دار الورثة

دار الورثة

مع كل استحقاق انتخابي يتضح أن العملية السياسية هي في النهاية مسألة عائلية. فالمرشح يرشح معه أبناءه وزوجته وأمه، ومنهم من يغادر منصبه في الجماعة أو البلدية ويورثه لعائلته كما لو كان رسما عقاريا.

ومن غرائب الانتخابات الجماعية والجهوية التي جرت يوم 4 شتنبر، أنها كشفت توريث العضوية بالمجالس المنتخبة للأبناء والأحفاد والأصهار، وكذلك توريث مناصب رئاسة بعض الجماعات، وهذه العدوى لم تعد مقتصرة على الأحزاب التقليدية بل وصلت إلى حزب العدالة والتنمية الذي يدعي احترام المساطر القانونية والديمقراطية الداخلية.

ولنبدأ من عزيز رباح، وزير التجهيز والنقل، وعضو الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، الذي خاض معركة حامية الوطيس إلى جانب زميله محمد مبديع، وزير الوظيفة العمومية، وهدد بالاستقالة من الحكومة “حبا” في كرسي بلدية القنيطرة، وذلك من أجل تعديل مادة بالقانون التنظيمي للحكومة كانت تنص على تنافي المنصب الوزاري مع منصب رئيس مجلس جماعي، وبعد ظهور نتائج الانتخابات، نجح رباح في “تبليص” أشخاص مقربين منه عائليا وأعضاء موالين له داخل الحزب في مواقع مسؤولية تدبير الشأن العام بالمجالس البلدية والجهوية، فبعد حصوله على رئاسة المجلس البلدي لمدينة القنيطرة لولاية ثانية، قام بتنصيب صهره أحمد الهيقي نائبا له بنفس المجلس بعدما ضمن الفوز بمقعد ضمن لائحة رباح، كما نجح الوزير “الطامح” لقيادة حزب العدالة والتنمية في فرض مدير ديوانه محمد الصديقي لكي يكون مرشح الحزب لمنصب عمدة الرباط في مواجهة قياديين بارزين بالحزب بينهم أعضاء بالأمانة العامة، وبمقاطعة يعقوب المنصور بالرباط، رشح رباح ابنته جهاد رفقة زوجها محمد أمين الدهاوي، وكلاهما أصبحا مستشارين جماعيين بمجلس المقاطعة، وكان رباح يضغط لتنصيب ابنته في منصب مهم بمجلس مدينة الرباط لكي تحصل على التعويضات والامتيازات التي يستفيد منها أعضاء مكتب المجلس، لولا تدخل بعض القياديين بالحزب خوفا من “الفضيحة”.

وبمدينة المحمدية، تفجرت فضيحة من العيار الثقيل وصل صداها إلى الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية، عندما تحايل حسن عنترة رئيس المجلس البلدي المنتخب عن نفس الحزب على وكيلة اللائحة النسائية، إيمان صبير، وقام باقتراح زوجته زهرة فرحاني، التي حلت في المرتبة الثانية في ترتيب اللائحة النسائية نائبة رابعة له في المكتب المسير، وهو القرار الذي جلب لرئيس المجلس البلدي للمحمدية، انتقادات واسعة، كونه أقصى “وكيلة” لائحة الجزء الثاني المخصص للنساء نهائيا من تشكيلة المكتب.

وتكرر نفس الأمر بمدينة فاس، حيث فاز القيادي بحزب العدالة والتنمية، عز الدين الشيخ في الانتخابات رفقة زوجته، نادية القنصوري، وأثناء تشكيل مكتب مجلس المدينة ومجالس المقاطعات، حصل هو على رئاسة مقاطعة المرينيين، فيما حصلت زوجته على منصب نائبة عمدة المدينة، الوزير إدريس الأزمي الإدريسي.

وفي مدينة تمارة ضمت لائحة حزب العدالة والتنمية التي تزعمها البرلماني موح الرجدالي إلى جانب عبد الحق العربي، المستشار بديوان رئيس الحكومة، أربعة أفراد من عائلة واحدة، ويتعلق الأمر بالبرلماني الذي نجح في اللائحة الوطنية للشباب، سعد حازم مسنودا بزوجته ايمان الاناجي ووالدته نعيمة بنبيجي ووالده الأستاذ المتقاعد رشيد حازم، القيادي بحركة التوحيد والإصلاح.

وتعتبر الجماعة القروية النويرات المتواجدة بنفوذ إقليم سيدي قاسم من بين الجماعات التي كان يترأسها البرلماني امحمد لعسل عن حزب العهد الديمقراطي التي ورثها لابنه هشام لعسل، بعدما مهد له كل السبل للظفر برئاستها حيث انتقل البرلماني الوالد الذي حط الرحال من جديد بمدينة مشرع بلقصيري التي كان يترأس مجلسها البلدي باسم الحركة الشعبية التي فاز فيها بمقعد بدائرته الانتخابية، واستطاع إزاحة محمد جسوس من المجلس البلدي، ليضع مكانه المحامي عبد الرحيم نظير من حزبه العهد الديمقراطي، في محاولة لبسط نفوذه على المنطقة استعدادا للانتخابات البرلمانية المقبلة.

وبإقليم سيدي سليمان لم يفوت إدريس الراضي مهندس الخريطة الانتخابية بمنطقة الغرب الفرصة لتوريث منصب رئيس المجلس الإقليمي لنجله ياسين الراضي، الذي يعتبر أصغر برلماني بمجلس النواب، وذلك بعدما ترك له والده الكرسي، بعد حصوله على كرسي رئاسة غرفة الفلاحة بجهة الرباط سلا القنيطرة، وفوت الراضي المجلس الإقليمي لنجله، ليرد له الاعتبار إثر هزيمته في الحصول على كرسي رئاسة المجلس البلدي، الذي فاز برئاسته محمد الحفياني عن حزب العدالة والتنمية بتحالف مع الرئيس السابق الذي ترشح وكيلا للائحة الحركة الشعبية، بعد عزله من رئاسة المجلس السابق بقرار وقعه رئيس الحكومة بنفسه، ولم يكتف الراضي بهذه المناصب، بل نصب نجله الأكبر نائبا أول لرئيس مجلس جماعة “القصيبية”، التي يترأسها عمه عبد الواحد الراضي، أقدم برلماني بالمغرب، ويتربع على رئاسة هذه الجماعة منذ عقود.

وبالجماعة القروية سيدي علال التازي التابعة لنفوذ إقليم القنيطرة ترك مصطفى برقية عن حزب الاستقلال منصبه كرئيس لنجله الصيدلي حاتم بعدما تخلى عن الترشح في دائرته الانتخابية، حيث قام برقية بحملة لصالح ابنه بالجماعة القروية واستطاع حزب الميزان الفوز بأغلبية المقاعد لتؤول الرئاسة لنجل برقية الشاب بعدما تمكن والده الذي نسج علاقات مع الفلاحين في تدليل كل الصعاب لنجله الذي تربع على كرسي الرئاسة.

أما بضواحي سوق الأربعاء الغرب فرغم أن جواد غريب البرلماني عن حزب الأحرار لم يتمكن من الظفر بمجلسها البلدي من جديد رغم تحقيقه لنتائج مهمة بعدما تخلى عنه حزب العدالة والتنمية الذي دعم عبد الحق البدوي عن حزب الاستقلال، إلا أن جواد غريب ضمن لنجله حمودة البالغ من العمر 30 سنة نيل رئاسة الجماعة القروية “سيدي محمد لحمر”، ودخل والده البرلماني عن حزب الحمامة في حرب طاحنة على واجهتين بالجماعة القروية لدعم ابنه وتمكينه من أغلبية مريحة.

وبإقليم ابن سليمان، تمكنت إكرام بوعبيد، وهي طالبة لا يتجاوز عمرها 21 سنة من الفوز برئاسة جماعة تسمى “أولاد علي الطوالع”، وهي نفس الجماعة التي كان يترأسها قبلها والدها مصطفى بوعبيد لمدة 18 سنة، وقبله ترأسها عمها لمدة 23 سنة، وقبلهم جميعا كان جدها هو أول رئيس للجماعة، وكان ذلك سنة 1954، وترأسها لمدة 20 سنة، قبل أن يورثها لأبنائه وأحفاده.

وببلدية الهرهورة التي فاز برئاستها الاستقلالي فوزي بنعلال لولاية ثالثة، ورشح في الانتخابات شقيقه وأبناءه، نجح إلى جانبه ابنه ياسر الذي ينوب عنه في تسيير المجلس، وبمدينة تاونات، ورث الوزير التجمعي، محمد عبو، رئاسة مجلس جماعة “بني وليد” عن والده الحاج محمد عبو، الذي فاز بدروه في الانتخابات المهنية، برئاسة غرفة الفلاحة بجهة فاس مكناس، فيما حصل ابنه الوزير على رئاسة المجلس الجماعي.

وكذلك شباط الذي فاز في الانتخابات الجماعية والجهوية، وحصل على العضوية بمجلس مدينة فاس وبمجلس الجهة إلى جانب زوجته التي فازت بالعضوية بمقاطعة زواغة بنسودة وبمجلس المدينة، فيما فاز نجله الأكبر نوفل برئاسة جماعة “خميس البرارحة” بنواحي تازة التي تعتبر مسقط رأس شباط بقبيلة “البرانس”، فيما لم يتمكن زوج ابنته الوحيدة ريم من الفوز في الانتخابات بمقاطعة “فاس المدينة”.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *