حلويات «المْلبِّسْ»

ghil

أحتاج للحديث إليك مطولاً كما من قبل، غريبٌ أنني كلما تحدثت أكثر، ازدادت حاجتي إليك أكثر..
لستُ أدري كيف أبدأ حديثي، فقد مرَّ وقتٌ لا أحسبه هيِّناً مُذْ سافرَتْ كلماتي في رحلة سماوية تقتفي أثرَ معانيكَ، ادَّخرتُ ما يكفي للأيام القادمة، وللَّحظاتِ التي سوف تقضيها إلى جانبي وأنت تنفض عنك آثارَ الغيوم التي تلبَّدتْ فوق محياك وشكَّلتْ طبقة كثيفة فوق الشفتين.. أظنك بحاجة إلى كثيرٍ من الدفءِ والسكينة، وبعضِ قطراتٍ من بنات النحل، لكي تتناسل العباراتُ، تلك التي ستُردِّدها بلهفةِ وجوعِ الشعراءِ للقصيدة.. أوَ لسْتُ قصيدتَك التي لم تكتُبها بعد؟ هناك شيء بداخلي يحرِّضُني على كتابة اسمك والتأمل في حروفه ملياًّ، قبل أن أنزَعَ حرفاً وأخلطه بشهدك ثم أتذوقه شيئا فشيئا، حتى يذوب رويداً، مثلما كنا نتلذذ بحلوى «المِلبِّسْ» عندما كنا صغاراً ونحن ننتظر بشغفٍ أن نصل إلى حبة اللوز المحشوة بقلب الحلوى.
يُخيَّلُ إلي أحياناً أنك الوعدُ الذي يبتدئ بذِكْرِه كلُّ شيء، وينتهي بذكره كلُّ شيء، فأنت تشبه قطعة السيراميك الناعمة المطواعة الحنونة التي تتشكل في أحشائي ببطء، قبل أن تذوبَ كالحرير بين ثُنائِياتي وثناياي، مرة باردة وتارة حارة، وأحياناً تعْلَقُ بإحدى أمنياتي، تراود حريتي عنِّي، لتضاجعَ الظلامَ في غيابِ النجومْ..
أشعر برغبة في أن أتوقف قليلاً، وأتنفس عميقاً، قبل أن أواصلَ الركضَ بين العليقِ واللبلاب، بحثاً عن التوت الأسود وإكليل الجبل… أعْصِرُ جبيني لأرويَ تاريخ الجدبِ وصفحاتِ الألمْ، أرسمُ ابتساماتٍ صغيرة فوق سَبَّابَتِي وأُحَذِّق بها، عَلَّها تبسِمُ لي وحدي، عَلِّي أُحرِّك شفتي قليلاً، لَعلِّي أفهم معنى الركض عند السفح دون التطلع إلى القمة.
أيها الكائن في تفاصيل كلِّ ما سيأتي، أنا لا أفكرُ بالمسافاتِ إنْ كانتْ تبعدُ أو تتقلص، لا أفكر بالزمن إن كان يمضي أو يقفزُ من أعلى، لا أفكر بهذا الذي يسيلُ حبراً على دفاتر الأيامْ، لا أفكر بِي وأنا أصنعُ دخاني ورمادي، من نيرانِ العبثِ الذي يتسلَّى بوُرَيْقاتِ العمرِ الماضي فينا.. أَياَ ألماً ألَمَّ بيِ ذاتَ حنين، فصرتُ أخرجُ المعاني من كلماتها التي لا تَسَعُها، وأُفرغها في قوارير الزيت والماءِ وكؤوس الحليب، ثم أنتظر ما سوف تؤول إليه الأمور تباعاً.. كنت أخَالُنِي كائناً يَنسِلُ من إخفاقاتِهِ، لا يزدادُ إلا تباراَ… وبأني أملك قوةً تجعلُني أبسُطُ كفِّي فأحجبُ الشمسَ عن الحقيقة، وبأنني حديديةٌ في وجهِ الشمس والنارْ.. ألَنْ يُذيبني الحرُّ يوماً ما؟
سأنام قليلا لكي ألقاكَ هناكْ، عند باب الشمسِ تنتظرُ عودتي لنُذيبَ الحقيقةَ في كأسِ حلمٍ بطعم «الملبس» وكثير من العشق.

نبذة عن الكاتب

كاتبة

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *