CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top
CAM ONLINE_Top
CAM – Campagne Mobile-Top

خرافات وأساطير جمّدت المغرب

خرافات وأساطير جمّدت المغرب

«أصبت بالذهول عندما رأيتهم يضعون كل شيء في مركز الساحة، وسرعان ما انهال عليها الراقصون. بعضهم بدأ يشرب الماء المغلي جرعة واحدة والبخار يتصاعد من الآنية ومن أنوفهم، فيما بدأ آخرون في التهام شوك الصبار. لكني لم أع ماذا وقع بعد، فقد أغمي عليّ فورا عندما رأيت شابا في مقتبل العمر يغرس في خديه سيوفا، فيما كان آخر يدخل قضيبا حديديا طويلا في فمه ليستقر في أمعائه. الكلام هنا لأحد المستكشفين، لم يتقبل عقله كل التفاسير الأسطورية التي قدمت له بشأن قدرة المغاربة على القيام بهذا النوع من الطقوس.. وهنا بالضبط بدأ عالم الخرافات والأساطير».

التاريخ الأسود للأكاذيب التاريخية
لعل أكثر الذين فهموا سر الخصوصية المغربية هو المقيم العام «ليوطي»، حيث قال في أولى السنوات التي جاء فيها إلى المغرب، إن الحكم في المغرب مرتبط بالمطر، وهكذا ربط بين السماء وبين السياسة، وفطن سريعا إلى أن البلاد تبقى مستقرة ما دامت السماء محافظة على علاقتها بالأرض. كلام ليوطي هنا لم يكن نابعا من فراغ، فقد استنتج بسرعة أن «المخزن» المغربي يسيطر على الأوضاع دائما عندما تجود السماء بالمطر، وأن الإنسان المغربي يكون سعيدا في الغالب، إذا كان الموسم الفلاحي جيدا، حتى ولو لم يكن فلاحا، وأصل المشاكل كلها هو الجفاف.
هنا بالضبط تبدأ علاقة المغاربة بالخرافة، فقد دخل البعض على الخط، وأوهموا الناس بقدرات خارقة يتنبؤون فيها بقرب هطول المطر لامتصاص غضب الناس.. لتصبح هذه الطقوس كلها، صماما للأمان.
«لنكن واقعيين. ماذا سيقدم رجل مهزوم بالبرد والجوع للناس الذين يخطب فيهم ويدعي أنه يملك قدرات خارقة أمامهم؟ لقد استغرق مني الأمر كثيرا، قبل أن أقتنع أنهم يستعينون بأشياء أخرى يؤثرون بها في الناس. ربما يكون الخوف..». الكلام هنا لأحد موظفي الإقامة العامة الفرنسية في المغرب، وهو أيضا من مرافقي ليوطي في سنواته الأولى في المغرب.
كغيره، لم يكن يثق في المغاربة ويرى فيهم خصوما له، خصوصا وأن بعضهم كانوا يبتسمون في وجه الأجانب ويتفربون منهم، في الوقت الذي يقوم به آخرون بطعن كل أجنبي يجدونه في طريقهم، كما وقع في الدار البيضاء قبل أن تقصف انتقاما للتمرد الذي قام به المغاربة ضد المستوطنين الجدد القادمين من أوربا.
الخرافة، لم تكن حكرا على المغاربة المسلمين، حتى اليهود كانوا يؤمنون بالخرافات والأساطير، وأفردوا لها كتابات كثيرة لا تزال قائمة إلى اليوم، كانوا يعتمدونها في تراثهم الشعبي وطقوسهم المحلية التي كانوا يحتفون فيها، مثل المسلمين تماما، بقبور بعض أوليائهم ورجالهم الذين لم تغادرهم «القداسة» حتى بعد وفاتهم.
بحسب بعض الروايات التاريخية، فإن اليهود المغاربة نسجوا أساطير كثيرة عن علاقتهم بالمغاربة المسلمين، خصوصا في الجانب الذي يتعلق بالاضطهاد الذي تعرضوا له. وفي التراث الشعبي اليهودي قصص كثيرة لنماذج من اليهود، كانوا قد دخلوا في مواجهات مع المسلمين، ولقوا حتفهم في تلك المواجهات، لتأتي الأساطير اليهودية وتحكي عن زياراتهم لمنازل عائلاتهم وعن آخرين يرون أطيافهم تحلق في السماء. ولعل أقوى الأساطير اليهودية تلك التي نسجت عن فتاة يهودية أعجب بها أحد المغرب قبل مئات السنين، وعرض عليها اعتناق الإسلام حتى يتمكن من الزواج بها، وتعرضت للتعذيب على يد المخزنيين حتى تقبل بدخول الإسلام، ولم يجدوا بدا من قتلها بعد تمسكها بالرفض حتى بعد تقطيع أطرافها، ليقوم اليهود بنسج أساطير عنها في ما بعد وتخصيص مزار لها يحيون فيه احتفالا سنويا، حتى أن قصتها أصبحت مكتوبة في بعض كتب التراث، بالرغم من تكذيب تلك الرواية التاريخية من طرف عدد من الباحثين الذين أكدوا أنها مجرد أسطورة، لا تتوفر على أي ضوابط تاريخية تدعم صدق تفاصيلها. وفسروا الأمر بأنه من المستحيل أن يقوم أحد بتعذيب سيدة وقطع أطرافها لإقناعها بالزواج، فحتى لو قبلت بعد الإكراه، فما فائدة الزواج من سيدة بدون أطراف؟ يبقى السؤال مشروعا بطبيعة الحال، لكن قصة الفتاة اليهودية، تحولت إلى أسطورة محلية، حتى أن بعض اليهود المغاربة القدامى ممن سكنوا المغرب، كانوا يزعمون أنهم يرون طيفها في القرى، وأنها كانت ترعى أبناء اليهود، بعد وفاتها، وتحميهم من الشر.
قصص أخرى مشابهة، في التراث المغربي عموما، عن أساطير لا يقبلها العقل ولا المنطق، لكنها كانت وربما لا تزال، جزءا مهما من التاريخ المغربي بمحطاته الكثيرة والمشتعبة.
الواقعة يشاهدها الإنسان بعينيه، لكن عقله يأبى أن يصدقها، أو يجد لها تفسيرا، فتأتي الخرافة لتقول إن الخوارق لا تعترف بالعقل.

الفخ الذي وقع فيه الفقراء الأولون بعد إيمانهم بالأساطير
لماذا لم يفلح الذين حاربوا الخرافة في حربهم ضد المعتقدات البالية، التي يُتهم أصحابها اليوم بأنهم بعيدون كل البعد عن الدين؟ الواضح أن الخرافة متجذرة في التاريخ المغربي، إلى الحد الذي أصبحت معه جزءا لا يتجزأ من الذاكرة الجماعية. وزارة الداخلية، ومعها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، تراعيان دائما الإشراف على الزوايا، علما أن قسما كبيرا منها غارق في الخرافة إلى الأذنين، حتى أن اتهامات قديمة وجهت إلى الزوايا، اعتبرتها المنبع الذي تخرج منه الخرافات والأساطير إلى الوجود، فيما اعتبرها، ولا يزال، آخرون بأنها رمز من رموز الخصوصية الدينية المغربية والاعتدال.
يبدو أن الشعرة الفاصلة بين الاعتدال الديني في المغرب، وبين الأساطير والخرافات، دقيقة إلى الحد الذي يسقط معه البعض في فخ الخلط بين الواقعين.. الزوايا كانت جزءا كبيرا من عالم الخرافات، وعجائب تقديس البشر لظواهر تبقى عصية على الفهم. سنرى في هذا الملف كيف أن المخزن استعان بالزوايا بعد أن هزمها شر هزيمة في فترات سابقة من التاريخ، لتتحول من دور الثائر على الدولة، إلى دور ناشر الخرافات لطمأنة الشارع والتحكم في تصرفات كتلة كبيرة من الفقراء والمريدين.
عندما بدأ النفوذ الاستعماري يبسط نفوذه على المغرب، كانت الزوايا سباقة إلى نشر الخرافة والأساطير، عن قدرات الإنسان الغربي وقوة جيوشه حتى لا يقوى أحد على المقاومة، ورغم المقاومة الشرسة التي ووجهت بها فرنسا خلال فترة الثلاثينات، فإن المناطق التي كانت تتقوى فيها الزوايا، خصوصا التي أثبت التاريخ أنها تواطأت مع فرنسا، فقد كانت مسالمة وخاضعة للنفوذ الفرنسي بدون مقاومة.
لا بأس إذن أن نذكر وبالترتيب، كيف أن بعض الزوايا نصبت «فخا» محكما للمغاربة بالاستعانة بالخرافات والأساطير، سنعيد التذكير بها هنا، بالاعتماد طبعا على المراجع المحلية التي اهتمت بتاريخ الزوايا وعلاقتها بالمخزن وبفرنسا أيضا. فقد جاء أن شيخ زاوية في فاس سنة 1911، كان يقول للناس: «إن النصارى ما جاؤوا إلى المغرب إلا بإذن الولي الصالح المولى إدريس» وإن أحدهم رأى المولى إدريس في المنام وخاطبه بالقول: «إن مدينة فاس لن يصيبها مكروه من جراء الاحتلال الفرنسي». أما في طنجة فقد خطب أحد زعماء الزوايا في الناس: «إن إرادة الله اقتضت تسليط النصارى على المسلمين، فالذين يقاومون النصارى إنما يقاومون إرادة الله».
أما في سوس فقد عممت رسائل بين شيوخ الزاوية الدرقاوية، بعثها إليهم علي الألغي، زعيم الزاوية، يوصي فيها أتباعه في مجموع الأقاليم بعدم إظهار أي مقاومة للاحتلال الفرنسي، وأن يتركوا الأمر «لله الواحد القهار»، وطلب منهم أن يقرؤوا: «سبحان الله ونعم الوكيل» مائة مرة في الصباح ومائة مرة في العشي.
وفي الإقليم نفسه، بتافراوت، وجه الشيخ محمد بن هاشم، شيخ زاوية تدعى «تيمكليشت»، نداء إلى السكان سنة 1933 يدعوهم إلى الكف عن المقاومة. الفرنسيون اجتاحوا المنطقة مثل الجراد وقطعوا أشجار الزيتون ليوفروا حطب التدفئة وأكلت دوابهم وخيولهم مزارع الناس، في الوقت الذي كانت الزاوية تدعوهم إلى الرضوخ، بل إنهم، كما جاء في كتاب بعنوان: «أمانوز لمحات تاريخية»، هتكوا أعراض النساء اللواتي لم يقدرن على الفرار إلى الجبال.
أما في الشمال، بين تطوان ووزان، فقد لعبت الزوايا الدور نفسه، حتى أن القوات الفرنسية سنة 1912 عمدت إلى توشيح شيوخ الزوايا بالأوسمة، حيث قام المارشال ليوطي بتوشيح زعيم إحدى الزوايا ووصفه بأنه «أحسن عميل سياسي أثناء الحملات العسكرية التي قادها الجنرال كورو».
عبد الكريم الخطابي الذي كان يقود ثورة في الريف، قام بمعاقبة شيوخ الزوايا على تعاونهم مع قوات الاستعمار الفرنسي والإسباني، حتى أن بعضهم فر بأمواله وأولاده واحتمى بقوات الاستعمار، خوفا من عقاب عبد الكريم الخطابي.
أما في دكالة، فقد كان بعض الشيوخ يطوفون الأسواق ويعتلون المنابر في خطب الجمعة، ويدعون الناس إلى عدم مواجهة الجيش الفرنسي.
هذا في الوقت الذي كانت فيه زوايا أخرى تقود حملات ضد الاستعمار وتؤلب الناس ضده، مثل الزاوية الريسونية، التي كان يتزعمها أحمد الريسوني، إذ اعتقل أتباعه مواطنين إنجليز وفرنسيين ولم يطلقوا سراحهم إلا بعد توصل الزاوية بفدية مقابل إطلاقهم..

أولياء جعلوا الناس يؤمنون بقدراتهم الخارقة ليتحكموا فيهم
لا أحد اليوم ممن يقفون في مراكز آلت إليهم بفضل تقلبات التاريخ، يود الاعتراف بأن الخرافة كانت جزءا من التاريخ، وحتى لو حاول البعض نفي هذا الأمر عن أبطال الأمس، فإن المصادر التاريخية، النادرة منها والرسمية، تبقى شاهدة على أن الخرافة والطقوس الروحية كانت محركا لكثير من الأحداث. في واحدة من أندر الشهادات التاريخية، والتي تعتبر لوحدها وثيقة تاريخية نابعة بالحياة، توجد إشارات قوية إلى استفحال الخرافة في التاريخ المغربي. مذكرات لم يسبق أبدا أن ترجمت إلى اللغة العربية ولم تصدر منها إلا طبعتان، تم توزيعهما في فترتين متقاربتين، صدرت سنة 1907، لصاحبتها «كاثلين بليديل». هذه الأوراق بعنوان «لوحات من الحياة في المغرب»، وتروي فيها هذه السائحة كيف أنها قضت أشهرا في المغرب ووقفت على كثير من الأمور التي جعلتها تفكر جديا في الكتابة عن رحلتها. تقول أيضا إن خصوصيتها، أي كونها امرأة، ساعدتها كثيرا على التوغل في المغرب، ومحاورة النساء، وهو الأمر الذي لم يتأت أبدا لأشهر الكتاب الذين كتبوا عن المغرب، لأن عالم النساء، كان أكثر تعاطيا مع الخرافة.
عندما كانت «كاثلين» تتجول في المدن الصغيرة، وصولا إلى فاس وإلى مكناس أيضا، استوقفتها خصوصية بعض القرى، حيث كانت قبور بعض الأولياء مزارا للمسلمين واليهود أيضا. «كانت السماء غائمة والجو كئيبا. وجدت بعض النساء المتشحات بالأثواب، إلى درجة لا يظهر منهن إلا العيون. حاولت الاقتراب منهن، لكن صراخ بعض الرجال من بعيد جعلني أعدل عن الفكرة. قال لي مرافقي والذي كان سائس خيول محترف، إن اقترابي من هذا المكان لا شك أن يُنزل غضبا بالقرية. لأن الأولياء لا يقبلون وجود الكفار بينهم. أخبرني أن النساء يقلن إن قبور الأولياء تسمح لهن بالإنجاب في حالة إصابتهن بالعقم، ويكفي أن يزرن قبر هذا الرجل ويتمسحن به حتى يصبحن قادرات على الإنجاب. لم أفهم كيف يصدق الناس هذه الأمور ويؤمنون بها ويتداولون قصصا عن نجاح صاحب القبر في إدخال السعادة إلى حياتهم. لم أعلّق. عدت إلى مكاني، ونصحني المرافق أن نواصل الطريق قبل أن ينزل علينا غضب هؤلاء الناس، لأنهم لا يطيقون وجودنا في هذا المكان».

خرافات غريبة أكدت جهل أصحابها بالدين والعلم
بدا أن خيط الخرافة أصبح واهنا، عندما بدأ الأوربيون بإدخال آخر الاختراعات العلمية إلى المغرب، وهكذا أصيب المغاربة بالذهول الحقيقي عندما رأوا خيوط الهاتف تمتد لمسافات طويلة، والسيارات تجوب الأزقة. لم يستوعب أحد كيف أن عربة تسير دون أن تجرها الخيول، وأكدوا أنها مسكونة بأرواح شريرة.. وبدا أيضا أن الفقهاء وزعماء الزوايا كانوا جاهلين بقدرات العلم على خدمة الإنسان، واستعملوا ورقة الخرافة لتفسير ما لم يجدوا له أجوبة في كتب التراث.. وحتى لا يكون موقفهم ضعيفا أمام الناس الذين ولا شك سيتهمونهم بالجهل، فإنهم عمدوا إلى تفسير كل تلك الأمور الجديدة على المغرب بأنها قوى خارقة وتوظيف للجن، وهكذا ألصقوا كل شيء بجدار الخرافة من جديد. وتقول بعض المراجع إن هذا التفسير كان له فضل كبير في تجنيب الزوايا والفقهاء، غضبا شعبيا كبيرا كان من شأنه أن يشكك في هيبتهم، خصوصا إذا ما بدوا عاجزين عن تقديم إجابات تشفي غليل الناس الذين كانوا مصدومين وهم يرون السيارات تجوب الشوارع، وعلى متنها أوربيون من جنسيات مختلفة، لا تظهر عليهم علامات تعاطيهم السحر ولا الشعوذة.
الحقيقة أن الأمر كان يجب أن يكون معكوسا. لأن الأمور التي كان يجب أن تلصق بالخرافة، هي ادعاءات أولئك الذين يزعمون امتلاكهم الخوارق.
العجز عن تفسير الظواهر، انتشر إلى أن بلغ الدائرة الضيقة للحكم في المغرب، حتى أن مصادر تاريخية أجنبية أكدت أن المولى عبد الحفيظ وقبله أخوه عبد العزيز، كانا يصابان بالصدمة عندما تعرض عليهما آخر الاختراعات الأوربية، وكانا يستغيثان دائما بالفقهاء لمحاولة تفسير قدرات الآلات العجيبة التي كان يستقدمها الفرنسيون والإنجليز إلى المغرب، لكن هؤلاء الفقهاء لم يكونوا يملكون أي تفسير، ويبادر أغلبهم بسرعة إلى ربط كل شيء بالسحر، والجن، كما حدث عندما رأوا كيف أن الهاتف ينقل الصوت بين الأماكن مهما كانت بعيدة، ليصابوا بالرعب ويفر أغلبهم من الغرفة متيقنين أن لعنة ما قد تنزل بالمكان. هذا الأمر كان يثير سخرية الأجانب، لكنه يكشف إلى أي حد كان المغاربة يؤمنون بالعوالم الأخرى، وبسيطرة الأساطير على كل شيء، إلى الحد الذي لم تكن فيه محاولة فهم الأمور علميا، ممكنة نهائيا.
الأمر لم يكن مقتصرا فقط على ما كان المغاربة يشاهدونه في الشوارع، بل تعداه إلى ما كان يحكى لهم أيضا على لسان الأوربيين. ولعل أقوى ما وقع في هذا الباب، أن أحد الفرنسيين، وكان يقدم نفسه في المغرب على أنه رجل أعمال ثري، كان يترك الفنادق ويفضل النزول في دور الضيافة القريبة من الأسواق، ليربط علاقات مع الأعيان وكبار التجار، ويلبي دعواتهم إلى مأدبات العشاء التي كانت تقام في الغالب على شرفه. كان يخبرهم بأمور كثيرة من بينها السفر عبر القطار الذي يقطع أطول المسافات في ساعات فقط، ونقلك من مدينة إلى أخرى دون أن تغادر كرسيك حتّى.. وعن الإنارة العمومية والمطابع والطواحين الهوائية وعن المعامل والسيارات. وقد ذكر في بعض كتاباته أنه كان يلجأ في بعض الأحيان إلى المبالغة حتى يضمن انبهار ضيوفه، الذين كانت، على حد قوله، أعينهم تتسع كلما بدأ في سرد تفاصيل الحياة في فرنسا، ويتابعون كلامه باهتمام إلى الحد الذي ينسون معه التهام الأكل الموضوع أمامهم. لكن أكثر ما كان يثير استغرابه، هو استخفافهم بكلامه بمجرد ما ينهي حكايته، حيث كانوا يرفعون أيديهم في الهواء باستخفاف ويضحكون في ما بينهم، واصفين إياه بالجنون وأن ما يحكيه لا يعدو أن يكون مسّا من السحر.

أخطر المحطات التي تجنّب فيها المغرب أزمات بـ«فضل الخرافة»
كان ممكنا أن تدخل البلاد في حروب طاحنة بسبب المجاعات وبسبب سوء تدبير «المخزن» لسياسته الضريبية، لكن بعض الرعاة الرسميين للخرافة، والذين كانوا أيضا يرتدون الجلابيب كالفقهاء تماما، إلى الحد الذي يستحيل معه الفصل بينهم، عملوا على نشر أفكار أثنت الناس عن المشاركة في تمردات جماعية، خصوصا في عهد المولى إسماعيل، أي قبل قرون على دخول السيارات وخطوط الهاتف إلى المغرب. لعبت الزوايا دورا كبيرا في احتواء الأوضاع.
وبما أننا نتحدث عن عهد المولى إسماعيل فلا بأس أن نعود بالأحداث إلى الوراء ونذكّر بهذا الجرد التاريخي البسيط، لنفهم كيف أن الزوايا، باعتمادها على الأساطير والقدرات الخارقة لزعمائها، كانت تخوض حروبا ضد الدولة، للانفصال نهائيا عن المغرب وتأسيس دويلة مستقلة، لكن المخزن كان يضرب بقوة لإيقاف مخطط الانفصال.
الزاوية الدلائية مثلا أعلنت العصيان في منطقة تادلة، ودخلت في حرب مع المخزن، وهزمت جيوشا في أكثر من واقعة، حيث كان القصر يرسل أفواجا من الجيوش تعوضها أخرى بعد الهزيمة، ليستمر الأمر لسنوات، ولم تحسم المعركة إلا في عهد المولى إسماعيل، حيث توجه بنفسه هذه المرة على رأس جيش قوي مجهز بمعايير ذلك الوقت وأقوى الرجال، ليتواجه مع الدلائيين ويكسر شوكتهم نهائيا.
بعد ذلك، وغير بعيد عن أطلال الزاوية الدلائية، قامت الزاوية الحنصالية بتمرد مسلح سنة 1733، انتهى بانتصار السلطان العلوي، المولى عبد الله، وإعدام الشيخ يوسف، زعيم الزاوية الحنصالية وقتها. حتى تكون نهايته عبرة لبقية زعماء الزوايا.
الزاوية الشرقاوية أيضا عرفت مواجهات حامية مع المخزن في فترات مختلفة، لكن نهاية ثوراتهم كانت في عهد المولى عبد الله، الذي أخضعهم بعد مواجهات ساخنة، تهدمت على إثرها زاويتهم وحكم على شيوخها بالموت تارة والنفي تارة أخرى، بعد أن كان نفوذهم يصل إلى حد التحكم في التجارة والأسواق، وبسط النفوذ على قبائل في مختلف الأرجاء المحيطة بنفوذ الزاوية الترابي.
الزاوية الدرقاوية أيضا لعبت دورا أساسيا في الحروب التي شنت ضد السلاطين، إذ شاركت في الحرب التي أنهت حكم السلطان مولاي سليمان عام 1818، باعتقاله وقتل ابنه إبراهيم. حيث كان الدرقاوي علي أمهاوش، يترأس الجيش الذي خرج لمحاربة السلطان الذي كان يسعى إلى ضبط تمرد القبائل وتوسعها المستمر واستقوائها الاقتصادي.
بعد هذا الجرد الذي يعود إلى فترات قديمة، جاءت الفترة التي كانت فيها الزوايا، قد استوعبت الدرس، وعلمت أنها لا يمكن أبدا أن توجد خارج الدائرة، فقبلت، على مضض ربما، أن تحتفظ لنفسها بمكان داخلها، وهكذا عمل زعماء الزوايا على السيطرة على عقول المريدين بالخرافات والمزاعم التي كان لها دور كبير في إخماد الغضب العارم، خصوصا في السنوات التي كان فيها الجفاف يضرب كل شيء، وتفرض الدولة الضرائب التي كان لها وقتها وقع الضربة القاضية. وهكذا جنبت الزوايا الدولة الوقوع في حروب لا أحد يعلم كيف كانت ستنتهي، بالاعتماد على الخرافات، ولعل أقواها، ما كان يروج عن قدرات بعض الزعماء ومدعي الكرامات على الاطلاع على الغيبيات، وامتصاص غضب الفقراء، وإيهامهم أن المطر سيهطل بعد سنتين، وأن كل شيء سيكون على ما يرام!

تاريخ الخارقين الذين يشربون الماء المغلي ويثقبون أجسادهم بالسيوف
هذه الظاهرة لا تزال منتشرة إلى اليوم، لكن بداياتها الأولى كان لها وقع كبير في نفوس الذين استكشفوا المغرب للمرة الأولى ورأوا تلك الظواهر. يقول أحد الرحالة المغامرين، ممن سبق لهم زيارة الشرق قبل التفكير في المجيء إلى المغرب، إنه دعي مرة سنة 1893 إلى أحد التجمعات المحلية في أحد المداشر القريبة من مكناس، حيث تسلل من الفريق الذي جاء معه من منطقة جبل طارق، واستغل ملامحه التي لا تشي بأنه أوربي وشعره الذي يميل إلى السواد، لكي يتنكر ويخالط المغاربة، مدعيا أن أصوله مشرقية، وهكذا استطاع المكوث لأشهر في القرى القريبة من مكناس، وكيف أنه حضر أحد المواسم السنوية التي تقام في أحد الأضرحة هناك. «أعطوني رداء محليا يشبه الجلباب، لكنه كان مهلهلا أكثر مما يجب. التجمع سيكون بعد العصر في ساحة تتوسطها شجرة علقت عليها أثواب كثيرة بألوان متعددة. قالوا لي إن فرجة كبيرة ستقام في المساء، وإن آلاف الناس يأتون كل سنة لمتابعة تلك العروض. ظننت للوهلة الأولى أن الأمر يتعلق بعروض ترفيهية، وتحمست كثيرا لمتابعة كل شيء من بدايته إلى نهايته. كان ضاربو الطبول سبقوا الجميع إلى الساحة، وبعد ساعة تقريبا التحق بهم بعض الرجال الذين كانوا يرتدون أسمالا متهالكة، وأخذوا في الرقص بطريقة هستيرية، وبعد دقائق، جاء إليهم بعض الرجال يحملون سيوفا وسكاكين وقطبانا حديدية حامية، وحاويات غريبة لمياه شديدة الغليان، بالإضافة إلى فروع شوكية لنبتة الصبار. أصبت بالذهول عندما رأيتهم يضعون كل شيء في مركز الساحة، وسرعان ما انهال عليها الراقصون. بعضهم بدأ يشرب الماء المغلي جرعة واحدة والبخار يتصاعد من الآنية ومن أنوفهم، فيما بدأ آخرون في التهام شوك الصبار. لكني لم أع ماذا وقع بعد، فقد أغمي عليّ فورا عندما رأيت شابا في مقتبل العمر يغرس في خديه سيوفا، فيما كان آخر يدخل قضيبا حديديا طويلا في فمه ليستقر في أمعائه. عندما استيقظت لم أدر كم مر من الوقت وأنا على تلك الحال، لكني لم أعد أسمع أي أصوات بالخارج. في المساء، عندما كنا نتناول العشاء، قالوا لي إن أولئك الناس خارقون ويتوفرون على كرامات غير عادية تجعلهم يقومون بتلك الأعمال.. لم أعلّق».
في المقاطع الأخرى من مذكرات هذا الشاب الذي وقعها باسم W. James، يقول إنه لم يستطع أبدا أن يفهم كيف قام أولئك الناس بتلك الأفعال الخطيرة، لكنه بالمقابل شكك في التفسير المحلي الذي قدم له، وقال بشكل واضح إنه لا يصدق أبدا أن يكون هناك إنسان خارق للعادة أو صاحب قوى خفية، وأرجح أن يكون للأمر علاقة بتداريب استبقاية، مستدلا بما كان قد شاهده في مستعمرة بريطانية في الهند، كان سكانها يمشون على الجمر دون أن تبدو عليهم علامات الألم، وأسر له أحدهم أنهم كانوا يتدربون لسنوات على الأمر، لكنه عاد ليستسلم لحيرته، إذ من المستحيل أن يتدرب إنسان عادي على ثقب جسده بالسيوف والقضبان الحديدية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة