خيانة الأمانة

 

 

 

كشفت قضية رئيس جماعة الفضالات ورئيسة جماعة ولاد علي، اللذين اعتقلهما الأمن بشبهة الخيانة الزوجية قبل إطلاق وكيل الملك سراحهما لعدم ثبوت التهمة، عن المشكل العميق الذي تعاني منه جهات ومدن المغرب.

زوجة الرئيس قالت إنها هي من ساهمت رفقة عائلتها المعروفة بالمحمدية، في حصول زوجها على منصب رئيس جماعة، بمساعدته على دخول المجال السياسي وتقديم مساعدة مالية وصلت قيمتها إلى 220 ألف درهم.

أما الرئيسة فقد قالت متباهية إنها ورثت تسيير جماعتها من والدها الذي بدوره ورثها عن أبيه.

نحن هنا أمام نوعين من نماذج التسيير «الجماعي»، من الجماعة وليس شيئا آخر، الأول يعتبر التسيير الجماعي استثمارا للمستقبل وعملا قارا مدرا للدخل، فيما الثاني يعتبر التسيير الجماعي ملكية تتوارثها العائلة أبا عن جد.

هاتان للأسف هما العقليتان السائدتان في مجال التسيير الجماعي بالمغرب، واللذان بسببهما تتخبط المدن والجهات والقرى في الفوضى والتخلف العمراني والاجتماعي والمجالي.

إن أكبر معرقلي الاستثمار في المدن والجهات هم رؤساء الجماعات والبلديات الذين يفرضون إتاوات على المقاولين، وهناك واحد، يوجد في الإقليم نفسه الذي وقعت فيه نازلة الرئيس والرئيسة فرض دفع مبلغ 300 مليون على مقاول لكي يمنحه الرخصة، ونجح في أن يخرج منه مبلغ 100 مليون.

وإذا كان هناك شخص اسمه حواص في بلدية حد السوالم استطاع أن يجمع المليارات بفضل التسيير الجماعي فهناك في كل المدن حواصات مثله أو أكبر منه يبتزون المقاولين والمستثمرين، وهكذا فهؤلاء المقاولون عندما يعطون الرشوة للحصول على الرخص يضطرون إلى الغش في البناء وعدم احترام المساحات الخضراء ودفاتر التحملات، والنتيجة هي انتشار البشاعة العمرانية في كل مكان وتفشي الغش في البناء.

وللتعرف على هؤلاء اللصوص المتنكرين في ثياب مستشارين جماعيين ورؤساء مجالس بلدية يكفي فقط استرجاع الحالة التي كانوا عليها قبل خمس عشرة سنة ومقارنتها بالحالة التي أصبحوا عليها اليوم.

فهذا أستاذ لم يكن يملك أكثر من دراجة «موبيليت» يذهب بها نحو الإعدادية فأصبح الآن مليارديرا يركب «الميرسيديس كلاص»، ويبيع ويشتري في العقارات.

وهذا كان مجرد حارس في مدرسة فأصبح مالكا لعقارات وأراض، والآخر كان يركب «بيكالا» ويوزع فواتير استهلاك الماء ويقرأ القرآن على الموتى في المقبرة لكي يكمل مصاريف الشهر، فأصبح بقدرة قادر يسوق سيارة كات كات «توارغ» ويسكن فيلا ويملك شققا يكتريها في مدن شاطئية.

إن أمثال هذه النماذج موجودون في كل مدن وجهات المغرب، ويكفي أن تتحرك أجهزة الرقابة المالية لكي تحقق معهم حول مصادر ثرواتهم وممتلكاتهم لكي يتساقطوا مثل أوراق الخريف، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من هنا وليس من مكان آخر.

فأمثال هؤلاء هم من سمحوا، بسرقتهم لأموال دافعي الضرائب ووضعها في حساباتهم وخزائنهم، بتشويه المدن وساهموا في انتشار الجرائم العمرانية وعرقلوا التنمية وأنتجوا بؤر الإدمان والتوحش داخل التجمعات السكنية.

إن بعض هؤلاء الرؤساء الذين يسيرون شؤون المواطنين اليومية لم يكتفوا فقط بسرقة الميزانيات بل إنهم عرقلوا صرفها. وحسب إحصائيات رسمية للخزينة العامة للمالية هناك 35 مليار درهم لم تصرفها الجماعات المحلية، بسبب عدم إنجازها لحوالي 65 بالمائة من المشاريع الاستثمارية المقررة.

نحن إذن أمام قوم «ما يرحمو ما يخليو رحمة سيدي ربي تنزل»، فهم يتوفرون على الميزانيات ولا يكتفون فقط بسرقتها وتبديدها بل يمتنعون حتى عن صرف «داك الشي اللي شاط ليهم فيها».

لذلك فنحن لسنا بحاجة إلى تفتيش الشقق التي يختلي فيها رؤساء ورئيسات الجماعات مع عشاقهم وعشيقاتهم، فهذا شأنهم وتلك حياتهم، ما يهمنا كدافعي ضرائب هو التفتيش في لوائح ممتلكاتهم وممتلكات زوجاتهم وأبنائهم، ومراجعة لوائح صرفهم للميزانيات ومنح الرخص والامتيازات، للبحث عن الخروقات والتجاوزات واسترجاع المال العام المنهوب.

لقد توصلت الداخلية بـ19 تقريرا في إطار المواكبة والتتبع التي تقوم بها السلطات الإقليمية لبعض الجماعات الترابية، تضمنت في مجملها ملاحظات حول التجاوزات التي تهم المجال المالي والإداري ومجال التعمير، وكذا مختلف الصراعات التي تعرفها هذه المجالس بين الأغلبية والمعارضة.

وقد قامت مفتشية الداخلية بإنجاز ما مجموعه 64 مهمة تفتيش، أسفرت عن تسجيل مجموعة من الخروقات، يتعلق أغلبها بقطاع التعمير، من خلال عدم التسلم النهائي لأشغال تجهيز التجزئات، ومنح إذن مخالف للقانون بإتمام أشغال تجهيز التجزئات لم تتم داخل الآجال القانونية المحددة في ثلاث سنوات على الترخيص، كما سجلت المفتشية خروقات تتعلق بالترخيص ببناء عمارات سكينة دون الحصول على الرأي الموافق للوكالة الحضرية، وتسليم شواهد إدارية دون احترام القوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ومنح رخص بناء فوق قطع أرضية ناجمة عن تجزيء غير قانوني أو بمناطق محرمة للبناء، وعدم تفعيل مسطرة زجر المخالفات في ميدان التعمير في حق بعض المخالفين.

أما بشأن تدبير مداخيل الجماعات فقد سجلت المفتشية عدة خروقات، ومنها توقيع ومنح شواهد التسليم المؤقت لتجزئات عقارية دون إلزام ملاكيها بأداء نسبة 25 في المائة المتبقية من مجموع الرسم المفروض على عملية تجزيء العقارات، ودون مراجعة القيمة الإجمالية لتكلفة أشغال التجهيز للتأكد من القيمة الحقيقية لمبلغ الرسم المستحق للجماعة، مما يخالف مقتضيات قانون الجبايات المحلية. وعلى مستوى تدبير المصاريف، سجلت المفتشية عدم تصفية العديد من الصفقات وسندات الطلب التي انتهت أشغالها أو تم تسلم الطلبيات الخاصة بها، بالإضافة إلى عدم إنجاز مجموعة من الأثمان في بعض الصفقات مما يشكل ضعفا للدراسات وخرقا لقواعد المنافسة، والتغيير في موضوع الصفقات، وعدم احترام مبدأ المنافسة في الحصول على الطلبيات العمومية، فضلا عن إبرام صفقات لتسوية وضعية أشغال تم إنجازها من قبل.

وقامت المفتشية العامة لوزارة الداخلية بما لا يقل عن 200 مهمة افتحاص خلال السنة الماضية، منها 12 مهمة تتعلق بالتدقيق في العمليات المالية والحسابية للجهات، وذلك بشكل مشترك مع المفتشية العامة للمالية، و73 مهمة تتعلق بالتدقيق في العمليات المالية والمحاسباتية لمجالس العمالات والأقاليم، وباقي المهام ستشمل الجماعات الترابية.

الآن كرأي عام نريد أن نعرف مآل كل هذه التقارير التي حصرت كل هذه الكوارث والجرائم، هل ستظل في رفوف الداخلية أم أن القضاء سيدخل على الخط لتطبيق القانون والضرب بيد من حديد على أيدي لصوص المال العام وإرجاع أموال دافعي الضرائب إلى خزائن الدولة ؟

إن الشعب لا يريد الاكتفاء بسجن لصوص الجماعات والجهات لكي يصرف من جيوبه على إقامتهم وتغذيتهم وتطبيقهم داخل السجون، بل يريد من القضاء أن يحجز ويصادر أموالهم وممتلكاتهم وممتلكات وأموال زوجاتهم وأبنائهم التي راكموها خلال تحملهم للمسؤولية، قبل أن يفروا جميعهم إلى الخارج كما صنع عمدة طنجة السابق فؤاد العماري الذي «هاجر» إلى لندن بمبرر دراسة اللغة الإنجليزية، «على قلة معاهد تعلم اللغة فالمغرب».

أما أن يعيش رئيس جماعة راشد وعاقل قصة حب مع رئيسة جماعة راشدة وعاقلة فتلك «محاينهم»، المهم «حنا يبعدو لينا غي على الميزانية».

بعبارة أخرى الشعب يريد معرفة أسماء المسؤولين الذين تورطوا في خيانة الأمانة، أما الخيانة الزوجية فشأن لا يهم سوى أصحابها.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.