقيم الدنيا من أجل مواطنة ألمانية لم تكن عادية، بل كانت موظفة سابقة في الخارجية وزوجة رئيس الكتابة الخاصة للملك الحسن الثاني، وعاشت خارج بلادها عقودا دون أن تقطع صلتها مع عائلتها وأرضها الأم، ورغم ذلك فإن الألمان لم يتحركوا للتحقيق في حادث موتها، رغم أنني كنت سباقا إلى اللجوء إلى الشرطة الألمانية للتحقيق في اختفائها.. على الأقل كان عليهم أن يفتحوا تحقيقا جديا في الموضوع.
باستثناء سويسرا التي أخذت الأمور على محمل الجد، ما دام جزء كبير من معاناة غيثة فرج قد تم فوق التراب السويسري، فإنه لا أحد تحرك للبحث عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وفاة زوجة عبد الفتاح فرج.
عزائي الوحيد كان هو استدعاء وكيلة الملك في سويسرا لي، لأني كنت أحتاج إلى من يسمع روايتي، وأريد أن أشير هنا إلى أنها أخذتها على محمل الجد.

طيب إذا طلبنا منك أن تصف لنا وضعية العائلة الآن.. في هذه الأيام بالضبط.. ماذا يمكنك أن تقول؟
الآن أعيش على إيقاع من الترقب، وقد توصلت هذا الأسبوع بشكايتين وضعتا ضدي في سويسرا: الأولى من طرف خديجة والأخرى من صهرها، وأخبرتك بتفاصيلها (بالأمس).. خديجة تقول إنني نصبت عليها أنا وزوجها الذي يرفض الآن تطليقها، بالتشارك مع طليقتي. والثانية من صهرها يقول إنني أتهمه بقتل والدتي. وآمل في الحقيقة أن يشهد الملف انفراجا حقيقيا لأن الكشف عن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى وفاة غيثة فرج، من شأنه أن يعيد الأمور إلى نصابها.

هل تعتقد أن عبد الفتاح فرج يتحمل مسؤولية ما في كل ما وقع؟
بل متأكد.. عبد الفتاح فرج يتحمل مسؤولية كل المآسي التي وقعت منذ 1999، وبسبب طريقته في تدبير الثروة التي راكمها، والوصية التي تركها، وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه. لو أنه لم يختلس أموال الدولة ولم يهرب أي شيء إلى الخارج لكنا اليوم نعيش حياة طبيعية جدا في المغرب، ولكان هو نفسه قد استفاد من تقاعد مريح، ولحظي باحترام الناس. لكن ما قام به جعله يُنسى من طرف الذين اشتغل معهم لسنوات طويلة.. حتى أن خبر موته لم يصل للكثيرين إلا متأخرا، ولا أحد منهم كان يعلم تفاصيل موته وجنازته، ولم يعلموا عنها أي شيء إلا عندما تحدثت أنا عنها، لأني عشت تفاصيلها هناك في ألمانيا.
لو بقي عبد الفتاح فرج، لمات على الأقل على طريقة رجال الدولة الكبار.
لا أحد ينكر أن والدنا كان مصدر ثقة كبيرة ومطلقة من طرف الملك الحسن الثاني، لكنه للأسف استغلها لمراكمة ثروته الشخصية، والأخطر أنه تركها ملغمة وكأنه ينتقم من الجميع بعد موته، بمن في ذلك أسرته الصغيرة.

تقول إنك عشت معه طفولة صعبة.. هل تحس اليوم تجاه عبد الفتاح فرج بشيء من مشاعر الأبوة..؟
إطلاقا. لم أحس يوما أنني ابنه، وهذا ما كان يريده هو شخصيا قيد حياته. وحرماننا من الإرث كان بهدف تعميق تلك الكراهية لدينا حتى بعد موته. لقد رحل عن الحياة وترك مشاكل كثيرة للمحيطين به، وأولى ضحاياه هي زوجته غيثة فرج، لم تكن تستحق ما وقع لها. من أجل المال فقط، احترقت مرتين، ولفظت أنفاسها في الحريق الثاني متأثرة بحروق من الدرجة الثالثة.. أُريد لاحتراقها أن يُصور على أنه حادث تماس كهربائي في غرفة، لكن السجل الطبي يقول عكس ذلك، وهو معروض اليوم على وكيلة الملك في سويسرا..
لا يمكنك أن تكن مشاعر أبوة لمن تسبب في كل هذه المآسي. وأملي كله اليوم معلق على اكتشاف تلك الحقيقة لأنها ستنصفني أيضا. حتى أرتاح من تبعات هذه اللعنة، وأعيش حياة طبيعية لم أنعم بها منذ دخلتُ أسرة عبد الفتاح فرج.

كيف ستنصفك؟
لأن الذين حركوا خيوط مقتل والدتي هم أنفسهم الذين حاولوا تلفيق جريمة قتل لي في بنسليمان، مستغلين سيارة متخلى عنها، ثم في فرنسا عندما زوروا رخصة سياقة تحمل صورتي واسمي، وقدموا صورة لها لوكيلة الملك بسويسرا لكنها اكتشفت أني لا أتوفر إلا على رخصة سياقة وحيدة حصلت عليها في المغرب، وأنني لم أجتز أي امتحان سياقة بالخارج. ثم التنازل المزور الذي وُقع باسمي في باريس. كل هذه الحوادث كانت تهدف إلى إبعادي عن الإرث عبر تصفيتي أو فبركة تنازل موقع على جميع الممتلكات. إذا ظهرت حقيقة موت غيثة فرج، ستظهر الحقائق كلها.. هذا كل ما أريده.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *