خطة الصبيحي لوضع التراث المغربي بين أيدي لوبيات العقار

خطة الصبيحي لوضع التراث المغربي بين أيدي لوبيات العقار

كريم أمزيان
لاحظ عدد من أطر وزارة الثقافة أنه «ليس هناك ملف أبدى فيه محمد أمين الصبيحي، وزير الثقافة عجزه، مثل ملف التراث». العشرات من العقارات، المصنفة ضمن التراث العالمي والوطني، وضعت الوزير في حيص بيص أمام تربص المستثمرين في العقار. حسب هؤلاء فأنسجة المدن العتيقة تتجه نحو تغييرات راديكالية، ولا توقفها إلا قرارات بعض مفتشي المباني التاريخية.
ففي مدينة الرباط؛ المصنفة حديثاً (2012) ضمن لائحة التراث العالمي، بنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية مسجدا في منطقة الحماية الخاصة بالآثار، فيما هناك حديث عن مشروع بناء برج لمؤسسة بنكية بمنطقة الحماية بسلا. والأمثلة تتكرر في فاس ومكناس ومراكش والصويرة.
رفض المفتشين هو الذي يقي المعالم، التي تسيل لعاب المستثمرين من الزحف العمراني، إلا أن تخطيط الوزارة لتنزيل مشروع هيكلة جديدة، تتوافق والتقطيع الجهوي الحالي، سيمحو عدداً منها.
الخطة التي تخيف المفتشين، تستمد مشروعيتها من مشروع مرسوم تقدم به محمد أمين الصبيحي وزير الثقافة، يوجد في الأمانة العامة للحكومة، قد يخرج في الأيام المقبلة إلى الوجود، من أجل المصادقة عليه في مجلس حكومي، من خلال مروره عبر مسطرة التشريع الخاصة به، قبل دخوله حيز التنفيذ، فضلاً عن مشروع قرار، يعيد تنظيم هيكلة الوزارة، أعده تماشيا مع التقطيع الجهوي الجديد، تتوافق بموجبه عدد مفتشيات المباني التاريخية، مع عدد الجهات في المغرب، وهو المشروع الذي كان قد أثار موجة غضب واسعة وصاحب إعداده استياء عارم وسط مفتشي المباني التاريخية، حتى رغم المصادقة عليه والعمل به.
المشروعان أشعلا النار داخل دواليب الوزارة، خصوصاً وسط الفئة التي يستهدفاها. فالمذكرة التقديمية لمشروع المرسوم، تشير إلى أنه «جاء من أجل ضبط الطلبات المتعلقة بالترخيص لأشغال البناء والترميم وإعادة التأهيل والهدم، وكذا إبداء الآراء حول المخططات والمشاريع وأشغال التهيئة ودراسة الأثر»، وهي المهام التي يتكلف بها في الأصل المفتشون التابعون للوزارة، ويعملون على حماية تراث المغرب والمحافظة عليه، في حين، أن المصادر المطلِعة على الملف، تؤكد أن مشروع المرسوم، «جاء ليقضي على دورهم الفعال، خصوصاً أنهم يقفون «حجرة عثرة» أمام كبريات المشاريع العقارية، التي تكون وزارة السكنى وسياسة المدينة التي يوجد على رأسها محمد نبيل بنعبد الله، طرفاً فيها، والتي تسعى من خلالها، إلى الزحف على موروث المغرب من المباني والآثار التاريخية، من خلال المضاربات العقارية.
أما الذين اطلعوا على الملف وحيثياته، فلا يترددون في التأكيد على أن «مشروع المرسوم، ومشروع القرار، جاء نتيجة تنسيق بين الوزيرين، بالنظر إلى أن وثيقة مشروع القرار، والمذكرة التقديمية للمرسوم، تشيران إلى أنه «يهدف إلى تطبيق مقتضيات المادتين 20 و23 من ضابطة البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص، والوثائق المقررة بموجب النصوص التشريعية المتعلقة بالتعمير والتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات».
التبرير، الذي استنجد به الوزير الصبيحي، من خلال «إملاءٍ» من الوزير بن عبد الله، وفق مصادر مقربة منهما، هو«التحجج بتطبيق فلسفة الجهوية المتقدمة، وتنفيذها على هيكلة الوزارة، كما جرى في عدد من الوزارات»، غير أن ذلك صاحبه بحسبها، «محو» لدور المفتشين، خصوصاً أن مشروع المرسوم ينص على «إحداث لجنة جهوية للمباني التاريخية والمواقع على مستوى كل مديرية من المديريات الجهوية للثقافة، تولي إبداء الرأي في مجال المباني التاريخية والمواقع، فيما يتعلق بطلبات الترخيص لأشغال البناء والترميم وإعادة تأهيل والهدم واقتلاع الأشجار وحول المخططات والمشاريع وأشغال التهيئة»، ما يعني وفق المتتبعين، أن لوزارة السكنى وسياسة المدينة دخل كبير في الملف، فضلاً عن أنه ينص على «إحداث لجنة وطنية للمباني التاريخية والمواقع، داخل المديرية المسؤولة عن التراث الثقافي بالوزارة، تتولى البت النهائي في طلبات التراخيص»، علاوة على مهام أخرى متعلقة بـ «بروتوكولات التفاهم الدولي والتعاون الدولي بخصوص الأبحاث الأركيولوجية، فوق التراب الوطني، وكذا دراسة طلبات الترخيص بالتنقيب والقيام بالحفريات الأركيولوجية سواء في البر أو في المياه الإقليمية والداخلية للمملكة».
بخصوص هذه المعطيات، اتصلت “الأخبار” بالوزير الصبيحي من أجل أخذ رأيه، غير أن هاتفه ظل يرن دون أي إجابة.
فما هي أهم مضامين مشروعي المرسوم والقرار المذكورين؟ وكيف يرى المفتشون أنهما يأتيان حماية لمضاربات عقارية «مجنونة»؟ وما الذي جعلهم يعلنون تذمرهم من الوزيرين  الصبيحي وبنعبد الله؟
الجنرال ليوطي ومفتشيات المباني
بالنظر إلى ما «حققته» وزارة الثقافة، في عهد الوزير الصبيحي، يؤكد المهتمون بالمجال، وفق ما جاء في دراسات حديثة حول تاريخ التشريعات، لكل الباحثتين ريما فاضيلي توتان وهيلين فاشير، أن لمفتشيات المباني التاريخية بالمغرب تاريخ أصيل، فهي بالأساس مؤسسات تابعة لوزارة الثقافة، وتعد الحصون المنيعة التي تذود عن التراث المغربي في شقه المادي، وتمنع انجراف بعض المسؤولين إلى محوه، خصوصاً أنهم يحسبونه وعاءً عقاريا، وحدة قياسه؛ المتر المربع والمتر المكعب.
فبالرجوع إلى تاريخ نشوء المفتشيات بالمغرب، والتي تشير إلى أن السياسيين اليوم، وعلى رأسهم محمد أمين الصبيحي وزير الثقافة، يحاولون محوها وتقزيم دورها، والحد من صلاحياتها، في الوقت الذي لعب الجنرال «هوبير ليوطي» -Hubert Lyautey- المقيم العام للحماية الفرنسية بالمغرب، دوراً كبيراً في حمايتها، ما جعل الكثير من الباحثين يطلقون عليه لقب «باني المغرب الحديث»، بالنظر إلى ما قاده الرجل من أعمال في المملكة، ومع ما أظهره بحسبهم من احترام للمعتقدات والعادات الدينية، واحترام دور المؤسسات الاجتماعية القائمة، كما أولى اهتماما خاصا للموروث التاريخي المغربي في شقه المادي، عبر إصدار سلسلة من الإجراءات التشريعية على شكل ظهائر سلطانية، وبلغ عددها حوالي ثلاثة عشر ظهيرا ومرسوما، كان أولها ظهير 26 نونبر 1912، الذي نص على حماية الموروثات المادية القديمة التي تمس تاريخ المغرب سواء كانت على شكل بنايات معمارية أو منقولات فنية مع تقييد المباني التاريخية في كناش خصوصي. فالظهير الذي يعد الأول من نوعه، حدد أصناف التراث الواجب المحافظة عليها وترتيبها، وجرى تثمينه وتتميمه بظهير شريف ثان بتاريخ 13 فبراير1914، خصص لتصنيف المباني التاريخية ذات الصبغة الخاصة أو المعنوية وتنظيم الوعاء العقاري، وترتيب المواقع والمناظر الطبيعية، وكذا تحديد مناطق الحماية حول المعالم التاريخية. وفي 28 فبراير 1921 تم إنشاء المديرية العامة للمعارف العمومية والفنون الجميلة والصنائع القديمة، فيما تمت في 1 أبريل 1924 إعادة تنظيم مصلحة المعالم التاريخية والقصور السلطانية والإقامات، مع إعطائها اسما جديد، هو «مصلحة الفنون الجميلة والمعالم التاريخية». وفي 31 ماي 1935 صدر ظهير حذف مصلحة الفنون الجميلة والمعالم التاريخية، وحوّل صلاحياتها لسلطات مفتشيات المباني التاريخية.
هكذا صار مفتشو المباني التاريخية، ذوو الكلمة الفصل في ما يتعلق بالتدخل في النسيج العتيق. وهو ما كان وراء معركة ضارية بين المؤرخ والأثري الذائع الصيت هنري طيراس ومفتش التعمير في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، والتي فرض فيها مفتش المباني التاريخية كلمته كمتدخل في الأنسجة العتيقة للمدن المغربية ومناطق الحماية الخاصة بها.
ولعل مذكرات مارسيل فيكير، أبرزت كيف اهتم المقيم العام للحماية الفرنسية بالمغرب، إذ قال فيها إنه «خلال إحدى زياراته لمراكش، كان المارشال قد أطلق صرخة مدوية أرعب بها الجميع، فلقد اصطدم بوجود بناية عظيمة الأحجام وبالغة القبح، وقد استقرت في وسط «جامع الفنا» مطلقة حكما بالإعدام على هذا المكان الذي اشتهر في المعمور بأسره بسحره وروعة مضمونه ومنظره الملتحم بالكتبية التي تعانق سماء الأطلس»، مضيفاً «أما مالك المبنى فهو السيد إسرائيل، أحد أعيان الملاح. أما المسؤولون؟ فهم مهندس المبنى وممثل مصلحة الفنون الجميلة مع موافقة كل المصالح الأخرى. بلغ الغضب بليوطي مداه، رأوه يرفع قبعته العسكرية ويضرب بها الأرض ثم ينزل عليها سحقا بحذائه العسكري مزمجرا وصارخا ومهددا، بأن يضرب المبنى بقنابل الديناميت، وبأن يعاقب المسؤولين أسوأ عقاب. لا شيء يخيف في المغرب مثل غضب المارشال.
وفي ما يخص صلاحيات المفتش، على لسان المقيم العام في المغرب الذي قنّنها، قبل أن يأتي الصبيحي وقبله آخرون، لإعادة تحديدها، فقد كتب فيكير أن «المارشال ليوطي أرسل في طلبه ليلا وهو يخلد للنوم في فندق عبر المحيط قرب البطحاء بفاس، وبعد التحية قال له: «أنت معيّن الآن مفتشا للفنون الأهلية بفاس، وستتحمل مسؤولية مفتش الفنون الجميلة والمباني التاريخية، ستكون عيني التي أرى بها عند اقتراح أي مشروع، وستتخذ القرار بعد أن تسأل نفسك: ماهو رأي المارشال؟  إذا اعترضتك أية عقبات ومصاعب أرسل لي تلغراما. بإمكانك المغادرة»، وفق ما جاء في مذكراته.

الصبيحي يستشير الضحاك حول «شرعية» تدخلات المفتشين
راسل إدريس الضحاك الأمين العام للحكومة محمد أمين الصبيحي، وزير الثقافة، يرد على سؤاله حول «شرعية» تدخلات مفتشي المباني التاريخية والمواقع، في ما يخص مراقبة التخطيط المعماري، عند تفحص طلبات البناء. الأمين العام للحكومة اطلع على المراسلة ذات المرجع رقم 14/203 بتاريخ 23 ماي 2014، فأجاب الصبيحي مخبرا، أنه بالاعتماد على ظهير 01 أبريل 1924 وفصليه الأول والثاني، يتبين أن لمفتشي المباني التاريخية، الحق في النظر في هذه الطلبات دون العودة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالثقافة.
إجابة الضحاك حول المحافظة على المباني التاريخية، ركزت على استعراض تاريخ التشريعات المتعلقة بالموضوع بدءاً بظهير 1912، مرورا بظهير 1924، ووصولا إلى ظهير 1945، وبعده قانون 22-80. وتبين وفق كل ذلك، أن لمفتشي المباني التاريخية الحق في التدخل في المدن العتيقة ومراقبتها، لكن في الوقت نفسه، كانت صلاحيات المفتشيات تخضع لتسلسل إداري محض، مثّـله على سبيل المثال، إبان الاستعمار الفرنسي «مدير التربية العمومية»، وحصره قانون 22-80، في السلطة الحكومية المكلفة بالثقافة.
ولم تغفل الإجابة كذلك، التخطيط المعماري، وما يقع من مضاربات عقارية، لم يتردد المفتشون في وصفها بـ «المجنونة»، إذ تبين من خلالها أن الصلاحيات التي منحت لرؤساء الجماعات، ومعهم السلطة الحكومية المعنية والوكالات الحضرية، فيما يخص طلبات تراخيص البناء الخاصة بالمباني العمومية والفضاءات والساحات العمومية، قد جعلت ظهير 1924 متجاوزاً، وحصرت تدخلات السلطة الحكومية المكلفة بالثقافة (ومعها مفتشو المباني التاريخية) في التدخل في المباني المرتبة ومناطق الارتفاقات المرتبة، ونزع ملكية العقارات المرتبة من أجل المنفعة العامة.
رسالة الأمين العام للحكومة، اعتبرها بعض المتتبعين »درسا لن ينسى، استفاد منه الوزير الصبيحي»، بالنظر إلى أنها خلصت إلى  أن «تدخلات السلطة الحكومية المكلفة بالثقافة، ومفتشي المباني التاريخية والمواقع، تخص المواقع المرتبة على لائحة التراث»، بيد أن السؤال الذي يطرح نفسه باستغراب وحيرة كبيرة، كيف يسأل وزير قطاع ما عن «شرعية» صلاحيات مصالح تعتبر تابعة له؟ علما أن هذه المصالح (مفتشيات المباني التاريخية) تمثل الحصن الحصين لحماية الآثار المرتبة، منذ عهد الاستعمار، في الوقت الذي كان ينتظر منه أن يسأل الأمين العام للحكومة عن إمكانية نقل الحماية القانونية للمواقع والمباني المرتبة، إلى المواقع الموجودة في لائحة الجرد؟، وكذا أخذ مشورته من أجل أن تعمل على تقوية المفتشيات، ومؤازرتها بدل التشكيك في شرعية تدخلاتها؟

«مخاطر» الهيكلة الجديدة
الخطوات التي أقدمت عليها الدولة، يلخصها منتصر لوكيلي الكاتب العام لجمعية لخريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، في خلق مؤسسة للمتاحف، وبذلك يكون مكون تراثي قد اجتزأ عن أصله، مشيراً إلى أن الجمعية نبهت إليه، ثم أتبعت ذلك بضم المدارس العتيقة والمكتبات التراثية إلى وزارة الأوقاف، وألغت القانون الخاص بالمحافظين، واعتبرتهم متصرفين في اجتثاث لطبيعة عملهم التقني، دون الأخذ بعين الاعتبار تكوينهم بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، فضلاً عن أنه تم التفكير في التدبير المفوض للمباني التاريخية». لوكيلي تحدث مع «الأخبار»، وهو مستغرب  الحديث الذي يدور الآن بين أطر وزارة الثقافة، عن إلغاء مجموعة من مفتشيات المباني التاريخية، والذي اعتبره قرارا يدخل ضمن القرارات التي تصنع في الدوائر العليا، دون الإنصات إلى رأي المشتغلين بقطاع التراث، معتبراً ذلك يسير في تناقض تام مع مقتضيات دستور 2011، سيما الفصل 13 والفصل 14 منه.
فالمشتغلون في حقل التراث، وقع لهم لبس كبير، إذ وصلت بهم الدرجة إلى حد الشك في طبيعة العلاقة التي تربط الوزير الصبيحي والتراث، والتساؤل بشأن سبب ما وصفوه بـ «الكراهية الكبيرة» التي يكنها لهذا القطاع بالذات، فاليوم يعد هيكلة جديدة لوزارته، يقولون إنها ستمحو مجموعة من مفتشيات المباني التاريخية (وبعضها في أماكن مصنفة على لائحة التراث العالمي)، وقبل ذلك حاول تمرير مشروع قرار بتحديد اختصاصات وتنظيم المصالح اللاممركزة التابعة لوزارة الثقافة (على ضوء التقسيم الجهوي الجديد)، وهو ما لم يكتب له النجاح، وكانت جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث قد تصدت له من خلال بعثها رسالة مطولة.
مشروع الهيكلة الجديدة ومشروع قرار اللجان الجهوية، يسجلان وفق إجابة الجمعية، تراجعا كبيرا على بعض المكتسبات، التي من شأنها ضمان استمرارية العناية بقطاع يحاول حفظ الذاكرة المغربية، ومن بين هذه المكتسبات، خلق مجموعة جديدة من مفتشيات المباني التاريخية والمحافظات (تازة، الجديدة، أسفي، الصويرة، القنيطرة…)، بل والرغبة في التخلص من مراكز الدراسات التابعة للوزارة، وإن كان هناك من استنتاج، فالمفتشون توصلوا إليه، وسجلوا تذمر الوزارة من الإزعاج الكبير الذي يحدثه المفتشون والمحافظون، من خلال دفاعهم المستميت والمتواصل عن التراث الوطني، وكذا التذمر الكبير الذي ما فتئ يعبر عنه بعض رؤساء الجماعات المحلية، مؤازرين بمسؤولين ترابيين آخرين من قرارات المفتشين، التي غالبا ما تكون عائقا أمام مضارباتهم العقارية التي يصفها المفتشون بـ «المجنونة»، أو «التدخلات غير الناضجة واللاعقلانية» في مكونات التراث الثقافي، وهو ما يحرج بعض المسؤولين المركزيين بوزارة الثقافة، فيجعل كل القرائن، تشير بحسبهم إلى أن المقصود بمشروع هذا المرسوم، هو الاستمرار في تخلي السلطة الحكومية المكلفة بالتراث، عن ما تبقى لها من وصاية على هذا التراث بجميع أشكاله، تاركة ذلك لصالح متدخلين آخرين.
ومن نماذج ذلك، إلحاق بعض المنشآت العسكرية التاريخية باللجنة الوطنية للتاريخ العسكري، وتفويت المتاحف للمؤسسة الوطنية للمتاحف، على الرغم من تضارب القوانين وتناقضها وانعكاس ذلك سلبا على التحف والمتاحف، وفق ما يؤكده العارفون في المجال في كل المناسبات، الذين يضيفون كذلك، إلحاق المدارس العتيقة والمكتبات التراثية بكل من فاس ومراكش بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، واستئثار وزارة الفلاحة بالمواقع الطبيعية دون تنسيق مع وزارة الثقافة.
وبالإضافة إلى ذلك، فإنه جرى التنبيه إلى طلب وزارة السكنى وسياسة المدينة، كل الدراسات والمعلومات التي تتوفر عليها المفتشيات، حول المواقع الأثرية والمباني التاريخية، من أجل العمل على جرد التراث الوطني وتثمينه، من خلال مراسلة وزير السكنى الموجهة إلى السادة مفتشي الوزارة عبر جهات المملكة، غير أن هذه المراسلة استرعت انتباه المفتشين، بعدما وضعوا تساؤلاً بشأن مدى قدرة وزارة كهذه على تثمين التراث الوطني، وتبريرهم في ذلك، هو ما وصفوه بـ «سطوها» على عدد من الأراضي. وما استرعى انتباههم كذلك ترك وزارة الثقافة لعدد من صلاحياتها لقطاعات وجهات أخرى، من بينها إعداد وزارة السياحة مشروعا خاصا بتثمين القصبات والقصور التاريخية، في الجنوب المغربي ووضعه أهداف استراتيجيتها في أفق سنة 2020، علاوة على العمل الذي تقوم به وزارة السكنى وسياسة المدين، بالمدن العتيقة عبر العديد من البرامج دون تنسيق مع مصالح وزارة الثقافة. أما في المجال التشريعي، فقد تم التنبيه إلى المرسوم 2.13.424، الصادر بتاريخ 24 ماي 2013 ، المتعلق «بالموافقة على ضابط البناء العام المحدد لشكل وشروط تسليم الرخص والوثائق المقررة، بموجب النصوص التشريعية المتعلقة بالتعمير وا
لتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات والنصوص الصادرة لتطبيقها»، الذي لم يذكر مصالح وزارة الثقافة ضمن الأعضاء غير الدائمين في دراسة طلبات رخص البناء وترك السلطة التقديرية لرؤساء الجماعات، لاستدعائهم ضمن آخرين، إذا ما كانت هناك ضرورة لذلك. وكان من الممكن بحسب جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، أن يتضمن المرسوم مادة إضافية تتعلق بالأنسجة العتيقة يكون حضور وزارة الثقافة ضمن أعضائها واضحا، إذا ما تمت المطالبة بذلك في الوقت المناسب، رفعا لكل لبس أو تحايل، وهو ما لم يقع.
جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، نبهت إلى أمور عدة، ومن بينها ما سمته بـ «محو» وزارة الثقافة الإطار الخاص بالمحافظين (وكلهم من خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث) واعتبارهم متصرفي إدارات عمومية، ما جعلها تعتبره «اقتلاع جذري» لطبيعة عملهم التقني سنة 2011، وهو ما دفعهم إلى مقارنة وضعهم مع خريجي المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي الذين أكدوا أن الوزارة حافظت على طبيعة عملهم كأساتذة للتعليم الفني.

فشل لقاءات الوزارة مع المفتشين
بعد شيوع خبر اعتزام وزارة الثقافة الرضوخ للوبي المنعشين، ساد غضب في أوساط المفتشين والمحافظين على حد سواء، ما جعل الوزير الصبيحي يدعو إلى اجتماع مع جميع مفتشي المباني التاريخية، فحضروا إلى مقر الوزارة، وعقد الاجتماع في 03 فبراير، بقاعة الديوان بوزارة الثقافة بحضور عبد الله العلوي مدير التراث.
ما لاحظه الذين حضروا الاجتماع، هو أنه بدل مناقشة جوهر المشكل، بدا وكأن محمد لطفي المريني الكاتب العام للوزارة، الذي ترأس الاجتماع، يحاول امتصاص امتعاض المفتشين ويرمي إلى إقناعهم بأنصاف الحلول من خلال عرض مضمون المنظومة الجديدة بشكل مختصر وضبابي، وكذا ما سماه «تحيين القوانين المتجاوزة» في إيحاء وصفوه بـ «الماكر» لمناطق الحماية، التي تسيل لعاب المضاربين العقاريين على اعتبار أنها منتهكة، وما أثار استغراب الكثيرين، هو أن بعض المفتشين طالبوا بعقد بهذا الاجتماع منذ أزيد من سنتين، لكن دون أن تلقي أي جواب. حاول المريني مجددا أن يشرح للمفتشين، أن التقطيع الجهوي الجديد سيمنح المواقع المصنفة تراثا عالميا وحدات «تسيير» لتحترم بها التزام المغرب باتفاقية اليونسكو 1972 الخاصة بالتراث العالمي، رافضا أن تخصص أي تمثيلية لبعض المواقع الهامة التي لم تصنف بعد، وهي في لائحة المقترحات كواحات فيكيك ومدينة تازة ومدينة مولاي إدريس زرهون، ثم أكد أن التقسيم الجديد للمنظومة الخاصة بالوزارة، «يهدف إلى إنجاز توصيات المجلس الأعلى للحسابات، القاضية بإخراج عدد من المباني من الترتيب في عداد الآثار»، وهنا تدخل محمد العزوزي مفتش المباني التاريخية والمواقع لجهة تازة الحسيمة تاونات، فنبه إلى أن ما يجب القيام به، مطالباً بـ «أن يبحث قضاة المجلس الأعلى للحسابات، عن أسباب الخروقات التي طالت هذه المباني، قبل إخراجها من الترتيب، ومباشرة الإجراءات الزجرية في من كانوا السبب فيها وإرجاع الوضع إلى ما كان عليه، بدل الهروب إلى الإمام وإخراجها من الترتيب».
المفتشون أصروا على ضرورة تمتيع المفتشيات باستقلال إداري ومالي، عن المديريات الجهوية لوزارة الثقافة، نظرا لما للمفتشيات من خصوصية، مرتبطة أساسا بالوزارة، وهو المبتغى الذي يستحيل تحقيق وفق ما تبين من خلال ذلك اللقاء. فهم يؤمنون بأن «المدير الجهوي (كمنصب تتحكم السياسة بشكل كبير في بلورة قراراته) لا يمكن إلا أن يكون أداة طيعة في يد المصالح المركزية والترابية، على العكس من منصب مفتش المباني التاريخية الملزم قانونا بالسهر على تطبيق كل الظهائر والمراسيم والقرارات الوطنية وكذا الاتفاقيات والمعاهدات والمواثيق الدولية التي تعنى بالمحافظة على التراث الوطني المادي واللامادي والطبيعي»، وقد أشار بعض المفتشين في تدخلاتهم إلى أن المشكل القائم بين مفتش المباني التاريخية والمدير الجهوي، ومن قبله المندوب الجهوي، هو مشكل يعود إلى سنين خلت، بالنظر إلى خلل بنيوي في المنصبين، ويرون أنه بدل معالجة الخلل من أصوله، واعتماد المنصبين كممثلين للقطاع كل حسب اختصاصه، على غرار قطاعات حكومية أخرى كالفلاحة وسياسية المدينة والأوقاف، التي تعتمد مندوبية للأوقاف ونظارة للأحباس، فإن الصبيحي مقتنع بأن هذا الاختيار لا يمكن أن يحقق أهدافه الاستراتيجية.
وعندما ذكر بعض المفتشين أن اجتثاث الإطار الخاص بمحافظي المباني التاريخية والمتاحف سنة 2011، واعتماد إطار متصرفي الإدارات العمومية بديلا عنه، قد أفرغ مهامهم من مضمونها، وصار من الصعب على المفتشين إقناع خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث (المتصرفين) بالعمل الميداني ومتابعة الأوراش، إذ إن إطارهم أصبح لا يضم مثل هذه المهام.. وبالتالي صار لزاما على الوزارة استرجاع الإطار الخاص بالمحافظين لتضمنه هذه المهام الميدانية وتحيينه، لم يبد الوزير الصبيحي أي استعداد لمباشرة هذا الملف، على الرغم من أن المفتشيات والمحافظات، يرونها في حاجة ماسة إلى عمل ميداني متواصل، ولن يكون لعملها معنى دون إطار خاص بالمحافظين يحدد مهامهم، وهو الأمر نفسه الذي يخشون أن تتحول إليه وضعيتهم كمفتشين.

منتصر لوكيلي: «الحل هو حوار وطني حول التراث ثم صياغة ميثاق وطني وإعادة العمل بالقانون الخاص بالمحافظين وتثبيت المفتشيات»

  • وزارة الثقافة بصدد إعادة تقطيع جديد لمصالحها اللاممركزة، على ضوء التقسيم الجهوي الجديد، إلى أي حد سيمحو التقطيع المقترح عددا من مفتشيات المباني التاريخية والمحافظات، وهل أخذت الوزارة مشورة جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث؟

لم تأخذ وزارة الثقافة مشورة جمعيتنا، ولم تطلب رأيها أصلا. على الرغم من كونها تضم أغلب المفتشين والمحافظين. لكن ليست هذه أول مرة تعمل فيها الوزارة على ملفات تراثية مصيرية، دون أن تعود إلى استشارة العاملين في قطاع التراث والعارفين به. فقد سبق أن اقترحت وزارة الثقافة مشروع مرسوم إحداث اللجنة الوطنية واللجان الجهوية للمباني التاريخية والمواقع، وهو المشروع الذي ناقشناه في جمعنا العام العادي بتاريخ 27 دجنبر2015 بالرباط، وصغنا رداً متكاملاً حوله، وأرسلناه إلى الوزارة وطالبنا فيه بتشكيل لجنة مختلطة ثلاثية تضم ممثلين عن جمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار وممثلين عن مفتشي المباني التاريخية، وممثلين عن وزارة الثقافة، يعهد إليها العمل على صياغة أكثر اتزانا لهذا المشروع، وهو ما لم تستجب الوزارة له. أما عن تقسيم المصالح الممركزة، فلم نتوصل بأي مقترحات أو دعوات للتشاور، وما اطلعنا عليه عبر بعض وسائل الإعلام المكتوبة ينذر بما لا تحمد عقباه، إذ إن مجموعة من المواقع المصنفة تراثا عالميا، أو في طريقها للتصنيف المذكور ستفقد وحدات التسيير المتمثلة في المفتشيات، كما هو الحال بالنسبة إلى مكناس وتازة وآسفي والصويرة وتطوان والقنيطرة، وهو ما سيعود بالوبال على المكونات التراثية التي لا تقدر بثمن، ويناقض التزامات المغرب مع اليونسكو واتفاقية 1972 بتوفير وحدات تسيير لكل ممتلك ثقافي مصنف تراثا للإنسانية أوكل ممتلك مرشح لهذا التصنيف.

  • ما هي بنظركم الانزلاقات التي أضرت بالتراث الثقافي وتهدده في جوهره؟

التراث الثقافي ينسجم كليا مع بعضه البعض، وغير قابل للتقسيم والتجزيء، وكان حريا بالدولة، أن تعمل على إنشاء وكالة لتدبير التراث الثقافي، تتمتع بالاستقلالية الإدارية والمالية ويرأس مجلسها الإداري وزير الثقافة، لكن اختيارات الدولة تمثلت في خلق مؤسسة للمتاحف، وبذلك اجتزأت مكونا تراثيا عن أصله، وهو ما نبهت إليه جمعيتنا في العدد الثالث من مجلة التراث المغربي، الذي خصصته لموضوع إنشاء المؤسسة المذكورة، ثم أتبعت (الدولة) ذلك بضم المدارس العتيقة والمكتبات التراثية إلى وزارة الأوقاف، وألغت القانون الخاص بالمحافظين واعتبرتهم متصرفين في اجتثاث لطبيعة عملهم التقني، ودون الأخذ بعين الاعتبار تكوينهم بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث. فضلاً عن أنه تم التفكير في التدبير المفوض للمباني التاريخية، ويتم الحديث الآن عن إلغاء مجموعة من مفتشيات المباني التاريخية، وكل هذه القرارات تصنع في الدوائر العليا، دون الإنصات إلى رأي المشتغلين بقطاع التراث، وذلك في تناقض تام مع مقتضيات دستور 2011، سيما الفصل 13 والفصل 14 منه.

  • ماذا تقترحون –كجمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث- كحلول للخروج بالتراث المغربي من المآزق التي تسببها كثرة المتدخلين وضعف حيلة الوزارة الوصية؟

يجب الشروع أولا في إنجاز الحوار الوطني حول التراث الثقافي، على غرار الحوار الوطني لإعداد التراب، بمساهمة جميع المتدخلين، ثم العمل على صياغة ميثاق وطني ينبثق من الحوار المذكور، والعمل كذلك على إعادة العمل بالقانون الخاص بالمحافظين وتحيينه، وتثبيت مفتشيات المباني التاريخية والمحافظات، وتزويدها بآليات العمل، خصوصاً أنها تضطلع بأدوار هامة، تتمثل في الحفاظ على الموروث الثقافي، وتسهر على تطبيق وفرض احترام النصوص التشريعية الخاصة بالمواقع الأثرية والمدن العتيقة، باعتبارها تراثا ماديا ذا حمولة حضارية تعكس الهوية المغربية الضاربة في القدم.
*الكاتب العام لجمعية خريجي المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث

محمد العزوزي: «مشروعية تدخل مفتشي المباني التاريخية أصبحت مستهدفة»

  • ما هي صلاحيات مفتش المباني التاريخية؟

لقد استطاع مفتشو المباني التاريخية منذ إنشاء هذا الإطار مع أول مفتش؛ وهو مارسيل فيكير انتزاع صلاحيات واسعة للمساهمة في تأطير المجال الحضري، ومن ثم المحافظة على التراث الوطني في كل تجلياته، عبر كل ربوع التراب المغربي. وفي إطار الصراع بين مفتشية التعمير والهندسة المعمارية ومفتشية مديرية الفنون الجميلة، تم إسناد بعض الاختصاصات التي كان يطلع بها مفتش المباني التاريخية إلى المهندس البلدي وذلك خارج المدن العتيقة. لقد تم هذا التفويت في عهد الصراع المرير بين هنري طيراس وميشال إيكوشار. وعلى الرغم من التغيرات التي ستعرفها هذه المؤسسة منذ تبلورها في ثلاثينات القرن العشرين، أي قبل إنشاء وزارة الثقافة بالمغرب، فقد حافظت على صلاحياتها وأدت دورها على أحسن وجه، محافظة بذلك على الموروث التراثي للمملكة. وبالعودة إلى الترسانة القانونية التي تمت صياغتها من أجل ترتيب وتصنيف المباني التاريخية والطبيعية، وكذا الإشراف على مشاريع الترميم ورد الاعتبار النموذجية، يظهر جليا دور مفتش المباني التاريخية.
ولعل آخر دور وجد مفتش المباني التاريخية نفسه يقوم به، هو التصدي بكل حزم ومسؤولية لعبث المضاربين العقاريين، ومن يؤازرهم من الإدارة الذين يتربصون بالمناطق الممنوعة البناء، المحيطة بالمدن العتيقة، لما أصبح لها من قيمة مادية في سوق العقار، والتي يعود إليها الفضل في المحافظة على عدة مدن عتيقة كفاس ومكناس وسلا وتازة.

  • ما هي إكراهات عمل مفتش المباني التاريخية؟

إذا ما نحن تجاوزنا سوء توزيع الموارد البشرية بين المصالح المركزية والمصالح الخارجية، الناتج عن الارتجال الذي يطبع عمل الوزارة في غياب أي رؤية استراتيجية لتدبير هذه الموارد، يبقى الإكراه الكبير هو محاولة الوزير التخلص من هذا الإطار (مفتش المباني التاريخية) الذي يعتبره، بحسب تصريحه في أحد الاجتماعات، موظف بصلاحيات كبيرة ومواقف مزعجة. لذا كان مشروع إعادة صياغة منظومة الوزارة الفرصة المواتية للتخلص بشكل ذكي من هذه المؤسسة وإلى الأبد، وبذلك نجح الوزير فيما فشل فيه إيكوشار.
ومن بين الإكراهات التي يعانيها المفتش، غياب مؤازرة المصالح المركزية له أثناء دفاعه عن تطبيق القوانين المحافظة على التراث، عندما يكون هناك نزاع إما مع مسؤولين ترابيين أو رؤساء جماعات ترابية أو بعض المضاربين العقاريين من الخواص النافذين.

  • ألا تعتبرون أن صيغة «المفتش» قد صارت نوعا ما متجاوزة؟ ومن الأفضل اعتماد صيغة إدارية بديلة؟

الأمر ليس مسألة تسميات، بل قضية صلاحيات وأعراف وسمعة، عرفت بها مفتشيات المباني التاريخية منذ إنشائها، وتستمد مشروعيتها من تاريخها العريق. هذه المشروعية هي التي أصبحت مستهدفة. وبمسح مفتشيات المباني التاريخية من الوجود، ستسقط كل القوانين التي نعتمدها الآن،  للمحافظة  على التراث الوطني، والتي تذكر هذه المؤسسات بالاسم، وبتغييره يصبح القانون ملغا بالفعل.
إن الواقفين على هذا المشروع، يعلمون علم اليقين أن المفتش يقوم بكل ما من شأنه المحافظة على التراث الوطني في كل تجلياته، كيفما كان تراثا ماديا أو ثقافيا أو طبيعيا أو لاماديا، من خلال المحافظة القانونية والتقنية، إلا أنهم يصرون على «تقزيم» دور المفتش، وربطه فقط بالتراث المادي. لذا نصر على الاحتفاظ بهذه التسمية، لما لها من دلالات تاريخية واجتماعية تسهل مأمورية المفتش.

  • يدور الحديث حول إعادة هيكلة مصالح وزارة الثقافة، على ضوء التقطيع الجهوي الجديد، وعن محو مجموعة من المفتشيات، كيف تنظرون إلى هذه الخطوة؟

إن إعادة هيكلة مصالح وزارة الثقافة، لمواكبة الجهوية المتقدمة، كانت فرصة تاريخية أمام الوزير من أجل الرقي بمصالح هذه الوزارة، خصوصا الخارجية منها، لكي تتسم بالفعالية المطلوبة وتصبح بذلك أكثر قربا من المواطنين، إلا أن الذي وقع، هو بدل تنزيل مضامين الجهوية المتقدمة، أصبحنا أمام جهوية مركزية، إذ لاحظنا في مقترحات الهيكلة، تجميعا لجل المصالح التي كانت قريبة من المواطن في مركز الجهة، وتم حذف مجموعة من المفتشيات التي كانت تسير بعض المدن العتيقة كمكناس وتازة وتطوان والجديدة والصويرة، مع العلم أن كل هذه المدن، إما أنها مصنفة تراثا كونيا أو مسجلة في لائحة المواقع المقترحة تراثا عالميا، وبالتالي تصبح وزارة الثقافة ملزمة بخلق مفتشيات إقليمية بهذه المدن، إن هي أرادت أن تكون مواكبة للمواثيق الدولية ومنظمة اليونسكو، وإلا ستصبح هذه المواقع مهددة بالتشطيب عليها من لائحة التراث العالمي.
ويبقى الحل الأمثل في نظرنا من خلال التجارب السابقة، هو خلق مفتشيات جهوية في عواصم الجهات ومفتشيات إقليمية بالمدن المسجلة تراثا عالميا أو مقترحة لتصبح تراثا عالميا. هذا مع إعطاء المفتش الجهوي استقلالا تاما عن المدير الجهوي للثقافة ويمكنه بذلك أن يمثل الوزير جهويا ومحليا في كل ما له علاقة بالتراث، على غرار قطاعات أخرى كوزارة سياسة المدينة ووزارة الفلاحة ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، التي يمثلها محليا ناظر الأوقاف والسيد مندوب الشؤون الدينية.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة