MGPAP_Top

دار لقمان (2/1)

دار لقمان (2/1)

بمجرد جلوسه على كرسي رئاسة مجلس المستشارين، قرر حكيم بنشماش إعطاء السادة المستشارين تعويضا قدره 800 درهم من أجل دفعهم إلى حضور دورات المجلس، والحال أنه كان يجب عليه أن يعلن أنه سيقوم بخصم 800 درهم من راتب كل مستشار يتغيب عن المجلس بدون عذر.
وإنها لمفارقة عجيبة أن يتعهد عبد الإله بنكيران بإعطاء الأرامل 800 درهم في الشهر، فيما رئيس مجلس المستشارين يتعهد بإعطاء المستشارين 800 درهم عن كل يوم يحضرون فيه مجلس المستشارين. وكان بنشماش قد قال في ندوة إن هذه المنحة هي دعم استثنائي مرتبط بقانون المالية وسبق أن استفاد منه البرلمانيون المقيمون خارج الرباط، وإنه مشروط بالحضور في اللجان.
لكن بعدما أثارت فكرة بنشماش سخرية سكان العالم الأزرق المقدرين بحوالي سبعة ملايين مغربي لاجئ في الفيسبوك، نشر موقع يديره مدير ديوانه على لسان بنشماش خبرا يقول إن منحة 800 درهم للمستشارين شائعة الهدف منها تلطيخ سمعة المجلس في عهده.
والمصيبة أن كل هذه الأموال التي تصرف على حضور السادة البرلمانيين تشبه كثيرا «كبان الما فالرملة». فرغم الوقت الذي استغرقه مجلس المستشارين في دراسة وتعديل مشروع قانون المالية لسنة 2016، وما رافقه من هدر للمال العام في تعويضات حضور المستشارين، عاد هذا القانون إلى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، في إطار القراءة الثانية، وصوتت اللجنة بالأغلبية على إلغاء جل التعديلات التي أدخلها مجلس المستشارين عن طريق التصويت، عدا قبول بعض التعديلات الشكلية والتعديلات التي أدخلتها الحكومة على بعض المواد، ورجع القانون إلى الصيغة الأصلية التي صادق عليها مجلس النواب في قراءته الأولى، قبل إحالته على مجلس المستشارين.
مما يطرح أسئلة دستورية حول صلاحيات الغرفة البرلمانية الثانية التي تكلف سنويا حوالي 30 مليار سنتيم من أموال دافعي الضرائب.
ومن بين المواد التي تم «إسقاطها» في إطار القراءة الثانية، المادة 98 من المدونة العامة للضرائب في مشروع قانون المالية، والتي تم تعديلها من طرف فرق المعارضة بالغرفة الثانية، وتقضي برفع الضريبة على القيمة المضافة من 20 إلى 30 في المائة على مجموعة من المواد التي تصنف ضمن الكماليات، ومنها السيارات التي تعادل قيمتها أو تفوق مليون درهم دون احتساب الرسوم، واليخوت والطائرات الخاصة والحلي والمجوهرات والرخام المستورد والزليج المستورد.
ومن بين تعديلات معارضة الغرفة الثانية التي أسقطتها الحكومة وأغلبيتها البرلمانية، التعديل المتعلق بالإبقاء على ضريبة نقل المسافرين والبضائع بالنقل السككي ضمن الأسعار المخفضة بنسبة 14 في المائة، عوض 20 في المائة الواردة في مشروع قانون المالية لسنة 2016.
مما يعني أن كل هذا «الاستثمار» في حضور المستشارين لا فائدة منه، والدليل أنهم حتى إذا هم حضروا فإن تعديلاتهم لا تؤخذ بعين الاعتبار، مما يطرح مشكل جودة التعديلات، أو فقرها على الأرجح.
والواقع أن حكيم بنشماش بدأ ولايته الأولى على رأس مجلس المستشارين بالتطبيع مع الريع المستشري داخل الغرفة البرلمانية الثانية منذ سنوات، فقد منح بنشماش مجموعة من الامتيازات للمستشارين لم تكن في عهد الرؤساء السابقين.
فبالإضافة إلى التعويضات الشهرية التي يحصل عليها المستشارون، والتي تقدر بـ36 ألف درهم، زادهم بنشماش تعويضا يوميا بمبلغ 800 درهم مقابل الحضور في اجتماعات اللجان البرلمانية والجلسات العامة، ويحصل المستشارون على هذا المبلغ «كاش» لأداء فواتير الإقامة بفنادق الرباط، كما سيتكلف البرلمان بأداء ثمن وقود السيارات الشخصية للمستشارين ونفقات تنقلهم عبر الطرق السيارة.
ورغم أن مجلس المستشارين يخصص ميزانية مهمة لحظيرة سياراته التي يحتكرها أعضاء المكتب، وستكلف في قانون المالية للسنة المقبلة، 100 مليون سنتيم مخصصة للصيانة والإصلاح، و150 مليون سنتيم لشراء الوقود والزيوت، و35 مليونا لتأمين السيارات والسائقين، و6 ملايين لأداء الرسم السنوي الخاص بالعربات الآلية، و11 مليون سنتيم لشراء تذاكر الطريق السيار، فسيكلف نقل السادة المستشارين البرلمانيين والموظفين داخل المغرب ما يناهز 240 مليون سنتيم، أما تعويضات التنقل داخل المغرب فستصل إلى 40 مليون سنتيم.
وهناك ريع آخر يسيل لعاب البرلمانيين، ويتعلق الأمر بالسفريات إلى الخارج، التي ستكلف المجلس ما يزيد عن مليار و530 مليون سنتيم، ستصرف منها 490 مليون سنتيم لنقل المستشارين والموظفين إلى الخارج، و400 مليون سنتيم ستصرف على شكل تعويضات يومية بالنسبة للمشاركين في المهام إلى الخارج، و120 مليون سنتيم لكراء السيارات، و330 مليون سنتيم للفندقة والإيواء والإطعام ومصاريف الاستقبال، أما الهدايا المقدمة للوفود الأجنبية فقد خصص لها مبلغ 70 مليون سنتيم، وهناك برلمانيون يحتكرون السفريات تحت غطاء المهام الدبلوماسية البرلمانية، بحيث لا ينزلون من طائرة إلا لكي يركبوا في أخرى.
أما ريع التوظيفات والترقيات، فلو أرسل إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، قضاته إلى المجلس لاكتشف العجب العجاب، ومنه فضيحة توظيف 20 موظفا كلهم من أبناء أعضاء مكتب المجلس السابق. وكان مجلس المستشارين قد أجرى مباراة لتوظيف 20 شخصا لشغل مناصب شاغرة، لكن المثير في هذه المباراة هو اكتشاف وجود أبناء برلمانيين كلهم أعضاء بمكتب المجلس ضمن لائحة المرشحين، والمصيبة أن النتائج أسفرت عن اجتيازهم الامتحان بنجاح، وبذلك ضمنوا مناصبهم داخل مكاتب المجلس، وعلى رأسهم بنت رئيس مصلحة الموارد البشرية بالمجلس، وهو ما أثار الكثير من التساؤلات حول معايير الشفافية والنزاهة في هذه التوظيفات.
والواقع أن هذه «الخردولة» التي طبخها هؤلاء لكي يأكل أبناؤهم غلتها راعوا التنوع الحزبي بشكل ديمقراطي، بحيث كشفت نتائج هذه المباراة أن لائحة أسماء المترشحين الذين «نجحوا» عن طريق اجتياز المباراة، هم ابن البرلماني فوزي بنعلال، النائب الأول لرئيس مجلس المستشارين عن حزب الاستقلال، الذي التحق بزوجته الموظفة بنفس المجلس.
وإلى جانب المستشار الاستقلالي نعثر على ابن البرلماني عبد الرحمان أوشن، النائب الخامس لرئيس مجلس المستشارين عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وابن البرلماني عبد المالك أفرياط، محاسب مكتب مجلس المستشارين عن فريق الفيدرالية الديمقراطية للشغل، الذي لم يكفه أنه وظف ابنه الأول فألحق به الثاني، وحفيد محاسب مجلس المستشارين عن فريق الأصالة والمعاصرة.

نبذة عن الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة