حماقة التسلح

بقلم: خالص جلبي

 

 

 

حاليا تطور أمريكا ترسانتها النووية بتخصيص مبلغ 1200 مليار دولار حتى عام 2050م، كما أن العرب يخوضون في نفس العين الحمئة، فيدفعون مليارات الدولارات للتسلح من ميزانيات تئن تحت العجز. ينقل لنا العلم معلومات مثيرة عن رحلة السلاح النووي على لسان أكبر خبير، واسأل به خبيرا ولا ينبئك مثل خبير.

في المقابلة التي أجرتها مجلة «الشبيغل» الألمانية العدد 32/ 98 مع الجنرال (لي بتلرLEE BUTLER )، قائد القوة النووية الأمريكية الضاربة السابق، وجهت إليه سؤالا حرجا: جنرال (بتلر) كان من المحتمل إذا شمرت الحرب عن ساقها، أن تضغط بأصبعك على الزر النووي؛ فتنطلق صواريخ الترسانة النووية الأمريكية بكامل طاقتها تدمر الأرض عشرات المرات؟

أجابهم وقد اعتدل في جلسته يعرِّف بنفسه: نعم بكل تأكيد، ربما أعلم ذلك أكثر من أي إنسان آخر على وجه البسيطة. كل مستقبلي وعملي العسكري كان مرتبطا بالسلاح النووي. كنت أُدَرِّس نظرية الردع النووي في أكاديمية القوى الجوية لطلابي، كنت أحلق بالقاذفة «B52» تحمل في أحشائها الرؤوس النووية. كنت، أخيرا، أنا من يقود الزحف النووي العالمي. تحت قيادتي كامل القوة النووية الاستراتيجية الأمريكية، القاذفات والصواريخ في البر والبحر. كنت أساهم في تطوير الرؤوس النووية. وكنت أنا من يقرر كيفية استعمالها. أنا من جلس في مفاوضات التسلح أو مراقبة نزع التسلح. كنت أقدم خدماتي لرئيس الولايات المتحدة الأمريكية كخبير في الأسلحة النووية. وأريد أن أفيدكم أن كل خطط الهجوم النووي في حالة القيامة النووية كانت تحمل توقيعي.

كان الجنرال بتلر المشرف على  خارطة للعالم تضم 12500 موقع يجب تدميرها نوويا يوم القيامة النووية، تصل إلى أي نقطة بمدى ثلث ساعة، بخطأ لا يتجاوز 15 مترا، منها خرائط تفصيلية لمسح مدن بالكامل.

تابع الجنرال قوله: كان تصرفنا كالسكران في يده مسدس يلعب الروليت الروسية، وعندما ضغط الزناد للمرة العاشرة نطق ببلاهة انظروا ما زلت على قيد الحياة. إننا لم نكن نعي تماما ما الذي سيحدث للكون في حال اندلاع الحريق النووي؟ كانت رحلة طويلة صرفت أمريكا خلالها ستة ملايين مليون دولار، طورت ما يزيد عن سبعين ألف رأس نووي، بـ116 نموذجا محمولا على ظهر (65) نموذج قذف صاروخي، بدءا من قنبلة هيروشيما، ثم صعودا (MAXIMIZING) بتطوير القنبلة الحرارية النووية (الهيدروجينية HYDROGEN – BOMB) بعيار فلكي من مستوى (ميجاطن)، حتى وصلت جرعة التفجير في الستينات إلى ما يزيد عن قوة هيروشيما بثلاثة آلاف مرة.

ثم تطوير الجيل الثالث (قنبلة النيوترون NEUTRON-BOMB) بتكثيف جرعة الإشعاع على حساب الضغط والحرارة، فيقضى على البشر ويتم استلام المدن نظيفة، إلى رحلة تصغير الحجم ( MINIMIZING) فأنتجت قنابل صغيرة من أجزاء من قنبلة هيروشيما يمكن حشوها بالمدفعية، ومن كرات التفاح الصغيرة هذه حمل الحلفاء في حرب الخليج الأخيرة ما يقرب من 600 رأس نووي صغير، على ما روته مجلة (الشيفرة CODE) الألمانية. بجانب هذا مسحت، خلال نصف قرن الماضي، الجو الخارجي بتطوير نظام الساتلايت (الذي تحول إلى شبكة الدشوش الزاحفة على سطوح المنازل) والبر من خلال تطوير نظام كمبيوتري (الأنترنيت)، كما رسمت قيعان البحار بخرائط تفصيلية، من غواصات نووية مستخفية بالليل ساربة بالنهار، تحولت في النهاية إلى خرائط

(الكارتو جرافي CARTOGRAPHY) يستفيد منها صيادو الحيتان والأخطبوط، وتصمم بموجبها غواصات من نموذج (الطائر العميق الجيل الثاني DEEP-FLIGHT-II) تتحمل الضغط إلى عمق 11000 متر، ويكتشف في القاع 10 آلاف مليار طن من مادة (الميتان المبللور CRISTALIZED METHAN) بطاقة تكاد لا تعرف النفاد، هذا عطاؤنا فامسك أو انفق بغير حساب.

 من الطريف بالذكر أن الجنرال (بتلر) اعترف أنهم لم يجلسوا ليحسبوا على وجه الدقة ماذا سيكون وضع العالم، عندما يزحف الرؤساء من المخابئ النووية بعد الحريق الأعظم، يخرجون من الأجداث إلى سطح الأرض كأنهم جراد منتشر، مهطعين رؤوسهم يقولون هذا يوم عسر. كل ما فعله الجنرال عندما سئل ماذا كتبت في أوراقك حيال قيامة قبل القيامة؟ قال كانت حسابات رياضية فقط عن كمية التدمير التي سوف تنزل على رؤوس البشر والمنشآت الحيوية. لا معلومات عن انقلاب المناخ وكسوف الشمس الطويل.  لا خبر عن الحرائق التي تلتهم الغابات فتحيل الأرض إلى جهنم تتلظى. لا إحصاءات عن الإشعاعات التي ستفتك ببني آدم، لا مخبر عن تقطيع كامل النسيج الحضاري. لم تكن تقاريرنا تتضمن كلمة واحدة عن كل هذا. أما السؤال عن الضحايا فكانوا يستعملون منطق الشيوعي (جوزيف ستالين JOSEF STALIN)، مقتل إنسان تراجيديا، أما مقتل الملايين فهي مسألة إحصائية.

على الرغم من  تخصيص 35 مليار دولار في أمريكا لتطوير السلاح النووي هذا العام، يقرر (لي بتلر)، الجنرال السابق والقائد الأعلى للزحف النووي يوم النبأ العظيم، ومدير الخطط الاستراتيجية النووية في البنتاغون، في القيادة العامة في أوماها (OMAHA) بنبراسكا (NEBRASKA ) بكلمات مختصرة الحقيقة التالية:

(إننا نضيع الفرصة الثمينة لتطوير قواعد جديدة للأمن في العالم، حيث لا يوجد مكان للسلاح النووي).

     هكذا كتب الرئيس إيزنهاور عام 1956 (يجب على الطرفين المهتمين بالحرب أن يجلسا في يوم ما على طاولة المفاوضات، وهما مقتنعان أن عصر التسلح قد انتهى، وبأنه يتوجب على البشر الخضوع لهذ الحقيقة أو اختيار الموت). وكررها غورباتشوف في كتابه «البريسترويكا» (أن غواصة نووية واحدة تحمل في أحشائها من الطاقة النارية ما لم يستخدم في كل الحرب العالمية الثانية)، وبموجبها طرح فكرتي (الجلاسنوست والموراتوريوم= الانفتاح والتخلي عن القوة من طرف واحد). وأكدها الرأس العلمي في مشروع مانهاتن (روبرت أوبنهايمر)، أول من اخترع السلاح النووي، (كأن العالم على صورة عقربين تحت ناقوس زجاجي واحد يمارسان الانتحار المزدوج).

  تحمل الحرب اليوم ست مفارقات، ففي الحرب العالمية الثانية قتل الحلفاء 200 ألف إنسان بمدينة (درسدن) الألمانية، في الوقت الذي حرصت أن لا يجرح مدني واحد ببلغراد في حرب البوسنة.

والحرب كانت تفاجئ الخصم بالسلاح الاستراتيجي، واليوم لا يستخدم مع توفره في أعجب مفارقة تاريخية.

وقنبلة النيوترون أخطر تطور للقوة كانت تريد استلام مدن نظيفة من الأناسي، والناتو اليوم يهدم المنشآت ويحافظ على البشر.

وكان الخصم قديما يهدد غريمه بالزحف العرمرم، ليأتينهم بجنود لا قبل لهم بها، والناتو اليوم يصرح للخصم أنه لن يرسل الجنود.

وكانت الحرب كما ذكر المؤرخ توينبي (تسلية) الملوك يتفرجون على الأقران يتذابحون، واليوم أصبحت الحكومات شعبية تخشى من سخط الجماهير، فلا ترسل أبناءها قرابين للسياسة، إلا الدول خارج إحداثيات العصر.

ويعتبر العسكري (فيكتور فيرنر) أن الحرب تحولت اليوم إلى كائن خرافي مثل جوليفر في مدينة الأقزام، بكائن شكله إنساني ولكن طوله ووزنه بقدر ناطحة سحاب يدب في شوارع لا تتحمل وطء أقدامه، لا تحدث إلا في الأساطير. إنها تبدلات جذرية في صورة الحرب وتطور السلاح. 

السكر النووي خطير، والطفل الجديد قد يكون مشوها، ولم يكن للقنابل دين في يوم من الأيام. وما يحل مشكلة العرب اليوم أمام (جالوت) الجبار، ظهور فتى صغير اسمه (داوود) يحمل في يده مرقاعا وحجرا.

السلاح النووي صنم، والتسلح خرافة تنتمي إلى العهد القديم، والشعوب قوة لا تقهر. والجيوش والأنظمة سهل هزيمتها، والأسلحة المتطورة شرك لدولنا الفقيرة، والعالم ينتظر ولادة إنسان الفكرة وتوديع أداة القهر، فنتعلم أن أفضل ما يستخرج من الإنسان بإقناعه لا بتخويفه. من كان له أذنان للسمع فليسمع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.