خطاب الديكتاتور

خطاب الديكتاتور

عندما اندلعت عاصفة من الانتقادات الساخرة والمستهجنة لقيام وزير الطاقة بتجهيز ديوانه بسرير للنوم وحمام، لم يجد الوزير المحترم من جواب يقدمه لدافعي الضرائب الذين جهز غرفة نومه الوزارية على حساب أموال ضرائبهم، سوى أن سعادته يرفض استبلاد المغاربة من خلال إيهامهم بأشياء غير حقيقية.
والواقع أن بعض هؤلاء الوزراء هم من يحاول استبلاد المغاربة لاعتقادهم بأن الشعب بليد ولا يفهم وبالتالي يسهل «تجعيبه».
ولعل أكبر مثال على هذا الاستبلاد هو أن نسمع وزير العدل وما تبقى من حريات يقول إنه لن يتساهل في القانون الجنائي مع مفطري رمضان وممارسي الجنس خارج مؤسسة الزواج، وفي الغد نسمع وزير السكنى نبيل بنعبد الله يقول إنه يتعهد بالدفاع عن حقوق مفطري رمضان وممارسي العلاقات الجنسية الرضائية.
لأول وهلة يبدو الأمر كما لو أن وزير العدل مصطفى الرميد يجلس في الحكومة والسيد نبيل بنعبد الله يجلس في المعارضة، والحال أنهما معا يتعايشان منذ ما يقرب أربع سنوات في حكومة واحدة.
فكيف إذن سيعارض وزير السكنى وسياسة المدينة نبيل بنعبد الله قانونا سيتقدم به وزير العدل باسم الحكومة التي ينتميان إليها معا؟ ومتى كان وزراء الأغلبية يعارضون قوانين الحكومة التي تتقدم بها الحكومة التي ينتمون إليها؟
من خلال تصريحات وزراء الحكومة المتعارضة حول قوانين تمس صميم حياة المواطنين اليومية وحرياتهم، لا يسعنا سوى أن نقول إن هناك شيئا ما غلط في تركيبة هذه الحكومة سينفجر عاجلا أم آجلا.
لقد طرح الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش في قصيدته الرائعة «خطاب الديكتاتور العربي»، سؤالا وجوديا لا يزال البحث عن جواب له يؤرق مفكرينا، على قلتهم، منذ أن خرجنا من القبيلة إلى الدولة، عندما صاح درويش على لسان الحاكم العربي وهو يرى هوية شعبه منقسمة بين الشرق والغرب، من نحن؟
ليردف بسؤال أخطر هو أقرب منه إلى الجواب، هل نحن حقا غلط؟
والحقيقة أن السؤال الثاني هو بالضبط ما يجب طرحه على حكومتنا شبه الإسلامية شبه العلمانية، تلك الحكومة التي تشبه «دربالة الهداوي» بجمعها في سلة واحدة بين دعاة الاجهاض ومناهضيه، وبين دعاة إلغاء عقوبة الإعدام والمتمسكين بها، وبين دعاة التعدد في الزوجات ومعارضيه، وبين دعاة الحرية الفردية وممارسيها، فهم كما يقول درويش، حقا غلط، حتى أن وزير العدل وما تبقى من حريات، من فرط حماسه، أخرج كل القوانين التي كانت منسية في رفوف وزارته دفعة واحدة، لينفض عنها الغبار ويفتح على نفسه جبهات لا حصر لها، في الوقت الغلط.
غير أن حرص السيد بنكيران على الحفاظ على مقعده بأي ثمن، نكاية في شباط ومن معه بعدما فشلوا في أن يسحبوا البساط من تحت رجليه، جعله يقبل راضيا بكل التنازلات المبدئية الممكنة، وأن يرضي نزوات أي عنصر احتياط يقبل أن يكمل إلى جانبه المباراة إلى نهايتها، وأن يمنحه شهادة حسن السيرة والسلوك بأثر رجعي.
فالسيد بنكيران أصبح أسير موقعه الجديد، فهو لم يعد يستطيع النزول إلى الشارع أو التهديد بذلك لفرض اختياراته أو لمعارضة خطط العلمانيين كما كان يفعل في السابق، والأخوات اللواتي كن يجمعن له المتظاهرات في مسيرات الاحتجاج جربن اليوم حلاوة الكراسي الوزارية ونعيم الدواوين المكيفة، وألفن الحضور في حفلات عروض الأزياء والقفاطين المطرزة بالذهب والأحجار الكريمة، ولم يعد باستطاعتهن العودة إلى «التحياح» تحت أشعة الشمس الحارقة وركوب الحافلات المهترئة التي عوضنها بالدرجة الأولى في الطائرات الذاهبة نحو الولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت السيدة الحقاوي وزيرة مكلفة بالتنسيق مع الاتحاد الأوربي وكندا في دعم مشاريع تحرر المرأة، والسهر على تنفيذ توصيات قمة بيكين ونتائج سيداو وتنزيل مقاربة النوع التي سبق لها أن جيشت ضدها مسيرة بالدار البيضاء، أما السيدة سمية بنخلدون فهي منشغلة بالتحضير لمراسيم خطوبتها مع وزير العلاقات، الله يكمل عليهم.
وكأني بالسيد بنكيران أصبح يردد على منوال محمود  درويش، وهو يرى أنه أصبح أفضل من يخدم مخططات البنك الدولي ويرعى شعارات الحداثة والتحرر الغربية، يقول:
آن لنا أن نلقن العفاريت والتماسيح مبادئ السلم والعفو، سنقطع عنهم جميع الذرائع كي لا يفروا من البلد، أو يهربوا أموال هذا الشعب المسكين إلى الخارج، ماذا يريدون؟
يريدون عفوا عن المهربين، أهلا وسهلا، لقد عفا الله عما سلف.
يريدون وقف محاكمة الفاسدين، أهلا وسهلا، سنستبدلها بمحاكمة الصحافيين، وعلى رأسهم صاحب «الأخبار» الذي لا يريد أن يفهم أننا غيرنا مواقفنا مثلما غيرنا معاطفنا القديمة بالبدلات الأنيقة وطردنا عن وجوهنا تلك الملامح «المعظمة» وأصبحنا بفضل المسؤوليات «محنكين».
يريدون تقنين الاجهاض السري، أهلا وسهلا، سنعوضها بإجهاض أحلام الشعب في العدالة ومحاربة الفساد والاستبداد.
يريدون إلغاء عقوبة الاعدام، أهلا وسهلا، سنستبدلها بإعدام كل الوعود التي قدمناها للشعب واكتشفنا بعد أربع سنوات من المسؤولية أننا كنا واهمين عندما قدمناها.
يريدون الحرية الفردية، أهلا وسهلا، سندافع عنها حتى داخل حكومتنا «المحترمة».
يريدون المهرجانات «الماجنة»، أهلا وسهلا، بل إننا سنحضرها حتى يتبخر سوء الفهم.
يريدون الإبقاء على «مواخير المكسيك» أهلا وسهلا، وسنعطيهم المزيد من الميزانيات لكي يفتحوا مواخير إضافية.
يريدون التطبيع الاقتصادي مع  إسرائيل واستقبال شمعون بيريز، أهلا وسهلا، لقد سبقناهم واستضفنا صهيونيا في مؤتمرنا الحزبي اسمه عوفير وأهديناه درعا تكريميا.
يريدون التنكر لمرسي واستقبال السيسي، أهلا وسهلا، وسنتنكر للإخوان المسلمين وسنقول إننا لم نكن في يوم من الأيام نعرفهم.
سنعطيهم ما يشاؤون منا وما لا يشاؤون كي نحمي الإصلاح في ظل الاستقرار، والاستقرار عندنا في كرسي الحكومة أقوى من أي إصلاح، والحفاظ على تجربتنا الحكومية من الإجهاض، أقوى وأغلى من إجهاض بضعة أجنة في بطون أمهات عازبات، فهم «بانضية» عفاريت وتماسيح، ونحن مدرسة في الكرم».

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة