MGPAP_Top

حسن فرج: «لم أكن أعلم أي شيء عن مشاكل عبد الفتاح فرج بعد وفاة الحسن الثاني لكني كنت أقول «غادي يجيبها فراسو»

حسن فرج: «لم أكن أعلم أي شيء عن مشاكل عبد الفتاح فرج بعد وفاة الحسن الثاني لكني كنت أقول «غادي يجيبها فراسو»

حاوره: يونس جنوحي

  • توقفنا بالأمس عند وضعيتك المالية المزرية.. ألم تقل إنك حصلت من والدتك على قدر من المال لتبدأ به حياتك الجديدة؟

لم يكن ذلك المال كافيا لأحد لكي يبدأ به حياة في ألمانيا، وأين.. في برلين! لمراهق في سن السادسة أو السابعة عشرة، بدون رقابة أو إشراف أبوين. صحيح أن الدكتور قنيدل كان يساعدني، لكن في السنوات الثلاث الأولى كانت علاقتي به سطحية نوعا ما، كنت ألجأ إليه كلما احتجت مالا، أو في أمر يتعلق بإجراء إداري خصوصا عند التحاقي بصفوف الدراسة في برلين. ولك أن تتصور المشاكل التي سيعيشها شاب في سن المراهقة، يعاني من أزمة نفسية حادة جراء تخلي الأسرة عنه بتلك الطريقة الشنيعة.

  • هل كنت حينها تعلم أن أمك غيثة كانت على اتصال بالدكتور قنيدل لمعرفة أحوالك؟

لم أعرف الأمر في حينه، لكني عرفته بعد ذلك بقليل. كانت تحاول الاطمئنان عليّ من بعيد، وتتأكد أن د. قنيدل سيكون موجودا بجانبي كلما احتجته. أشير هنا أيضا إلى أنها كانت ترسل لي المال، عن طريقه، بانتظام، لكنه كان قدرا غير كاف.

  •  هل يمكن أن نقول إن الحاجة غيثة، أو «بريجيت» زوجة عبد الفتاح فرج، كانت تعاني ضائقة مالية خلال حياته؟

هي لم تكن مأخوذة بمظاهر الحياة. كانت إنسانة بسيطة، عكس أختي خديجة وعبد الفتاح. خديجة كانت تظن في فترة من الفترات أنها أميرة وصدقت الأمر.. وعبد الفتاح كان سخيا معها من الناحية المادية، بشكل غير عادي. والدتي لم تكن مبذرة، ولا بد أن المال الذي كانت تبعثه كان من مصروفها الخاص، وهو ما استطاعت أن توفره. لقد كانت لديها عاطفة خاصة تجاهي، رغم كل ما وقع، ولا يمكن أن أنكر هذا الأمر، ولا بد أن سؤالها عني، والمال الذي بعثته للدكتور قنيدل لأعيل به نفسي، كلها أمور حدثت بدون علم عبد الفتاح فرج، لأن طردي من حياته كان قرارا نهائيا لا رجعة فيه بالنسبة له.

  • لماذا لم تفكر في العودة إلى المغرب؟

ماذا سأفعل فيه؟ لقد كنت ممنوعا من العودة! الظروف اللاحقة سنة 2007 هي التي جعلتني أتمسك بخيار العودة من جديد.

  • طيب. اقتنعت بأن تعيش حياتك وحيدا في ألمانيا. ألم تفكر في زيارة أقارب والدتك في «أولم» مثلا..؟

عشت ثلاث سنوات كلها في برلين دون أن ترى فردا من العائلة..
لا لا.. سأخبرك. قلت لك قبل قليل إن عاطفة والدتي كانت حاضرة رغم كل شيء. عندما كنت على ذلك الوضع، أي وحيدا في المكان الذي اكتريته في برلين لمتابعة الدراسة، والتردد على قنيدل في السفارة كلما كانت لدي ضائقة مالية، فوجئت مرة باتصال من والدتي.. بعد سنة ونصف جاءني اتصال. كانت آخر مرة اتصلت بي، عندما كنتُ في «أولم» ونصحتني بجمع أغراضي للتوجه إلى برلين ولقاء قنيدل في سفارة المغرب هناك. ومن يومها لم تتصل إلا بعد سنة ونصف بالضبط.
لم أتوقع أبدا أن يعاودوا الاتصال بي. قلت في نفسي، ربما يكون قلبها رق لحالي، أو يكون عبد الفتاح تراجع عن صلابته. عندما تحدثت إليها عبر الهاتف أخبرتني أنها ستأتي إلى برلين وأنها تود أن تراني.. هكذا بدون مقدمات.

  •  ماذا كان رد فعلك؟

أخبرتها أنني لا أريد أن أراها. قلت لها أين كنت طوال هذه المدة؟ «يالله غادي تشوفوني؟».. انفعلت في الحقيقة، لكنها تمسكت وقالت لي يجب أن أراك، ورغم ذلك لم أقبل. «راسي قاصح»، وقلت لها «بلا ما تجي».. لكنها جاءت اعتقادا منها أنني سأغير رأيي عندما أعرف أنها في برلين، لكنني بقيت متمسكا برأيي.. لقد تضررت كثيرا من الناحية العاطفية، ومن زاوية رؤيتي للأمور، لم أقبل أن أقابلها من جديد، وهكذا، نزلت في فندق لثلاثة أيام، أجرت خلالها مكالمات هاتفية مع قنيدل لكي يقنعني بمقابلتها لكني بقيت متمسكا بموقفي، وانصرفت في الأخير.

  • ماذا كان موقف قنيدل؟ هل كان محايدا، أم حاول تهدئتك وإقناعك بمقابلة أمك؟

بالعكس، عندما كانت تتصل به من الفندق، وتطلب منه أن يتحدث معي، كان يرد عليها بأن الأمر طبيعي وأن ما قمتُ به مفهوم. قال لها: «كيف تريدين أن يقابلك وقد طردتموه من عائلتكم نهائيا؟». وهكذا لم تجد بدا من المغادرة. وبقيت وحيدا في برلين حوالي سنة ونصف أخرى أو سنتين.. عشت خلالها الوضع نفسه، لا يسأل عني أحد ولا أسأل عن أحد، باستثناء الدكتور قنيدل بطبيعة الحال. تعبت في الحقيقة من الحياة في برلين، لم أقو على مقاومة البرد الشديد هناك، وأحسست أن وقت مغادرتي لتلك المدينة قد جاء. فكرت في مواصلة دراستي في ثانوية بمنطقة جميلة تقع جنوب فرنسا، اسمها
«Aix en Provence».
بطبيعة الحال تحدثت مع د. قنيدل في الموضوع، لأنه الشخص الوحيد الذي كنت أثق به، وشجعني على الخطوة، رغم أنني سأبتعد عنه. لم يكن سهلا على مراهق مثلي أن يتدبر حياته، مستقلا، في مدينة أخرى لا يعرف فيها أحدا، وأتسجل في مؤسسة أخرى بهدف الدراسة، وأنت تعلم أن الأمر ليس سهلا أبدا، هناك مصاريف لا حصر لها، ومن الضروري أن أجد مسكنا لأبدأ من جديد.. وأنا كما تعلم كنت دون السن القانوني للقيام بهذه الأمور بمفردي. لا يمكن أن أذهب إلى مدير المؤسسة هناك وأخبره أنني أود متابعة دراستي عنده دون أن أصطحب معي ولي أمر..
وهكذا لم أجد أمامي أحدا غير الدكتور قنيدل. وصلت إلى Aix en Provence، وتوجهت بمفردي رأسا إلى المؤسسة كان اسمها «باك 2000» التي سأحصل فيها لاحقا على شهادة الباكلوريا، وتدبر لي قنيدل أمر السكن في حي شعبي بالمدينة نفسها دائما. كان حيا فقيرا، يسكنه مروجو المخدرات، ورأيت فيه أمورا غريبة (يضحك) حيث كان الجيران يراقبون نوافذ بعضهم، والشبان مجتمعين في الزوايا لتدخين «الحشيش».. كان عالما آخر بكل المقاييس.

  • هل كان قنيدل يقوم بهذه الأمور من ماله الخاص؟

كانت والدتي ترسل له المال بانتظام، وأحيانا كان يساعدني.. لكني متأكد أنه كان يتدبر الأمور حتى لا أكون عالة عليه. لقد علمت أن لديه مشاكل مالية، عندما رأيت أوراق بنكية له في شقته في برلين. كان عاجزا في وقت من الأوقات عن أداء القروض. بحكم مهنته واشتغاله في السفارة لأربعين عاما متواصلة، لم ينجح في شراء شقته الخاصة، وكان يؤدي قسطها من مرتبه، وكان الأمر صعبا بالنسبة له خصوصا أن البنك يمنح قروضا كبيرة تشجيعا لزبنائه على الاقتراض. المهم هذه أمور علمتها في ما بعد عن وضعيته المادية. وحتى المساعدة التي كانت والدتي تقدمها، كانت ضئيلة مقارنة مع الاحتياجات وغلاء المعيشة في أوربا، وأفسر ذلك بأنها كانت ترسلها لي، عن طريق قنيدل، بدون علم عبد الفتاح فرج.
أما بالنسبة للحياة في الحي الجديد، فقد كان الأمر عاديا بالنسبة لي، ولم أحتج فترة طويلة للتأقلم، لأني أمضيت طفولة صعبة في كنف عبد الفتاح فرج، ولم أجد صعوبة في التعايش مع المسكن الجديد الذي كان ضيقا جدا، بحكم أنني عشتُ سنوات في غرفة هامشية في فيلا عبد الفتاح. ولم أرتعب من مجاورة المجرمين ومدمني المخدرات.. تأقلمت مع الأجواء بسرعة وحاولت التركيز على دراستي.
كانت والدتي في الحقيقة تتصل بالدكتور قنيدل للاطمئنان عليّ، وتابعت معه أمور انتقالي إلى جنوب فرنسا، بعدما لم أعد أطيق الحياة في برلين، وبعد فترة قصيرة جدا في فرنسا، طلبت أن تقابلني من جديد، وقبلتُ هذه المرة.

  • احك لنا عن أول لقاء بينكما، بعد أزيد من ثلاث أو أربع سنوات من القطيعة.. بماذا أحسست؟

كان الجو مكهربا. شخصيتها قوية، وقد ساعدتها على المجيء إلى الحي الشعبي والفقير الذي كنت أقطنه. الزيارة كانت أساسا بهدف الاطمئنان عليّ وعلى ظروف دراستي الجديدة، كما أنها ساعدتني لإتمام إجراءات التسجيل في الثانوية لأنها كانت خاصة، ولم تكن عمومية. ففي المرة الأولى التي توجهت فيها إلى الثانوية وقابلت المدير وأخبرته برغبتي في التسجيل لديهم، ساورته شكوك كثيرة تجاهي، لكن مجيء والدتي ولقاءه بها بددا شكوكه نحوي، وأتممنا الإجراءات بشكل عادي.
أمي جاءت بعد فترة قصيرة من انتقالي. رتبت المسكن جيدا حتى يليق باستقبالها، وأعددت لها «طاجين على قد الحال»، وحاولت أن أكون لطيفا معها، استقبلتها كما يستقبل أي شاب أمه. لكنها عندما رأت المنزل والحي الذي أسكنه، قالت لي إنها ستلجأ إلى فندق في المدينة نفسها، ولم ترد أن تمكث معي في المنزل.

  • قبل ذلك، كيف استقبلتها..؟ وماذا قالت لك؟.. لقد كنت غاضبا ولم تقبل أن تراها قبل سنة ونصف أو سنتين من ذلك التاريخ..

استقبلتها بشكل عادي. لم أرد أن أسألها لا عن خديجة أختي ولا عن والدي عبد الفتاح فرج.

  • لماذا لم تسأل عنه؟

كنت أكرهه وآمنت لفترة أنه سبب البؤس الذي عشته. لكن الأمر تغير مع الوقت وسأحكي لك لاحقا كيف عشت معه أيامه الأخيرة في ألمانيا.

  • هل كنت تعلم بأمر المشاكل التي تورط فيها في المغرب قبل أن يغادر؟ ألم تسأل أبدا عن وضعه بعد مغادرته لمنصبه بعد أن لازم الملك الحسن الثاني لأزيد من ثلاثين سنة؟

لا لم أسأل والدتي نهائيا عنه. في الحقيقة كنت أعلم أنه سيتورط في الأخير، وكنت أقول في نفسي دائما: «غادي يجيبها فراسو». كيف سيتعامل مع الناس وقد تخلى عن ولد يفترض فيه أن يرعاه لأنه تبناه؟ كنت أتوقع أن يكون مآل الأمور بالطريقة التي انتهت بها على كل حال.

  • هل لاحظت تغيرا على والدتك؟ لم ترها منذ صيف 1999، إلى أن جاءت لتسجيلك في الموسم الدراسي 2003.

كانت على حالها، لم تتغير ولم تمكث طويلا. اللقاء الأول كان قصيرا، دخلت إلى المكان الذي كنت أسكنه، نظرت بعينيها في الأرجاء، وجلست على كرسي، وبقيت تنظر، لم تتكلم كثيرا، وكما العادة كانت تخفي عاطفتها تماما، ثم طلبت أن تذهب إلى الفندق حيث استقرت إلى أن أنهينا إجراءات التسجيل وانصرفت.
حدث معي أمر غريب، حتى مدير الثانوية التي درست بها لاحظ أن أمي غيثة امرأة غير عادية أبدا. عندما أمضيت أسابيع في الدراسة، وصرت مقربا من الجميع، قال لي المدير مرة: «لا تثق بأمك.. لم أرتح لها أبدا»، علما أنني لم أحك له أبدا أي شيء عن قصتي. اللقاء القصير داخل مكتبه يومها مع والدتي، جعله يحس أن هناك أمورا غير عادية، ويكون عنها ذلك الانطباع. بقيت الجملة ترن في أذني..

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة