حكومة تبسمل.. شعب يحوقل

bendou

أحب الحياة ما استطعت إليها سبيلا، لكن طريقي في الحياة كلها مطبات وحفر، لذلك فإني خيرتك فاختاري مابين السقوط في الحفرة التي أمام بيتي أو السقوط في حفرة الحب.. ولا تغضبي رجاء إذا أهديتك نونوسا أحمر.. فأنا رجل رجعي، مازلت أؤمن أن الحب أحمر والسلام أخضر وسماء إيطاليا زرقاء وسماؤنا ملبّدة بالغيوم.. فالمرجو من السادة المسافرين على متن خطوطي عدم الالتفات للشائعات القائلة باحتمال سقوط الطائرة بسبب ضعف الرؤية الإستراتيجية، والالتحاق فورا بمقاعدهم، ومن لم يحضر في وقت السفر لا تُقبل منه شكاية إلا إذا كانت خالته في العرس.. طباخة أو نكّافة أو مزغردة.. لا يهم.
عالم جديد ينتظرك.. فاربط حزامك وكن على أهبة الاستعداد للانطلاق إلى عالم الفقر حيث ينتظرك حكم نافذ بالأشغال الشاقة المؤبدة.. فهل تريد أن أُطلِعُك على حيثيات الحكم؟ حيث ستصبح بطلا في القفز على الحواجز.. حواجز الكراء والكهرباء والماء والداء والأعداء.. وحيث ستُحصِّل قوت عائلتك بشق النفس إلى شقين، شق في الشقة التي جعلتك تقتطع شهريا قطعة من لحمك وتُطعمها للكلاب السمينة المنتشية بنجاحها المتواصل في نباحها المتواصل علينا، وشق في قلبك الذي دمرته الصدمات والرياح العاطفية الهوجاء.. قلبك الذي يجب أن تغلقه وتكتب على بابه «مغلق بسبب الإصلاحات»، وحيث أن مصيرك صار في كف عفريت ولقمة عيشك في فك تمساح وهم يشحذون السكين لقطع رزقك، وحيث أن وزراء حكومتك يتفرجون على عملية قطع رزقك ويمرون مطمئنين أنهم يعيشون بأرزاقهم كاملة.. هل تكفيك هذه الحيثيات أم أزيد الطين بلبلة؟
وأنا ممتن لحكومتي المؤمنة بالله، الكافرة بالعبد الضعيف أنا، لأنها أبعدتني عن التفكير في الماديات وجعلتني أكثر روحانية. فقد صرت مواطنا روحانيا، زاهدا في ملذات الدنيا الفانية، مقبلا على الاستغفار بكثرة رغم أنني نمت بدون عشاء في أكثر من ليلة.. وحكومتي منشغلة بحالة قدرتي الشرائية التي ترقد في غرفة الإنعاش بعد انهيارها التام.. لذلك تتصل باستمرار لتعرف ما إذا كانت قدرتي الشرائية قادرة على الصمود لكي تقصفها بمزيد من الصواريخ.
ويحلو الحديث معك لكنني مضطر لأن أتركك للحاق بالقطار، فأنا مدعو إلى حفل كبير لتكريم شخصية مرموقة، ويتعلق الأمر برجل ليس كالرجال، رجل يتوفر على فائض من الغيرة على الوطن وأبناء الوطن، هو رجل نافذ في السياسة والنخاسة، سنكرّمه لأنه كرّمنا وقرر أن يستثمر كل ما نهبه من أموالنا في بلادنا دون أن يفكر في نقل أموالنا إلى أبناكهم. وأمس احتفلنا بسائق لأنه توقف عند إشارة قف، وأول أمس احتفلنا بلص لأنه جرّد مواطنة من نقودها وهاتفها وعوض أن يغرز السكين في وجهها ويشوَه جمالها فقد غرزه في قلبها، وهكذا سنظل نحتفل دائما بمواطنين شرفاء تصدر عنهم أفعال بطولية تستحق التنويه.. فأنا أحترم المرتشي الذي لا يزيد في أسعار الرشوة المتعارف عليها وطنيا.. وأحترم الطبيب الذي لا ينسى إلا مقصا واحد في أحشاء مريضه.. وأحترم المرشح الذي يقصف الناخبين بأكاذيبه بكل احترام.. وأحترم الجزار الذي يبيع لحم الجيفة مخلوطا بقليل من اللحم الطري.. وأحترم المقاول الذي يأمر عُمّاله بخلط الرمال بقليل من الاسمنت من أجل بناء قناطر تصمد سنة كاملة.
وإذا قلت لصاحبك أنصت لعظامك فقد لغوت مثل حكومتك كثيرة اللغو ومن لغا لا حكومة له.. والحكومة تستمد مشروعيتها من محاربتها للهشاشة.. أقصد هشاشة عظامي بسبب نقص حاد في الكالسيوم والكالسيوم يوجد في الفواكه واللحوم والأسماك، وأنا ربطت الحزام على بطني ولم أعد آكل إلا خبزا يابسا وقليلا من حليب النوق وصار التقشف عادتي.. لذلك لا أمتلك إلا حذاء واحدا لا شريك له.. فهذه حكومة لا توجه ضرباتها إلا بعد قولها بسم الله الرحمن الرحيم ونحن لا نتلقى ضرباتها إلا ونُتْبعها بقولنا لا حول ولا قوة إلا بالله.
ورغم أنكم دفعتموني إلى بيع العِجل، وقد تتهموني بأني من هواة رياضة وضع العصا في العجلة، فلن أشعل شمعة في الظلام وسأبدّد الوقت في لعن الظلام ورعاة الظلام. صدّقني يحلو الحديث معك لكنني سألحق بالقطار المتوجه إلى المستقبل.. ومن لا يحضر في وقت السفر لا تقبل منه شكاية ولو كانت خالته في العرس.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *