خديجة البلغمي.. أرملة الشهيد علال بن عبد الله التي ماتت وفي قلبها غصة

قبل أن ينتقل علال بن عبد الله الزروالي من مدينة كرسيف، مسقط رأسه سنة 1916 إلى تازة، بعد أن بات يشكل عنصرا مقلقا للسلطات الاستعمارية، قرر أن يصطحب معه زوجته خديجة بنت العربي البلغمي، التي كانت تصغره بعشر سنوات، إلى مكان عمله الجديد كصباغ في محل بسيط قبالة المقر الحالي للبلدية، بعدما ظلت تقطن رفقة عائلته في قبيلة أولاد صالح بربحية.
لم تكن مغادرة كرسيف طوعية، بل كان وراءها قرار غير مكتوب من «القايد» رمضان حاكم المدينة التي كانت حينها مجرد تجمع سكني صغير.
في مدينة تازة، كبر الوازع الوطني في نفس علال، وأصبح «علال الصباغ» عنصرا تحت المراقبة الأمنية، وموضوع تقارير استخباراتية، لكنه لم يكن يقتسم مع زوجته هذا الهاجس، في زمن كان فيه حق المعرفة مصادرا لدى زوجات المقاومين.
اضطر إلى مغادرة مدينة تازة صوب الرباط بعدما شعر بالاختناق، واستقر به المقام في حي العكاري. هناك استأجر بيتا صغيرا هو وزوجته وابنه عبد الله الذي كان عمره لا يتجاوز 13 سنة.
اقتنى الرجل جهاز راديو صغيرا، فلاحظت زوجته خديجة مدى العلاقة الوجدانية التي بدأت تربط زوجها بهذا المذياع، بل إنه أصبح يتقاسم معها الزوج وتحول مع مرور الأيام إلى شيء مقدس في البيت..
وحسب إحدى روايات زوجته، فإن علال لم يتوجه إلى محله حيث يشتغل كصباغ، يوم 20 غشت 1953، حين شاع خبر نفي السلطان محمد الخامس والأسرة الملكية إلى كورسيكا ومنها إلى مدغشقر. قال لزوجته وهو شبه معتكف في بيته: «لن نذبح أضحية العيد لأننا في حداد».
أيقنت الزوجة حجم الغضب الذي يسيطر على زوجها وآمنت بقدرته على رد الفعل، خاصة حين لاحظت إصراره على معرفة تحركات «دمية» المستعمر محمد بن عرفة، بديل السلطان المنفي، وحديثه عن مواقف شخصيات حزبية من قبيل علال الفاسي والمهدي بن بركة، بعدما نفذت خطبهما إلى عمق وجدانه وحركت فيه بركة الوطنية.
ظل الرجل يبحث بشق الأنفس عن مسدس لتصفية السلطان البديل، لكنه عجز عن ذلك فاستبدله بسكين حرص على صقله بنفسه أمام استغراب زوجته وحماته التي كانت تقطن معها في البيت نفسه، وطلب من جاره العربي العيوني صناعة غمد جلدي للسكين.
ذات صباح أصر الرجل على أن تغادر حماته الرباط، وتعود إلى تازة أو فاس، لأنه كان يستعد لحدث كبير، وحين ألحت زوجته على معرفة الدافع وراء إجلاء والدتها، كشف لها عن الحقيقة، فقررت أن تنخرط في المخطط البطولي بعينين دامعتين رغم أنها كانت حاملا.
كشف علال لخديجة عن العملية، لكنه دعاها لتفقد مسرح المداهمة، تقول رواية الزوجة إن علال كان يريد القيام بجولة استطلاعية في المشور، «من أجل الدخول إلى تواركة حيث القصر الملكي بالرباط، فلجأ إلى حيلة تمثلت في دور تمثيلي لشاب وفتاة مقدمين على الزواج، وكانت العادة أن الخطاب يتيمنون بالمشور السعيد. وبمساعدة جاره العيوني وزوجته، تمكن علال من الدخول بسيارته إلى تواركة مترصدا خروج السلطان الدمية بن عرفة إلى أول صلاة جمعة في عهد البديل».
عادت الزوجة وجيرانها أدراجهم، وأقدم علال على مداهمة موكب بن عرفة، بسيارة مهترئة، وحين استل السكين في محاولة للهجوم على السلطان البديل، تصدى له روبير كينغ، وهو عسكري فرنسي قتل في ما بعد على يد شيخ العرب، وقتل علال على الفور برصاص القناص.
اعتقلت خديجة وخضعت لتحقيق طويل دون أن تكشف عن خيوط خلية العكاري التي كان زوجها ينتمي إليها، ولم تتمكن من معرفة قبر زوجها الذي كلف المستعمر أحد قواده بدفنه في مكان مهجور في ضواحي زعير، «لم يترك الشهيد لزوجته خديجة وابنه عبد الله سوى 1000 فرنك، وكان يقول لها في ساعاته الأخيرة إن الشعب المغربي المناضل سيتكفل بها وبأبنائها الثلاثة».
قضت أرملة الشهيد أياما عصيبة في سجن «لعلو»، وحين غادرته قامت إحدى السيدات الوطنيات بتشغيلها سرا في مصنع للجلد في ملكية زوجها، ولم تنفرج الأزمة إلا بعد عودة السلطان محمد الخامس إلى عرشه، حيث دعيت خديجة على عجل إلى القصر الملكي فاستقبلها عاهل البلاد، وأخبرها بتخصيص معاش مدى الحياة وإقامة في المشور، مع إطلاق اسم علال بن عبد الله على بعض الشوارع.
في منتصف شهر شتنبر 2004، انتقلت أرملة الشهيد علال بن عبد الله، إلى عفو الله، بعد أن فارقت الحياة بمدينة فاس، عقب معاناة مع المرض والتنكر والجحود.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة