حلم آخر منكسر

achhab1

  مدد الرئيس الجزائري هواري بومدين إقامته في المغرب. كان شارك إلى جانب قادة الدول الإسلامية في المؤتمر الأول لمنظمة العالم الإسلامي التي انبثقت على خلفية إحراق المسجد الأقصى، من طرف الكيان الإسرائيلي، صيف العام 1969.
عزا مقربون إلى الحسن الثاني ذلك إلى أن بومدين ربما فكر في القيام بزيارة خاطفة إلى مدينة وجدة التي أمضى بها فترة من عمره باسم «الخروبي». فقد كان يتباهى بأنه يعرف الطريق من أقصى نقطة في الحدود الجزائرية لبلاده إلى عمق المغرب، ولا يحتاج لمن يدله على علاماتها. وتصور آخرون أنه يود أخذ قسط من الراحة بعد عناء جلسات المؤتمر الإسلامي التي كانت تطول إلى ما بعد الفجر.
مرت وقائع المؤتمر في أجواء مشجعة، على رغم تأثير المأساة، وكانت تلك المرة الأولى التي يحضر فيها العقيد معمر القذافي مؤتمرا إسلاميا، إذ لم يفارقه مسدسه أثناء أعمال الجلسات، وفي كل مرة يحاول فيها التدخل بطريقة غير لائقة، كان الزعيم المصري جمال عبد الناصر ينبهه إلى ضرورة التزام آداب المؤتمرات.
لا علينا يعد غياب العقيد عن كل المؤتمرات، في مثل غياب مستملحاته وتخريجاته التي كانت تضفي عليها نكهة الطرافة، مقابل عتمة المشهد السياسي. ومن علامات غياب بعض القادة أن كافة أولئك الذين كانوا يظهرون وهم يشربون دخان السيجار الكوبي، أمثال الرئيس العراقي صدام حسين والجزائري هواري بومدين، تواروا بدورهم إلى حيث يتوارى الجميع، على قاعدة جنازة رجل.
أبلغ بومدين الملك الحسن الثاني برغبته تلك، ثم أضاف إليها طلبا يهم عقد اجتماع ثلاثي في مقر إقامته في فيلا بالرباط. فقد كانت إجراءات استقبال ورعاية قادة الدول تحتم حجز فيلات، ومعاودة تأثيثها لتكون في مستوى تقاليد الضيافة المرعية. وقبل أن يخامر الحسن الثاني استفسار عن الضيف الآخر، أخبره بومدين بأنه يعتزم فتح ملفات المنطقة كافة، في حضور الرئيس الموريتاني المختار ولد دادة الذي كان شارك للمرة الأولى في قمة استضافتها الرباط.
كما حرص الحسن الثاني على تأمين حضور المملكة العربية السعودية وإيران، في ظل الخلافات التي كانت تجتازها علاقات البلدين، والتي توسط المغرب من أجل التخفيف من حدتها، بادرت دول إسلامية بامتزاج رأي الرباط في مشاركة نواكشوط. وشكل خيار دعم الوجود الإسلامي، عبر انفتاح منظمة المؤتمر الإسلامي على دول إفريقية وآسيوية، مبررا إضافيا لتبديد سحب الخلافات المغربية – الموريتانية، كون وحدة العالم الإسلامي في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية سابقة لأي خلافات. وحين قيل للحسن الثاني إن المختار ولد دادة يريد أن يشارك في مؤتمر أول قمة إسلامية، رأى أن المناسبة شرط فوق أي اعتبار آخر، وليس مثل الأخوة الإسلامية ما يحتم رأب الصدع.
التقط المؤرخ الأكاديمي الفرنسي جاك بونوا ميشين ذلك المشهد الثلاثي بذكاء يفيض حدسا بالوعي التاريخي، وكتب عن الآمال والتطلعات الكبرى التي سادت منطقة الشمال الإفريقي وقتها. ولفت انتباهه أن دولة وحيدة أبدت الانزعاج من ذلك التقارب، هي إسبانيا على عهد حكم الجنرال فرانكو، لأنها رأت فيه بداية النهاية لوجودها الاستعماري في الصحراء التي كانت توصف بـ «الإسبانية».
بيد أن أغرب ما سجله الأكاديمي الفرنسي أن أول لقاء له بالحسن الثاني، وكان وليا للعهد، انتظم في الرياض العاصمة السعودية عام 1958، وبعد مرور حوالي عقد على ذلك اللقاء دعاه الحسن الثاني، وقد أصبح ملكا، إلى مرافقته في جولة همت مناطق الأطلس، حيث سحرته طبائع رجالها وتقاليد الفروسية وسخاء الطبيعة، ما جعله يخصص كتابا عن المغرب، بعد أن قدم المزيد من الأبحاث والدراسات عن تاريخ العالمين العربي والإسلامي والدول الغربية، «من لورانس العرب: الحلم المنكسر» إلى «الإسكندر الأكبر والحلم المتجاوز» إلى «الحلم الأكبر في التاريخ» وصولا إلى «تاريخ العلويين» في المغرب.
كيف استطاع هذا المؤرخ أن يتوقف عند دلالات ذلك الحدث؟ رأى فيه تحولا جديرا بالاهتمام، لأن رياح المصالحة التي هبت على أرجاء العالم الإسلامي الشاسع، امتدت لتشمل منطقة الشمال الإفريقي. وقد نقل الكثير من تفاصيل اللقاءات التي جرت بين القادة الثلاثة في محاورات ثنائية ومتعددة. ولم يسجل حرفا واحدا بوجود أي طرف آخر له مطالب في «الصحراء الإسبانية» على حد نعتها السائد آنذاك.
بين الدار البيضاء المغربية وتلمسان الجزائرية ونواذيبو الموريتانية، ستتلاحق تطورات الانفراج في الشمال الإفريقي، من دون أي حساسيات. وما بين القمة الإسلامية ووقائع القمة العربية في العام 1974، لم يجد الرئيس الجزائري بدا من التصريح بأن لا مشاكل بين بلاده والمغرب، وأنه سيدعم أي توجه لتحرير الأقاليم الصحراوية. إلا أن أجواء المودة التي سادت العلاقات بين الجزائر ونواكشوط ستكفهر. وبعد أن سمع الرئيس ولد دادة من نظيره الجزائري عبارات التقدير، انقلب عليه لدى دعوته لزيارة الجزائر، وقال له ما يفيد بأن عليه أن يختار بين التحالف مع المغرب أو الجزائر، ثم استخرج عبارته الشهيرة بأن أبناء عمومته، في إشارة إلى بوليساريو، سينوبون عن الجزائر في معاكسة شرعية الحق المغربي.
أين كانت بوليساريو أواخر سبعينيات القرن الماضي؟ بلا عناء فالانزعاج الإسباني من الوفاق المغاربي وجد، مع غاية الأسف- من يترجمه إلى شقاق ونفاق، يمكن توصيفه بالانكسار الذي أصاب حلم البناء المغاربي في مقتل. وستبقى الأحلام الكبرى رهن إرادة البناء الحقيقي الذي يناهض الهيمنة واستحلاء اللعب بالنار.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *