آخر الأخبار

خيوط العنكبوت وبيت العنكبوت

جاء في محكم التنزيل في سورة العنكبوت الآية 41: (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون). بعدها يقر القرآن أن الله يعلم إلى أين يتجه الناس فقال (إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم) ثم يختم بأن هذه الأمثال تضرب للناس ولكن من يقدرها حق قدرها هو العالم. تأمل الآية (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون). في هذا الصدد هناك طريقتان للتعامل مع الآيات الأول التعجب والتسبيح، والثاني الدراسة الميدانية حتى نفهم الآية بتفصيل. وهو ما حصل لدراسة العنكبوت وخيوطه، وكيف ينقر العصفور في الشجر، وكيف يعيش الدب في البرد وقوة سباحته في مياه القطب، وحفلة زفاف العقرب التي تدوم أسابيع وليلة الدخلة عند العنكبوت حين تلتهم زوجها المسكين بعد الاتصال الجنسي، وكيف تصمد العقارب للسلاح النووي، ولماذا طال عمر السلحفاة، ودماغ الفيل الذي يحوي 257 مليار خلية أكثر من دماغ الإنسان بمرتين ونصف مع ذلك فهو يبقى في الفصيلة الحيوانية بسبب تركز النورونات (الخلايا العصبية في المخيخ لتنظيم الحركة)، في حين أن دماغ الإنسان يحوي مائة مليار خلية مركزة في الدماغ العلوي بحيث يشع منها الوعي والحكمة، ومنها موضوع الجينات وكيف كان مقدار الحمض النووي بيننا وبين الشمبانزي متقاربا إلى حد أكثر من تسعين بالمائة ومع ذلك يبقى القرد قردا ويبقى الإنسان إنسانا، إلا إن كان في مجلس الشعب السوري فهنا يتحول إلى مجموعات من قرود البابون في صورة آدمية، وليست سوريا النموذج الوحيد لهذا التحول.
وفي القرآن إشارة إلى تحول البشر إلى ثلاثة أشكال مع المعاصي وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. والحافة هي العقل النقدي والتأمل والمراجعة والفردية والاستقلال في القرارات والطاعة.
كل هذا الكلم أردت الدخول به إلى موضوع مازلت حائرا في ضبطه والإجابة عنه بين بيت العنكبوت وخيط العنكبوت؟ فالقرآن يشير إلى أن أوهن البيوت هو بيت العنكبوت، ولكن العلم الحديث يشير إلى أن خيوط العنكبوت هي أصلب من الفولاذ فكيف يمكن فهم المسألتين؟
لقد استطاع الباحثون في جامعة بيرويت الألمانية (Bayreuth) من تصنيع خيوط العنكبوت، بنفس الصفات من المتانة والمطاطية كما في الطبيعة، ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف فقد فككوا للمرة الأولى التفصيلات في كيفية صناعة العنكبوت لخيطانها المميزة، فقد قلدوها في المخبر تماما كما تفعل، ولكن كيف تصنع العنكبوت خيطانها؟ حسبما لاحظ الباحثون، فإن العنكبوت أول ما تفعل صناعة كرات من بروتينات حرير خصوصية (في حدود سبعة بروتينات كما أشارت لذلك قناة الديسكفري) وتخزنها في غدة خاصة للغزل، وعند الحاجة تعصر الغدة هذه البروتينات، لتنكمش على نفسها آنذاك، ومنه يتشكل الخيط، وتقوم العنكبوت وبواسطة الساق الخلفية تستخرج الخيط من قناة الغزل، وفي الواقع فإن المدهش هو ليس في عملية الغزل وإنما كيف تحضر العنكبوت الحرير. هذا ما قاله الباحث توماس شايبل (Thomas Scheibel) رئيس فريق الدراسة، أن بروتينات الحرير تهيأ بحيث أنها لا تنكمش مع بعضها البعض في نفس الوقت، بل تكون جاهزة لطلب حين صناعة الخيط، وتعتبر خيوط العنكبوت من أكثر عناصر الطبيعة ثباتا وقوة وبإمكانها للمثال أن تحسن آليات أكياس الصدمة في السيارات، أو صناعة (صدريات) ممتازة ضد ضربات الرصاص يلبسها رجال البوليس ومكافحي الإرهاب، بل وحتى لحماية صدور الشخصيات المهمة في المناسبات الخطيرة، ولكن تبقى مشكلة حماية الجماجم وهي أهم.
وحسب تحري قوة الخيط فيمكن لخيط مضفور من خيطان العنكبوت بغلظ أصبع أن يوقف طيران بوينج 777 في قمة اندفاعها، وذكر في التاريخ أن جنكيزخان كان يحمي صدور مقاتليه بقمصان من خيوط العنكبوت ولا ندري؟
لكن الأكيد أن هذه الخيطان يمكن استخدامها في العلاج الطبي للجروح، بسبب تأثيرها الشافي للإصابات، وكذلك من أجل تصفيح الشرايين الصناعية داخليا مثل دعامة حافظة.
لقد أسس الدكتور (توماس شايبل) صناعة جديدة لشركته (Amsilk) لإنتاج الحديد البيولوجي (Biosteel).
وقفت أنا طويلا بين كلمتي خيط العنكبوت وبيت العنكبوت ورجعت إلى الجوجل لأجد أن الكثيرين وقفوا أمام هذا التناقض لو صح التعبير، ومن الجميل في اٍلآية أنها أردفت بآية أخرى تقول أن الأمثال تضرب للناس وما يعقلها إلا العالمون.
روي عن أحد الصالحين قوله إنه إذا مر على مثل في القرآن وهي كثيرة عن النمل والنحل والطير وهم يوزعون والهدهد الحكيم والفيل والبقرة فكان يبكي ويردد الويل لي إن لم أفهمها فأنا لست من العالمين.
كل من كتب فرق بين البيت والخيط، وهنا جدل يجب استيعابه، فقد يكون الخيط من أمتن ما يمكن والبيت من أضعف ما يمكن، وفي القرآن أنه يخلق من الموت الحياة وبالعكس، ومن القوة ضعفا وبالعكس، ومن بين فرث ودم لبنا سائغا للشاربين.
أنا ما زلت على قول الصالح أنني أبكي على نفسي لأنني لم أصل إلى قرارة الفهم التي تريحني في هذه الآية فمن فتح الله عليه ووصل إلى تلك القناعة العميقة فليراسلني وأنا له من الشاكرين.

نبذة عن الكاتب

كاتب و مفكر

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة