خط أحمر في السياسة الجزائرية

يصعب تصديق أن السلطات الجزائرية انزعجت، لمجرد صدور بيان وقعه شعراء وأدباء ومبدعون مغاربة وجزائريون، يدعون فيه إلى معاودة فتح الحدود البرية المغلقة بين البلدين الجارين.
لكن الواقع يشير إلى أن الانزعاج حدث فعلا، لأن السلطات الجزائرية لا تريد لخلافاتها مع المغرب أن تصبح قضية رأي عام، إلا في نطاق الاتجاه السلبي. على عكس ذلك، تسعى بكل الوسائل لنقل هذه الخلافات إلى مربع رابطة العلاقات التاريخية والثقافية والاجتماعية القائمة بين الشعبين. ومنذ أدركت أن قضية الصحراء لا تثير لدى الرأي العام الجزائري أي إشكاليات، عملت بشتى الطرق على زرع الألغام والأحقاد لتقديم المغرب بصورة «الخصم والعدو». ولم يكن قرار إغلاق الحدود البرية من طرف واحد، وسريان مفعوله على رغم انتفاء كافة مبرراته الإدارية والإجرائية، إلا وسيلة ضمن ممارسات متعددة الأطراف لتكريس التفرقة وعدم الثقة.
المعروف أن أي مشكلة، مهما كانت حدتها، تبدأ في التلاشي عند إزالة وإلغاء أسبابها، وفي قضية الحدود المغلقة التي دخلت عامها الواحد والعشرين قبل أيام، حدثت تطورات إيجابية، شملت إلغاء نظام التأشيرة على المواطنين الجزائريين الراغبين في زيارة المغرب، وردت الجزائر على الإجراء بمثله بعد مضي بعض الوقت، إلا أن الكرة استقرت في ملعبها، كونها هي التي اتخذت قرار إغلاق الحدود من جانب واحد. وبالتالي تبقى ملزمة بنقضه، من خلال قرار فتح الحدود.
عوض ذلك يأتي انزعاجها إلى درجة توجيه انتقاد إلى وزارة الثقافة الجزائرية، وفق ما تردد من معلومات، لتأكيد حقيقة أن قرار إغلاق الحدود كان جاهزا في أجندة السياسة الجزائرية، ينتظر أي فرصة أو تبرير. ومن أسباب ذلك أن السلطات الجزائرية تسكنها مخاوف حقيقية من عدوى انتقال التجربة المغربية، سياسيا واقتصاديا وثقافيا. وفي الوقت الذي انبرى فيه النظام الدولي القائم على عولمة المجالات والثقافات والسياسات والمبادلات الاقتصادية والتجارية، في اتجاه إلغاء الحواجز والحدود، تأبى الجزائر إلا أن تكون استثناء في التمسك بالجمود والانغلاق وإقفال الحدود.
شيء سريالي وغير قابل للفهم أن تتحدث الجزائر عن بناء اتحاد مغاربي، من منطلق إقامة سوق مغاربية مشتركة، فيما تنصب الحدود المغلقة حاجزا أمام حرية تنقل الأشخاص والسلع والبضائع والممتلكات. وعلى منوال هذا التباين الفاضح لا تفتح الجزائر حدودها على الشريط المحاذي للمغرب، إلا عندما يتعلق الأمر بتسهيل تسلل جموع المهاجرين غير الشرعيين واللاجئين، لأنها ترغب فعلا في «إغراق» المغرب بأعباء مضاعفة، خصوصا في ظل التزام الرباط سياسة إدماج المهاجرين.
الأدهى من ذلك أن السلطات الجزائرية أقحمت كل الملفات والقضايا الإقليمية في محور خلافاتها مع المغرب التي لم تعد تقتصر على قضية الصحراء فقط. بل امتدت إلى ملامسة الموقف من التهديدات الإرهابية والتحديات الأمنية المنبعثة من الساحل الإفريقي، ولم تستثن خطوات المصالحة الليبية أو مساعي تفعيل البناء المغاربي، ما يدل على تجذر عقلية العداء المتحكم. وجاء الدور على مثقفين جزائريين لمجرد أنهم عبروا عن موقف جماعي يحيل على تطلعات الشعبين الشقيقين.
يرتفع منسوب الحساسيات الجزائرية عند تناول أي ملف أو قضية يكون المغرب طرفا فيها. وهذه حالة غريبة على العلاقات بين الدول، فبالأحرى بالنسبة لبلدين جارين يرتبطان برصيد مشترك في روابط التاريخ والانتماء ووحدة المصير المشترك. لكن الرسالة تذهب أبعد من ذلك. إذ تؤكد أن مسألة بحث الحدود المغلقة ليست واردة اليوم أو غدا. ذلك لأن من يفكر بمنطق المستقبل يترك الباب مفتوحا ولا يغلق كافة النوافذ والروافد.
إذا كان الخطاب المغاربي قد تراجع إلى حد كبير، فمصدر ذلك أنه لا يمكن التلويح برهان تدل كل المؤشرات على أنه يراوح مكانه، بين الجمود والتعثر والإغراق في الشوفينية القطرية. فاللامغرب عربي أصبح مهيمنا ليس بسبب انكفاء الجزائر على مشاكلها الداخلية، كما هو حاصل ببلدان أخرى مثل ليبيا أو غيرها، ولكن لأن الأسس التي بني عليها المشروع لم يعد مفعولها ساريا في العلاقات البينية ومتعددة الأطراف. وما لم تتم العودة إلى استحضار تلك الأسس التي تشمل احترام مبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للغير، ورفض إيواء واحتضان أي حركة معارضة لأي دولة عضو في الاتحاد المغاربي.
ستسود حالة الشلل إلى أكبر وقت ومساحة ممكنة. أما حظ المثقفين الجزائريين، فليس أكثر من التنبيه إلى أن الانفتاح على المغرب أصبح خطا أحمر في منطوق ومفهوم السياسة الجزائرية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وصحفي

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة