MGPAP_Top

حيرة عقل الإنسان أمام لغز الزمان

حيرة عقل الإنسان أمام لغز الزمان

إلياس بلكا

يثير موضوع الزمان إشكالات لا تنتهي، دون حلها خرط القتاد والصعود إلى السماء. فهذا لغز قديم، بل هو من أقدم ألغاز الفكر والفلسفة، ومن أصعبها تناولا وأعقدها حلا. ومع ذلك لا شيء أقرب إلى الإنسان من الزمان، فوجوده نفسه – وما فيه من أحاسيس وأعمال – يقع داخل إطار الزمان. حاول أن تسأل نفسك هذا السؤال وأن تجيب عنه: ما هو الزمان؟
ما هو الزمان؟
وقد فرض موضوع الزمان نفسه على العلم المعاصر، خصوصا بعد ظهور الفيزياء النسبية، فهو اليوم من ألغازه الكبرى التي لم يستطع فك طلاسمها وأسرارها.
إن الزمان بحر لاترى له ساحلا ولا تُميّز فيه وسطا من طرف. لقد جعل بعضهم من المستقبل محور الزمن ونقطة ارتكازه، لكن كيف نعتمد على شيء لم يوجد بعد ولا يعرفه أحد. وكذلك الماضي فهو لا يوجد الآن، حيث انقضى وصار في العدم، وقال آخرون فليكن المرجع هو الحاضر، ولكن ما هو الحاضر؟ أليس مجرد معبر عابر بين الماضي والمستقبل، فهو ينفلت منا باستمرار، فليس له امتداد وثبات؟ إن هذا الحاضر قبل أن نفكر فيه يكون – في الواقع – مستقبلا، ثم بمجرد أن ننتبه إليه يكون قد صار من الماضي، موضوعا للتأمل والفكر. يقول وايتهيد: إن ما نسميه الحاضر هو الجزء الحي من الذاكرة والذي له طابع التوقع.
ومنذ القدم اختلف الفلاسفة في موضوع الزمان على رأيين:
الأول يرى أنه لا وجود للزمان خارج الروح، فهو إحساس ذاتي لا علاقة له بالكون، ولذلك لا نستطيع أن نتمثل الزمان خارج أنفسنا. ومن أشهر القائلين بهذا الرأي القديس «أغسطين».
والثاني يرى أن الزمان حقيقة واقعية، لها وجودها المستقل، ومن ثَم فإن الزمن واحد لا يختلف مهما اختلفت العوالم والحركات والأشخاص. ومن أبرز العلماء الذين ثبَّتوا هذه الفكرة: نيوتن، وكان يرى أن في الزمان بعدا أو شيئا إلهيا.
ومهما اعتبرنا الزمان إحساسا ذاتيا أو شيئا واقعيا، فإن مشكلة أخرى تظهر، وهي: كيف نفسر الزمان؟
لقد اعتبر أرسطو أن الزمن هو مقدار الحركة والتحول. وهذا التصور هيمن طويلا على كثير من الاتجاهات الفلسفية، لكنه يثير إشكالات كثيرة بيَّن ابن رشد بعضها: فنحن مثلا نشعر بالزمان حتى حين نكون في الظلمة لا نتحرك. ولو كان الزمان هو حركة الأفلاك السماوية ما أحس به الإنسان الأعمى، أو كان نتيجة حركة معينة أخرى لم يكن للذي لا يراها أي إحساس بالزمان. ثم لو كان الزمن ثمرة أي حركة، غير حركة الأفلاك، لتعددت أنواع الزمان بتعدد أنواع الحركات.
لكن روح هذا التصور الأرسطي انتقلت إلى بعض العلماء، خصوصا حين ظهرت النسبية، فالحركة تحدث في مكان، أي في فضاء، وهذه الفيزياء أرست علاقة وطيدة بين الزمان والفضاء.
الزمان في الفيزياء النسبية:
الزمان هنا لا يوجد مستقلا ومطلقا، بل يرتبط بفضاء ما. فإذا تصورنا فضاءين مختلفين كان عندنا زمانان مختلفان. ولما كان الفضاء الأقليدي له أبعاد ثلاثة: الطول والعرض والعمق (إحداثياته x.y.z) فإن الزمان المرتبط به هو بعد رابع (t). والعامل الذي يعادل بين الفضاء والزمن هو العنصر: C.
وتوجد مجموعة من المعادلات تربط بين هذه العوامل كلها، منها: x4=ct
ومنها : S2 = x2 + y2 + z2 – c2t2
والعامل c هو السرعة القصوى، أي سرعة الضوء.
ومن نتائج هذا النظر أن الزمن «تحوّل» إلى الفضاء، بل الفضاء نفسه يمكن أن «يتحول» – نسبيا – إلى الزمان. كما أن الزمن يتمطط ويتمدد بالحركة.
ولهذا اعتبر بعض المفكرين أن هذه الفيزياء تنفي الزمان، مثلها مثل فيزياء نيوتن. فهذا جعل الزمان من المطلق، فهو الحاضر الدائم، والنسبية ربطته بالفضاء ربطا فيزيائيا «ماديا».
وأضرب للقارئ هذه الأمثلة لتقريب صورة الزمان في النسبية: لنفرض وجود ساعتين، واحدة ثابتة، والأخرى تجري بسرعة معينة، بعد مدة سنجد أنهما تختلفان في تسجيل مقدار ما مضى من الوقت. ولذلك يمكن لملاحظين اثنين – في فضاءين بإحداثيات مختلفة – أن تختلف نظرتهما لحدثين، فيراهما الأول متزامنين، بينما يراهما الثاني متعاقبين. والحدث يمكن أن يكون قديما جدا للملاحظ «أ»، ويكون وقع منذ قليل بالنسبة للملاحظ «ب» ، بينما «ج» لا يعرفه بعد، فهو يقع في مستقبله. ولهذا كانت الأزمنة الثلاثة نسبية، وأنت حين تبصر نجمة في السماء فإنك لا تراها حقيقة، بل ترى صورتها فقط، وهي التي أرسلتها أشعة النجم منذ ملايين السنين، ووصلتك الآن. أما النجمة – حين إبصارك إياها – فتكون قد انتقلت إلى مكان آخر.
مثال المسافر:
لنتصور مثلا أخوين توأمين صغيرين يعيشان في مكان واحد، ثم إن أحدهما سافر في مركبة فضائية بسرعة تقرب من سرعة الضوء، بينما اختار الثاني البقاء في الأرض. بعد مدة، إذا عاد الأول سيجد أن أخاه قد صار شيخا، بينما هو لا يزال شابا كأن سنة واحدة فقط من عمره هي التي مرت. ولو فرضنا أنه كان للأول أبناء، فيمكن حين عودته أن يكونوا أكبر منه سنا.
هذا مثال يشرح مفهوم الزمن النسبي، وهو من الناحية الفيزيائية لا شك في إمكانه، وأكدته أيضا تجارب اصطحاب الساعات النووية في الطائرات السريعة.
ما هو إذن هذا البعد الرابع؟
رغم ما قدمته النسبية لفهم موضوع الزمان، يظل السؤال مستمرا: ماهو الزمان؟ وحين نقول إنه البعد الرابع مع الأبعاد الثلاثة للفضاء، فإننا نكون كمن يفسر الزمان بالفضاء والفضاء بالزمان. ثم إنه – كما قال أوسبونسكي – يستحيل علينا أن نتخيل في فضائنا نحن جسما له أكثر من ثلاثة أبعاد، كما يستحيل أن نتصور قوانينه الخاصة به.
يتبع

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة