حقائق مرعبة حول تعويضات ضحايا 11 شتنبر

حقائق مرعبة حول تعويضات ضحايا 11 شتنبر

إصدار الكونغرس الأمريكي ما يسمى “بقانون العدالة ضد الإرهاب”، الذي يجيز لعائلات ضحايا هجمات الحادي عشر من شتنبر بمقاضاة دول مثل السعودية، ومطالبتها بتعويضات مالية ضخمة، يؤكد أمرا مهما يجب التوقف عنده باهتمام، وهو أن المملكة العربية السعودية، وربما العرب جميعا، لم يعودوا حلفاء استراتيجيين للولايات المتحدة الأمريكية. الرئيس الأمريكي باراك أوباما أشار مبكرا إلى هذا التحول في سياسة بلاده تجاه المملكة في حديثه المطول إلى مجلة “أتلانتيك”، عندما قال ما معناه أن على المسؤولين السعوديين أن يدركوا أن مرحلة الركوب المجاني على ظهر الولايات المتحدة، وخوض الحروب نيابة عنهم قد انتهى، وأن الأخطار الداخلية التي تواجهها المملكة هي الأكثر تهديدا لها، وليس الخطر الإيراني الخارجي.
القيادة السعودية بدأت تشعر بخطر هذا التحرك من قبل الكونغرس وجديته، ولم تعد تراهن على وعد الرئيس أوباما باستخدام “الفيتو” لإجهاض هذا القانون، لأن من الواضح، ومن خلال حدة الهجمة عليها، أن احتمال إقرار القانون في الكونغرس لاحقا، بضمان تصويت ثلثي الأعضاء في مجلس النواب والشيوخ كبيرا جدا، ولهذا بدأت تتحرك على صعيدين في الوقت الراهن:
الأول: تحشد أكبر قدر ممكن من الدول العربية والاسلامية لإظهار معارضتها له، والتركيز على نقطة مهمة وهي أن إقرار الكونغرس له وتصديقه عليه، سيؤدي إلى حالة من الفوضى، وتشكل انتهاكا لحصانة الدول، وينعكس سلبيا على جهود مكافحة الإرهاب.
الثاني: تشكيل لوبيات في الولايات المتحدة من كبار المسؤولين السابقين مثل دينيس روس، مساعد وزير الخارجية الأسبق، لدعم موقفها، وتحسين صورتها، ونفي تهمة الإرهاب عنها، ولوحظ أن المستر روس نشر مقالا يوم 8 شتنبر الحالي في صحيفة “الواشنطن بوست” تحدث فيه عن انطباعاته عن زيارته قبل أيام إلى الرياض ضمن وفد كبير، أكد فيه أن القيادة السعودية تقوم بعملية إصلاح شاملة، وثورة حقيقية للتغيير تتخفى خلف رؤية الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد، الاقتصادية، وتحارب التطرف وتعمل على تحديث البلاد.
مهمة القيادة السعودية تبدو صعبة، ولا نقول مستحيلة، فعدد الدول التي حشدتها لمساندتها في مواجهة الكونغرس لا يزيد عن دول التحالف العربي الذي تقوده في حربها في اليمن، أي دول مجلس التعاون الخليجي (باستثناء سلطنة عمان)، السودان والأردن والمغرب علاوة على باكستان، أما فرص نجاح اللوبي الجديد الذي تعمل على تأسيسه ودعوة مسؤولين سابقين لزيارتها، فتبدو محدودة لأن الوقت قد يكون قصيرا أمام هذا اللوبي لتحقيق أهدافه، وهي منع صدور القانون، ولكن لا بأس من المحاولة. المبالغ التي يمكن أن تدفعها المملكة في حال نجاح عملية الابتزاز الأمريكية هذه، ويقودها الكونغرس، ضخمة جدا، وهناك تقديرات أولية تقول بأنها قد تصل إلى 3.3 ترليون دولار، بمعنى أنها لن تتوقف عند تعويض أسر الضحايا، وإنما قد تصل لخسائر افتراضية مادية ومعنوية ونفسية أيضا، فعمدة نيويورك وحده، يقدر خسائر ولايته بحوالي 95 مليار دولار، وعلينا أن نضع في حسابنا خسائر شركات الطيران، وربما حروب أمريكا في العراق وأفغانستان، وتكاليفها التي جاءت كرد فعل على هجمات شتنبر.
الجدل الماراثوني مع دول تمارس “البلطجة” على مستوى العالم بأسره لا يفيد، ولا يعطي أي نتائج، خاصة استخدام مقولة انتهاك القانون الدولي وحصانة الدول، فمتى احترمت الادارات الأمريكية هذا القانون، ومتى التزمت بحصانة الدول؟ ألم يشكل غزو العراق وحصاره وتدميره وقتل مليونين من أبنائه انتهاكا لهذا القانون؟ ألم يشكل التدخل العسكري في بلدان مثل ليبيا، وتغيير أنظمتها، انتهاكا لحصانة الدول؟ المشكلة الأكبر التي تواجه المملكة وقيادتها وهي تواجه عملية الابتزاز الأمريكية، تتمثل في حروبها في سورية واليمن والعراق، وتخلي حلفائها عنها في اللحظة الحرجة، فتركيا اختارت المصالحة مع روسيا، وتتفاوض سرا مع الحكومة السورية، وقطر، وعلى لسان أميرها، طالبت بالحوار مع إيران لحل المشاكل مع دول الخليج، وسلطنة عمان نأت بنفسها عن حروبها، أي المملكة، في اليمن وسورية وإيران، وباكستان لم تدعم المملكة إلا بالكلام والبيانات الصحافية، وصوت برلمانها بالإجماع على عدم التدخل عسكريا في اليمن.
ومن المفارقة أنه في الوقت الذي تحاول فيه المملكة تحسين صورتها في أمريكا والغرب عموما، يخرج مفتيها الشيخ عبد العزيز آل الشيخ بتصريحات تنسف كل هذه الجهود، وبالتأكيد على أنها لم تتغير مطلقا، وأن الفكر الوهابي في ذروته، عندما يُخرج إيران ومئات الملايين من الشيعة وفروعها من ملة الاسلام، فماذا يفيد الاصلاح في الغرب، والتخريب في العالم الاسلامي، العمق الحقيقي للمملكة، والورقة التي استخدمتها دائما لتعزيز موقفها وقيادتها للمسلمين بحكم مكانتها الدينية. إن أكثر ما نخشاه أن يدفع اللوبي الأمريكي الجديد الذي تؤسسه المملكة بقيادة دينيس روس وغيره، القيادة السعودية تجاه اسرائيل، والتقارب معها باعتبارها خشبة الخلاص، تحت عنوان نفوذها الكبير في الكونغرس، وسمعنا زلماي خليل زاده السفير الأمريكي الاسبق في العراق وأفغانستان، وأحد أبرز داعمي الحرب في العراق، يقول وبعد زيارة إلى الرياض، أنه سمع من مسؤولين سعوديين، من كبار القوم، يؤكدون أن اسرائيل لم تعد عدوا في نظرهم.
المعضلة الأبرز بالنسبة للقيادة السعودية أنها كسبت بعض الحكومات العربية الانتهازية، ولم تكسب الشعوب العربية والاسلامية، أو معظمها في صفها، والأسباب تحتاج إلى شرح طويل، ليس هذه المساحة مكانها على أي حال. السعودية، ونقولها مرة أخرى، بحاجة إلى مراجعات شاملة لكل سياساتها، و”رؤية 2030″ لا يجب أن تكون اقتصادية جافة، وإنما برنامج إصلاح سياسي واجتماعي شامل داخلي وخارجي يرتكز على ثوابت الأمة وعقيدتها.
لا بأس أن تؤسس القيادة السعودية لوبي أمريكي وترصد له ملايين الدولارات، ولكن هي أيضا بحاجة إلى لوبي سعودي، وآخر عربي، وثالث إسلامي، ورابع عالمثالثي، لأن صورتها ليست جيدة في كل تلك المحاور التي تشكل أولوية ملحة أيضا في مواجهة التغول الأمريكي.
كنا دائما ضد الابتزاز والبلطجة الأمريكية، ونحذر منها منذ أن بدأت إرهاصاتها في العراق قبل ربع قرن، وربما أكثر، ولكن لم يستمع إلينا، وغيرنا كثر، أي أحد، خاصة في المملكة.
لا نريد فتح الجرح، ولكن ما زالت هناك فرصة للإنقاذ إذا سادت الحكمة والحكماء الذين جرى تنحيتهم جانبا في المملكة والمنطقة العربية بأسرها، وبتحريض أمريكي اسرائيلي، ولمصلحة جيوش المنافقين.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي فلسطيني

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *