GCAM_Top
TM_Top
TM_Top-banner_970x250

خسارتنا الفادحة

نقول عادة إن المدرسة مؤسسة للتنشئة الاجتماعية، لكننا لا نتحدث إلا قليلا عن دور محيطها السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ترسيخ هذا الدور. فنجاح المدرسة العمومية في نماذجها الأوربية والأمريكية والآسيوية الحديثة في لعب دورها لم يكن إلا نتاجا لمحيط يحترمها ويحترم القيم التي تمثلها، فما يراه التلميذ الأوربي والأمريكي والسنغافوري والياباني مكتوبا في كتاب مدرسي أو حصة دراسية بمدرسته، يراه ملموسا في سلوك السياسيين والموظفين والعمال وعموم الموظفين. ففي مجتمع أوربي أو أمريكي أو آسيوي يعتبر تواجد طفل خارج المدرسة كارثة مزلزلة، من الطبيعي جدا أن تكون للمدرسة بعدها المؤثر على استمرار القيم المدنية التي وضعها المؤسسون الأوائل لهذه المجتمعات المتقدمة. من هنا نفهم معنى أن يدرس الطفل الياباني قيم احترام الآخر قبل أي معرفة علمية، والطفل الأمريكي قيم العمل والجدارة والاستحقاق قبل أي علم أو تقنية، لأن تعلم المعارف واكتسابها مسألة قابلة لأن تستدرك دوما، وهي مشروع مفتوح مدى الحياة. لكن أن يتم الخطأ على مستوى تعلم القيم، فهذا ما سينسف الأمة بأكملها. من هنا يعرف التلميذ في هذه النماذج الناجحة معنى التواصل والعمل والإقناع والحس النقدي، لأنه عندما سيتخرج من المدرسة سيجد كل هذه القيم شاخصة في الحياة السياسية والدورة الاقتصادية.
طبعا عندنا، وبعيدا عن خطاب جلد الذات، فعندما يصبح تواجد أطفال في سن التمدرس، مشردين يستجدون الإعانات في المحطات وتقاطعات الطرق، دون أن يثير ذلك أي أحد من المسؤولين والبرلمانيين، اللهم إلا الأجهزة الأمنية التي تتعامل معهم بصفتهم «مزعجين».. وعندما نجد حياة سياسية قائمة على الزبونية والولاءات العائلية والفئوية، وحياة اقتصادية ريعية، وحياة اجتماعية وثقافية مفعمة بالتناقضات.. عندها نفهم لماذا يلجأ تلامذتنا للغش في الامتحانات بأي ثمن، ولو بتعنيف من يمنعه، بل ومحاولة قتله.
لنحاول النظر إلى سلوك أطفالنا وهم يخرجون من المدارس، إلى سلوكهم في الشوارع العامة والحدائق، لننظر إلى منسوب الاحترام في سلوكهم، سواء للبشر أو الحجر أو حتى الحيوانات، فعندما نجد جماعة من التلاميذ يعبرون الشوارع المكتظة بالسيارات دون احترام للحد الأدنى من قوانين السير، وعندما نسمعهم يخاطبون بعضهم البعض بسوقية لا نكاد نجد لها مثيلا، فعندها سنستنتج أي خسارة منينا بها في هذا التعليم. وعندما نجد وزيرا لم يحصل على الباكلوريا، ولم يمنعه هذا من مراكمة ثروات مكنته من احتكار منصبه على رأس بلدية تدبر الحياة اليومية لعشرات الآلاف من المواطنين، ولم يمنعه «عدم تعليمه» من الحصول على منصب وزاري في حكومة ما بعد 2011. عندها نفهم احتقار تلامذتنا لقيم الجدارة والاستحقاق في الامتحانات. فيلجؤون لشراء النقط أو التملق أو الغش لأنهم يرون في الحياة العامة أن الوصول لا يمر بالضرورة عبر طريق الكفاءة. لذلك يبدو لزعماء الأحزاب الحكومية الحالية وهم يطبخون تحالفاتهم، أنهم إنما يمارسون «السياسة» لكن ما يفسدونه بسلوكياتهم أكبر وأخطر من أن يتم تبريره.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة