حكايات فنادق صنعت جزءا من تاريخ المملكة الشريفة

حكايات فنادق صنعت جزءا من تاريخ المملكة الشريفة

لا ينتبه كثير من المارة إلى القيمة التاريخية والفنية لكثير من الفنادق المنتشرة في تراب الدار البيضاء، بل إن المتتبع لتاريخ هذه المؤسسات الإيوائية يقف على حجم العبث الذي يميز التعامل مع «أدب الفنادق» المرتبط بأدب الرحلات، لاسيما من خلال دراسة أرشيف ضاع الجزء الكبير منه في زحمة الزمن ووسط تبادل القائمين عليه.
حين نتعقب تاريخ الفنادق في الدار البيضاء، سنقف على مدى ارتباطها بالتجارة، إذ إن أولى مقرات الإيواء قبل توقيع عقد الحماية، كانت تستقبل تجارا من جنسيات مختلفة قصدوا المغرب للانتفاع من خيراته قبل أن ينعش ميناء المدينة الحركة السياحية والاقتصادية ويساهم في تناسل كثير من الفنادق، بدءا من المدينة العتيقة إلى أن امتدت خارج الأسوار.
لكن في غياب توثيق حقيقي للأحداث التي عرفتها هذه الفنادق القديمة، واستخفاف المشرفين عليها بتدوين أسماء الشخصيات التي مرت منها، يصبح من الصعب الكشف عن تاريخ صنع جزء منه في غرف الفنادق وفي قاعات اجتماعاتها.

«الفندق المركزي» شاهد على زمن الغارة
لا يختلف اثنان في كون مدينة الدار البيضاء، هي أكبر مدن المملكة كما لا يختلفان في كونها أصغرهن سنا، ففي سنة 1901 كانت «أنفا» مجرد تجمع سكني لا يرقى إلى المفهوم الحالي للقرية، قبل أن تلعب التجارة دورا كبيرا في إعمار مدينة سرعان ما عاشت رعب القصف الذي حول هدوءها إلى دمار.
في هذه الفترة الزمنية نبتت ثلاثة فنادق في محيط المدينة التي لم يكن يتجاوز 70 هكتارا، أغلب قاطنيها من التجار العابرين أو الدبلوماسيين الذين كانوا يفضلون الإقامة في الفنادق على استئجار الدور السكنية، أو البحث عن مسكن «إداري» في مقرات القنصليات.
لكن سرعان ما ستسقط هذه الدور التي كانت تسمى تجاوزا فنادق، مع بدء معركة سيدي بليوط، التي اندلعت نتيجة احتجاج ساكنة الدار البيضاء على مرور خط سككي فوق جزء من مقبرة مجاورة لضريح سيدي بليوط، المطل على ميناء الدار البيضاء، وقرروا منع اختراق القبور وانتهاك حرمة المقبرة.
وفي شهر ماي من سنة 1907 أعلن سكان الدار البيضاء والشاوية التمرد على عربات قطار كانت تستعملها شركة «شنايدر» في بناء وتوسيع ميناء الدار البيضاء، تجاوز الأمر حدود الاحتجاج اللفظي وقرر ممثلو السكان ملاقاة خليفة السلطان على المنطقة، مطالبين إياه بوقف الأشغال في الميناء «لما يشكله من خطورة على السيادة الوطنية»، مع تغيير مسار السكة الحديدية، بدل النية في ترحيل القبور إلى مقابر أخرى. لم يكن رد السلطات المغربية مقنعا مما دفع إلى التصعيد، إذ تمت المطالبة بإجلاء الأجانب عن الدار البيضاء ووقف أشغال توسيع الميناء وتحطيم خط السكة الحديدية.. توجه المحتجون صوب الميناء وقتلوا عددا من الأجانب من بينهم فرنسيون وإسبان وبرتغاليون في حدود عشرة ضحايا. أمام هذا الوضع ساد الهلع في أوساط الجالية الفرنسية واليهود المغاربة الذين قرروا الاحتماء بإحدى البواخر الراسية في الميناء وهي حاملة للعلم البريطاني، كانت تستعد للسفر نحو جبل طارق.
اجتمعت القوات الاستعمارية الأوربية وقررت الانتقام لأرواح رعاياها، حيث أرسلت فرنسا البارجة المدمرة «جاليلي» ودعمتها إسبانيا بمدمرة تدعى «ألفارو». حملت الباخرتان عتادا حربيا تم إنزاله في الميناء قبل إيداعه مقر القنصلية الفرنسية بالدار البيضاء، وقيل إن الفرنسيين ادعوا بأن صناديق الأسلحة كانت تحتوي على مواد غذائية، لتمويه المتمردين الذين لا يملكون سوى الحماس والإيمان بنبل قضيتهم.
في كتابه «كوموندو البر والبحر» يتحدث اليهودي موشي زغاري عن تدمير فندق مركزي في الدار البيضاء إثر القصف الرهيب الذي عرفته المدينة في شهر غشت من سنة 1907، علما أن موشي هو من دل الفرنسيين على تفاصيل الغارة. وأشار إلى وصول كوماندو فرنسي جيء به خصيصا لحماية الرعايا الأجانب والفرنسيين على الخصوص الذين انتقلوا من الفندق إلى مقر التمثيليات الدبلوماسية.
كانت الحصيلة الأولية مفزعة فقد استشهد أزيد من 15 جندي مغربي ومئات المدنيين في قصف مدفعي رهيب، لم تسلم منه صومعة مسجد المدينة العتيقة وضريح سيدي بليوط، والفندق المطل على البحر، الاستثناء الوحيد هو الحي الدبلوماسي الذي لجأ إليه الفارون من جحيم الغارة التي استمرت يومين متتاليين، ومن بينهم مستخدمو الفندق.
في سنة 1912، أي مباشرة بعد توقيع وثيقة الحماية، وتم ترميم البناية التي تضم الفندق المركزي قبالة المدخل المؤدي إلى الميناء، ومكنها هذا الموقع الاستراتيجي من التحول إلى مكان يؤمه كبار شخصيات المرسى، وكبار التجار الوافدين على المدينة، وفي شرفاته المطلة على البحر جلس كبار كتاب أدب الرحلات يدونون تفاصيل سفرهم إلى المغرب، وعلى الرغم من عوامل التعرية الزمنية ظل الفندق محافظا على دوره الإيوائي، لكن أغلب أرشيفه تعرض للضياع.

«حياة ريجنسي».. الفندق المفضل لياسر عرفات
شاءت الأقدار أن يدشن فندق «الدار البيضاء»، في صيف سنة 1972 أثناء حالة الاستثناء التي عرفتها المملكة، بعد انقلاب الصخيرات. بني هذا المرفق السياحي الذي كان في ملكية الدولة، في المكان الذي كان يتواجد فيه حي الملاح بالمدينة القديمة للدار البيضاء، ووصفه كثير من الكتاب الفرنسيين الذين زاروا المدينة بـ«القلب النابض».
في بداية الثمانينات، قررت الحكومة عرض الفندق للبيع في إطار برنامج خوصصة مرافق الدولة، وشرع مجموعة من المستثمرين في تقديم عروض لامتلاك المؤسسة الفندقية، بعد أن حددت الحكومة مبلغ 30 مليون درهم كسعر.
ومن أبرز الشخصيات التي رغبت في اقتناء هذا المرفق، الملياردير البنغالي موسى بن شمشير، الذي قدم المبلغ واستجاب لدفتر التحملات، قبل أن يفاجأ ببيعه للمقاول المغربي عمر القباج بثمن يقل بكثير عن العرض البنغالي، دون أن يعرف أحد مبرر الرفض والاختيار.
أصبح الفندق يحمل اسم «حياة ريجنسي» بعد الانضمام إلى هذه السلسلة الفندقية، عقب الخضوع لتعديلات شكلية جوهرية على مستوى جميع المرافق، حيث كلف الملك الحسن الثاني المهندس المعماري أندري باكار بإجراء تغييرات على مظهره الخارجي والداخلي، وحدد له أجلا لا يتجاوز خمسة أشهر كي يكون الفندق جاهزا لاحتضان قمة منظمة المؤتمر الإسلامي في الفترة ما بين 16 و19 يناير 1984، وظل يتوصل بتقارير يومية حول سير الأشغال به، إلى أن أصبح جاهزا لاحتضان ضيوف المغرب في الموعد المحدد.
وعرف الفندق في صيغته الجديدة توافد ضيوف من العيار الثقيل، أبرزهم رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، الذي كان حرَسه الخاص يحرص على أن يغير الرئيس جناحه في آخر لحظة لدواع أمنية. كما حلت به سهى عرفات، حرم الزعيم الفلسطيني، وأقام فيه جاك شيراك، رئيس الجمهورية الفرنسية الأسبق، وحكام جميع إمارات دولة الإمارات العربية المتحدة، والمستشار الألماني هيلموت كول، وحمد بن عيسى بن سلمان، أمير دولة البحرين، وعلي بانغو، الرئيس الغابوني ورفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني، وغيرهم من كبار الفنانين العرب أمثال وديع الصافي ومارسيل خليفة وسميرة توفيق..
ومن أطرف ما كتبه وزير بترول سعودي في الدفتر الذهبي للفندق، أبيات شعرية تتغزل في «حياة» حين كتب قائلا:
«أنا لا آتي لهذا الفندق إلا من أجل عيون حياة».

الكلاوي يحجب الشمس عن فندق «إكسلسيور»
يعتبر فندق «إكسلسيور» من بين الفنادق العصرية الضاربة في عمق تاريخ الدار البيضاء، وشكل أثناء بنائه ثاني أكبر بناية بعد «المحلات الكبرى لباريس» التي بنيت في الفترة ما بين 1914 و1916 من طرف المهندس المعماري الفرنسي ديلابورت، وشكلت نموذجا للعمارة الكولونيالية بتفاصيلها الموريسكية، الشبيهة بمؤسسة فندقية مشابهة في الجزائر تحمل الاسم نفسه. وتندرج أهمية هذا الفندق- حسب قولة للمقيم العام الفرنسي ليوطي عند افتتاحه- في أن «إكسلسيور ليس مجرد محل لإيواء العابرين، إنه معلمة معمارية تؤسس لحضارة خارج أسوار المدينة». هذه البناية التي تضم خمسة طوابق تحولت في ظرف قياسي إلى فضاء لتجمعات كبار الماسكين بخيوط التجارة العالمية.
يقول الباحث المغربي نجيب تقي، إن المكان الذي بني عليه فندق «إكسلسيور» كان مخصصا لنحر الذبائح للمسلمين واليهود، «كان المسلخ قد بني في السنوات الأولى من الحماية على قطعة أرضية مقابلة لبوابة المدينة القديمة، وتحديدا في المكان الذي يوجد فيه الآن فندق «إكسلسيور». هناك على مقربة من مجرى وادي بوسكورة، كان البيضاويون يذبحون ويسلخون الأغنام والأبقار فيرمون بما تبقى من أحشاء في الوادي الذي سمي بالوادي الأحمر لاختلاط مياهه بمخلفات المسلخ. أمام التوسع العمراني الذي شهدته المدينة بدأ التفكير في بناء مقرر جديد للمجزرة، والبحث عن موارد قارة لتمويل احتياجاتها، لاسيما في ظل انتشار بنايات أوربية بالقرب من فضاء الذبيحة العلنية، لذا صادرت السلطات الاستعمارية هذا المكان الدموي واعتبرته خارج الشروط الصحية، ولم تسمح للمسلمين بنحر المواشي إلا في عيد الأضحى».
يتداول مهنيو القطاع الفندقي في الدار البيضاء حكاية السيدة غورجي التي رفضت تمكين الباشا التهامي لكلاوي من غرفة في فندق «إكسلسيور»، وأصرت على منع زبون بزي تقليدي من استئجار أكبر غرف الفندق، اعتقادا منها أن الرجل به مس من الجنون، لكن الرجل أرغد وأزبد وقال لصاحبة الفندق إنه سيحجب عنها رؤية خيوط الشمس. اعتقدت غورجي أن الرجل به خلل، وأن حالته تستدعي وضعه في الماريستان، لكن بعد ثلاثة أسابيع شرع عمال البناء في إنشاء عمارة الكلاوي بمحاذاة مع الفندق، بعدما اشترى أرضها من يهودي وبعد عام أوفى الباشا بوعده وحجب أشعة الشمس على غرف «إكسلسيور»، حينها ضربت غورجي كفا بكف وحاولت إبرام عهد مصالحة مع التهامي لكنه رفض، بل إن بعض الحكايات تروي لحظات استفزاز تعرضت لها صاحبت الفندق، حين كان الكلاوي يقضي ساعات في شرفة عمارته وهو يدخن سيجاراته وينفث دخانها صوب «إكسلسيور».
ماتت غورجي وتلاها الكلاوي بأيام، وظل الفندق والعمارة المجاورة شاهدين على صراع أبدي بين مستثمرة وباشا، صنفت البنايتان ابتداء من سنة 2003 ضمن قائمة التراث المعماري الذي لا يقبل الهدم أو التفويت أو التغيير، من أصل 66 عمارة (49 كانت مصنفة في السابق وأضيفت إليها لائحة جديدة تضم 17 عمارة)، تسعى من خلالها جمعية «كازا ميموار» إلى الحفاظ على آخر ما تبقى من المعمار الموريسكي بمركز المدينة، الذي أصبح يسيل لعاب المنعشين والمضاربين العقاريين.

بومدين ورجل مخابراته في فندق «ترانس أطلنتيك»
في سنة 1922 تم الافتتاح الرسمي لفندق يحمل اسم شركة أمريكية للملاحة الجوية والبحرية، شركة «ترانس أطلنتيك»، وقدم المهندس المعماري الفرنسي ماريوس بوير شرحا مستفيضا للسلطات الاستعمارية الفرنسية والأمريكية، التي عاشت حفل الافتتاح، حول المعلمة السياحية، وهو المهندس الذي عرف بتنوع أعماله وعدم استقراره على أسلوب واحد، فقد وضع الرجل مخطط بناء فندق «وليلي» بالدار البيضاء، وتحديدا في شارع عبد الكريم الديوري، وتلاه فندق «الأطلس» غير بعيد عن محطة المسافرين بحي بلفدير، وهو أيضا من قام بتحويل البنك التجاري المغربي إلى فندق «بلازا» بشارع هوفيت بوانيي.
في كتابه بعنوان «القصة الحقيقية لرشيد كازا» وهو الاسم الحركي لجاسوس جزائري يدعى مسعود زكار، أحد رفاق درب هواري بومدين ورجل استخباراته، يتحدث الكاتب الجزائري الصديق لاركش، عن علاقة الاستخبارات الجزائرية بهذا الفندق، ويؤكد أن «ترانس أطلنتيك»، شهد مفاوضات لتذويب جليد الصراع الذي كان قائما في السبعينات بين الجزائر والولايات المتحدة الأمريكية. ويذكر المؤلف أن التأثير التجاري لرجل الاستخبارات في الولايات المتحدة الأمريكية بلغ حدا لا يمكن تصوره، إذ استطاع أن يشتري آبارا للنفط في فيرجينيا، عبر إحدى شركاته، كما اشترى شركة الخطوط الجوية «أنتير كونتينونتال»، واقتنى عددا من الفنادق الفخمة، التابعة للشركة منها فندق «ترانس أطلنتيك» ونزل «روزفلت» بلوس أنجلس الذي اشتراه من حاخام يهودي.
بعيدا عن الاجتماعات السرية كان الفندق قبلة للملاكم العالمي مارسيل سيردان وهو في قمة مجده الرياضي، حين دخل في علاقة عاطفية عنيفة مع المغنية الفرنسية الشهيرة، ذات الأصول المغاربية، إديث بياف، خلدها المخرج الفرنسي كلود لولوش في فيلم «إديث ومارسيل».
كانت بياف تزور سيردان في فندق «ترانس أطلنتيك»، وتتابع مبارياته المحلية والخارجية، وكان الفندق الموجود في زنقة كولبير سابقا، والطاهر السبتي حاليا، شاهدا على تلك الجلسات المشبعة بالرومانسية، حيث دأبت بياف على التغني بروائعها.

فندق «لنكولن».. غرفة عمليات أوفقير
لا يمكن الحديث عن تاريخ الوجود السياحي في مدينة من حجم الدار البيضاء، دون الحديث عن فندق «لنكولن»، الذي يحتل موقعا هاما في قلب شارع محمد الخامس بالدار البيضاء. إنه تاريخ معلمة معمارية موغلة في القدم لكن تعيش منذ سنوات حالة التخلي والإهمال واللعنة أيضا، بعد أن كان في زمن ما ملتقى للعديد من الشخصيات العالمية والوطنية، إبان فترة الحماية، تحول بقدرة قادر إلى مأوى لأطفال وشباب وشيوخ الشوارع.
توجد هذه البناية التاريخية، التي وضع تصميمها المهندس الفرنسي هيبير بريد سنة 1917، على مساحة تقدر بحوالي ثلاثة آلاف متر مربع، تعتبر أول بناية بشارع محمد الخامس (شارع المحطة سابقا)، قبالة السوق المركزي (مارشي سنطرال)، إلا أنها سرعان ما بدأت تفقد بعضا من أجزائها بعد 70 سنة على تشييدها، إذ تعرضت بعض جدران الفندق للانهيار عدة مرات منذ سنة 1984 مرورا بسنة 1989 ثم 2009 و2011 حين وقع الحادث المأساوي الذي أودى بحياة مشرد تحت الأنقاض، فتقرر تسريح قاطنيه ليظل الفندق شاهدا على النعمة والنكبة.
حتى لا يبتلعه المضاربون العقاريون، أصدرت وزارة الثقافة قرار (رقم 411.00) في رابع مارس من عام 2000، يقضي بكون «واجهات بناية فندق لنكولن بالدار البيضاء، من المباني التاريخية، والمواقع والمناطق المرتبة في عداد الآثار بولاية الدار البيضاء»، وهو القرار الذي صدر بالجريدة الرسمية رقم 4795 في 15 ماي من السنة ذاتها.
عاش فندق «لنكولن» أزهى أيامه في الفترة ما قبل الاستقلال، إذ كان قبلة لفرق أجنبية حلت بالدار البيضاء لمواجهة الوداد واليسام واليوسا والراك، وغيرها من الفرق التي كانت تمارس في البطولة بصيغتها الاستعمارية. وحسب «لوبوتي ماركان»، فإن الفندق كان المكان المفضل لجلسات فيليب الفرنسي الذي يحمل «سطاد فيليب» اسمه، وهو من كبار مسيري اليسام في عهد الحماية، وقيل إن مفاوضات لضم كثر من نجوم الكرة المغربية لأندية فرنسية قد تمت في هذا الفضاء، بل إن السلطات الفرنسية كانت تسعى إلى جعله مقرا لمؤتمر أنفا بالنظر إلى رمزية اسمه لكنها تراجعت عن القرار في آخر لحظة.
وتحول الفندق في مارس 1965 إلى غرفة للعمليات أثناء الإضراب الشهير لتلاميذ الدار البيضاء، حيث كانت خطط التصدي للغضب الطلابي تتم في جلسة بمطعم «مكسيمس»، أسفل الفندق، حيث عقد الجنرال محمد أوفقير سلسلة من الاجتماعات مع إدريس بنعمر، عامل مدينة الدار البيضاء، كما جالس بصفته مديرا عاما للأمن الوطني، شخصيات عسكرية ومنهم فرقة مرعبة كانت تعرف بـ«زيان» تتدخل بشكل عنيف. ولأن اسم «لنكولن» يوحي إلى تحرير العبيد، فقد اتخذه كثير من الأفارقة مقاما لهم خلال زيارتهم للمغرب، منهم وزراء ومخبرون وسماسرة.

مذكرات سائحة فرنسية في فندق غير معلوم
في مذكرات سائحة فرنسية تدعى «ناتالي» نقرأ وصفا دقيقا لفندق في الدار البيضاء خطتها بأناملها صيف سنة 1929. كان الهدف من زيارة ناتالي إلى المغرب، تهنئة أسرة فرنسية، حديثة عهد بالانتقال إلى الدار البيضاء، بميلاد ابنة جديدة في العائلة. وبدل أن تتجه إلى منزل الأسرة، الذي كان ضيقا كما وصفته، اختارت النزول مباشرة في فندق، بعد توجيهات من صديقة مقربة، قامت بزيارة قبلها إلى المغرب.
تقول ناتالي إن الفندق يقع في قلب الدار البيضاء، ويطل على البحر، ولا يبعد كثيرا عن الأحياء السكنية. «تملكتني الصدمة من حجم اللوحات الفنية التي تزين الجدران. عامل الاستقبال لم يخف عليه اندهاشي لجمال اللوحات، وأخبرني أنهم جاؤوا بها من فرنسا خصيصا لتزيين جدران الفندق وغرفه الفسيحة. السفرة كانت رائعة، والأواني كلها تحمل توقيع ماركات فرنسية عريقة. كل شيء هنا فرنسي، إلا الخدم بطبيعة الحال. لقد تم تكوينهم للقيام بأعمال الخدمة داخل الفنادق وفق المعايير الفرنسية. يعرفون كيف يقدمون الصحون ويجمعون السفرة بكثير من اللباقة. الغرفة كانت جميلة ومريحة، وكنت أحتاجها فعلا لأتخلص من عياء أيام ممتدة من السفر بحرا وصولا إلى الدار البيضاء. كل شيء هنا فرنسي.. واندهشت في المساء لأن الفندق كان يقدم، في المكان المخصص لتناول الوجبات، سهرة فنية فرنسية بامتياز، واستقدم فرقة غنائية من فرنسا خصيصا لهذا الغرض». انتاب ناتالي شعور غريب وكأنها لم تراوح مكانها في باريس.
لنكن الآن أكثر دقة. الفندق الذي تتحدث عنه هذه السيدة، لا يمكن اليوم أن يكون خارج المدينة القديمة في قلب الدار البيضاء. جولة بسيطة في عقر الدار، كفيلة للخروج بخلاصة واحدة، يؤكدها العارفون بتاريخ الدار البيضاء.. هذه الحقيقة مفادها أنه لا مكان أبدا لتلك الفنادق القديمة، كل شيء تحول إلى بقايا عمارات أو أطلال، أو هدم لتقام مقامه بنايات أخرى.
دهشة «السائحة» ناتالي، التي تعود إلى بداية العشرينات، تبدو مفهومة بعد وضعها في سياقها الصحيح. عمد أحد أحفادها إلى إعادة رقن مذكراتها بعد وفاتها خلال ثمانينات القرن الماضي، بعد معاناة طويلة مع المرض، واحتفظ بالنصوص إلى أن قرر أن يشاركها مع العائلة في مدونة إلكترونية خاصة. وبقليل من البحث في مدونات أنشأها مسنون، لتبادل ذكرياتهم ومذكراتهم التي تعود إلى الفترة نفسها، تقفز قصة ناتالي مع واحد من أقدم فنادق الدار البيضاء، رغم أنها لم تشر له بالاسم، لكنها أبدعت في وصفه، ويقول البعض إنها تقصد فندق «إكسلسيور» وفي رواية أخرى فندق «لنكولن» إلا أن الرواية الأخيرة أقرب إلى الحقيقة.

فندق «أنفا» شاهد على عصر التحالف
في يناير 1943، احتضن فندق «أنفا» «مؤتمر أنفا» الذي عقد بين الرئيس الأمريكي الأسبق فرانكلين روزفلت، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل، حيث بحث روزفلت وتشرشل، في ذلك اللقاء التاريخي، بحضور السلطان محمد الخامس والمقيم العام الفرنسي نوكيس، أوضاع العالم خلال الحرب العالمية الثانية، واتفقا على ضرورة استسلام ألمانيا وإيطاليا دون قيد أو شرط لإنهاء الحرب.
فجأة اختفى الفندق الذي يرجع بناؤه لسنة 1938 على هضبة أنفا المطلة على عين الذئاب، من خريطة الدار البيضاء ولم يعد له أثر في جغرافيا المدينة. وبعد مرور سبعين سنة على هذا المؤتمر، حل جيمس روزفلت، حفيد روزفلت، بالمغرب وأصر على زيارة المكان الذي شهد أولى لقاءات الحلفاء وأكثرها تأثيرا على مسار الحرب العالمية الثانية، لكنه اكتشف أن الفندق ضاع في زحمة التاريخ وهدم الجزء الأكبر منه سنة 1970 دون مبرر، إلا أن الحفيد شارك في الاحتفال بمرور 70 سنة على لقاء الدار البيضاء، مع طلاب ومؤرخين وأساتذة جامعيين، للحديث عن نتائج «مؤتمر أنفا»، في غياب مسرح المفاوضات.
لسد الفراغ، تم تنظيم معرض يتضمن صورا وتسجيلات فيديو وأرشيف صوتي تعرض لأول مرة حول «مؤتمر أنفا»، جاءت بها السفارة الأمريكية من مكتبة ومتحف فرانكلين روزفلت في نيويورك.
استمر المؤتمر عشرة أيام وحضره الملك محمد الخامس وولي عهده آنذاك الحسن الثاني، وخلاله تلقى السلطان وعدا من الحلفاء في ذلك المؤتمر، بأن ينال المغرب استقلاله بعد انتهاء الحرب، لكن الوعد لم ينفذ من طرف الفرنسيين.. على غرار الوعد الذي قدمه المغاربة للفرنسيين بالحفاظ على هذا الفندق الذي تحول جزء منه إلى مقر لسكنى سفير الولايات المتحدة الأمريكية بالدار البيضاء.
«لم تنفع أصوات جمعيات المجتمع المدني في الدار البيضاء، والتي طالبت بعدم هدم «فندق آنفا» التاريخي بعدما سقط جزء منه، وظلت صيحات الاحتجاج مجرد صيحات في واد، وأثار هدم ذلك الفندق مخاوف كثيرة من أن تطول عدوى الهدم مباني أخرى ذات قيمة تاريخية، وقرر بعض الحقوقيين رفع دعوى قضائية ضد الحكومة لكن سرعان ما دفن الملف»، يقول الباحث الفرنسي يوهان بوين.

ماريوس بوير.. مهندس «تخصص فنادق»
يعتبر ماريوس بوير، من أشهر المهندسين الذين تخصصوا في وضع تصاميم بناء الفنادق بالدار البيضاء وبربوع المملكة.. لذا أصر الرجل حين اشتد به المرض على أن يدفن في الدار البيضاء سنة 1947، بدل مسقط رأسه مارسيليا..
عرفت تصاميم بوير بنمطها الهندسي المشابه لفنادق فرنسا، «في المغرب مساحة أكبر تسمح للمهندس المعماري بأن يبدع في الأشكال الهندسية، بالرغم من غلاء الوعاء العقاري آنذاك، والذي ارتفع بشكل صاروخي بعد تفجيرات 1907 في الدار البيضاء. وبعد عمله مع جون بالوا ابتداء من 1924، قرر بوير العمل وحده حيث فتح مكتبه الخاص سنة 1929»، يقول عبد العالي الشباني في بحث حول هذا المهندس.
وتذهب بعض الروايات إلى أن بوير هو من وضع تصميم العمالة، وسينما «ڤوكس» أكبر قاعة سينما في إفريقيا آنذاك بـ2000 مقعد، ولا ننسى أن نذكر عددا من الفنادق منها فندق «ڤولبليس»، الذي يجمع بين الهندسة البيزنطية والرومانية.
عرف عن الرجل تعاطفه مع اليهود المغاربة، وفي الفترة ما بين 1928 و1930 قام ماريوس بوير بتشييد مبنيين للساكنة اليهودية في الدار البيضاء، وهما مبنى «ليڤي بيندايان» و»موز أصاياغ». ويوجد المبنى الأول في زاوية شارع للا الياقوت وزنقة فرحات حشاد.
وأفادت الشهادات المستقاة بأن صاحب الفندق ومالك حق امتياز شركة «فورد» في المغرب آنذاك، لم يكن يستقبل إلا اليهود المتحدرين من المنطقة الإسبانية.
وتقول السيرة المهنية للرجل إنه أبدع في إنشاء بنايات تاريخية، وهي:
فندق «ڤوليبيليس» (1920) زنقة عبد الكريم الديوري
فندق «المدينة» (1927- 1936) حاليا مبنى الولاية والمحكمة
فندق «أنفا» (1938) تم هدمه. احتضن مؤتمر أنفا سنة 1943
فندق «الأطلس» (1922- 1923) شارع هوفويت بويني
فندق «غينمير» (1932).

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة