دفاعا عن القراءة في العالم العربي

دفاعا عن القراءة في العالم العربي

تعتبر القراءة من أهم وسائل التعلم الإنساني التي من خلالها يكتسب الإنسان العديد من المعارف والعلوم والأفكار وتفتح للإنسان آفاقاً جديدة، فهي تنقل الفرد من مستنقع الجهل والظلام إلى النور والعلم، ومن ثم الوصول به إلى درجات النضج الفكري والعقلي وتكوين شخصيته بأبعادها المختلفة، مما ينتج عنه حكمة في التعامل مع المواقف والمسؤوليات. كما أن صفات وخصائص الالتزام والوعي والاتزان هي صفات القارئ الجيد الذي تتنوع قراءاته. ومما يحبب القراءة إلى القلوب ما أثبتته بعض الدراسات العلمية الحديثة عن دور القراءة في تنشيط الذاكرة وجلب المعرفة الكمية والكيفية، وفتح أبواب التفكير والتأمل للعقل البشري للاستفادة من تجارب وخبرات الآخرين.
وتعد القراءة أحد أهم فنون اللغة الأربعة التي هي التحدث والاستماع والكتابة والقراءة، إذ أنها الطريق الواسع الذي يمدنا بالمعلومات عما يقع في الكون من أحداث وما يدور في البيئة من وقائع وما وصلت إليه البشرية من تطورات، وهي إلى جانب ذلك متعة تعين على ملء أوقات الفراغ بنشاط مثمر رشيد، وتنعكس على الجوانب الثقافية للشخصية، لذا فإنه ليس هنالك بين أهداف التربية هدف أبعد أثرا وأكثر فائدة من التوجيه إلى القراءة والكتاب باعتباره خير جليس.
فلا شك وأن القراءة في عهدنا الحالي لم تعد كما كانت في السابق، نظرا للتطور الحاصل على شتى المستويات، خصوصا على المستوى التقني والمعلومياتي. فما هو إذن دور القراءة وقيمتها؟ وهل المواطن العربي على العموم والمغربي على الخصوص مواطن قارئ؟ وما هو موقعهم في التقارير العالمية؟ وما هي الأسباب وراء عزوفهم عن القراءة؟
يشرح الكاتب الأرجنتيني آلبرتو مانغويل في كتابه «تاريخ القراءة»، قيمة القراءة كفعل بالغ الأهمية، ويعكس بعمق العلاقة الغامضة تقريبًا بين القارئ والكتاب. من يقرأ لا يشعر بالعزلة أبدا: «أعطتني القراءة عذرا مقبولا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزى لتلك العزلة المفروضة علي». القراءة هي طريق الروح لتذهب عميقًا في الحياة. وهي مرعبة للسلطات، أي سلطة كانت: «إن النظم الشمولية ليست الوحيدة التي تخشى القراءة. بل وحتى ساحات المدارس، وفي خزائن الملابس، وفي دوائر الدولة والسجون تجري مراقبة جمهرة القراء بعين الارتياب، نظرًا لما يشعر المرء به من سلطان القراءة وقوتها الكامنة».
وفي عصرنا الحالي أصبح المنافس الحقيقي للكتب هو الأنترنت، حيث يختار العديد من القراء الأنترنت كوسيلة للمطالعة وهو ما يبدو واضحا من خلال عدد المتصفحين للجرائد الإلكترونية وللكتب التي يتم نشرها عن طريق الأنترنت، لكن في هذه الناحية يتفوق الكتاب عن الأنترنت من ناحية جودة المعلومة نظرا للتدقيق الذي يخضع له هذا الأخير.
وتظهر معطيات نشرتها الأمم المتحدة حول عادات القراءة، أن معدل ما يقرؤه الفرد في أرجاء العالم العربي سنويا هو ربع صفحة فقط. وأظهر تقرير أصدرته مؤسسة الفكر العربي أن متوسط قراءة الفرد الأوروبي يبلغ نحو 200 ساعة سنويا، بينما لا يتعدى المتوسط العربي 6 دقائق. وتشير مختلف الدراسات والإحصاءات حول معدلات القراءة في العالم العربي، والتي تظهر أن معدل قراءة المواطن العربي سنويا ربع صفحة، في الوقت الذي تبين فيه أن معدل قراءة الأمريكي 11 كتابا، والبريطاني سبعة كتب في العام.
وتبين الدراسات كذلك أن إجمالي ما تنتجه الدول العربية من الكتب يساوي 1.1 في المائة من الإنتاج العالمي لا أكثر، رغم أن نسبة سكان الوطن العربي من سكان العالم تزيد على 5 في المائة حسب إحصاءات 2006، بينما يُطبع من الكتب باللغة الانكليزية 60 في المائة من مطبوعات الكتب إجمالا.
وتشير الدراسات نفسها أن الطفل العربي لا يقرأ سوى ست دقائق خارج المنهج الدراسي، رغم ما للقراءة والمطالعة خارج المنهج من أثر كبير على المستوى التعليمي للطالب، ويقرأ كل 20 عربيا كتاباً واحداً، بينما يقرأ كل بريطاني سبع كتب، أي ما يعادل ما يقرؤه 140 عربيا، ويقرأ كل أمريكي 11 كتاباً أي ما يعادل ما يقرؤه 220 عربيا.
أما عن مطبوعات الكتب، ففي عام 2005 طبعت المملكة المتحدة 206 آلاف عنوان جديد مقابل 107.263 عام 1996، وفي الولايات المتحدة الأمريكية طبعت 172 ألف عنوان جديد عام 2005 مقابل 68175 عنواناً جديداً عام 1996، أما مطبوعات الدول العربية من العناوين الجديدة في عام 1996، على سبيل المثال لا الحصر، فعُمان لم تطبع سوى سبع عناوين، قطر 209، الأردن 511، ومصر 1917، وأصدرت السعودية 3900 كتاباً جديداً، بينما أصدرت إسرائيل وحدها 2310 كتب في ذات العام، و4000 كتاب عام 2005، ولكن لا وجه للمقارنة بين عدد سكان الدول العربية وإسرائيل، ولم يتسن الحصول على إحصاءات حديثة عن الدول العربية (الإحصاءات من موقعي اليونسكو وموسوعة ويكبيديا).
أما عن مستوى الصحافة فحسب إحصاءات عام 1997 فهناك 14 صحيفة لكل ألف من السكان في مصر، ثمانية في الأردن، خمس في عُمان، و1509 في الولايات المتحدة (موقع اليونسكو).
على صعيد الترجمة فنصيب كل مليون مواطن عربي من الكتب المترجمة يساوي4.4 كتاب، بينما يبلغ نصيب كل مليون إسرائيلي 380 كتابا، وكل مليون مجري 500 كتاب، وكل مليون إسباني ما يقارب 950 كتابا.
أما عن سوق الكتب، في الولايات المتحدة الأمريكية فحوالي 30 مليار دولار، ونحو 10 مليارات دولار في اليابان، وتسعة مليارات دولار في بريطانيا، وتبلغ مبيعات الكتب إجمالا في كل أنحاء العالم 88 مليار دولار، منها 1 في المائة فقط نصيب العالم العربي.
ووضع التقرير العالمي لرصد التعليم للجميع 2014/2013 عن منظمة «اليونسكو» المغرب ضمن أسوأ 21 دولة في مجال التعليم إلى جانب موريتانيا والهند وباكستان و17 بلدا من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. وكشف التقرير الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة تذيل المغرب إلى جانب موريتانيا القائمة التي توفرت بياناتها، في حين أن مجموعة من البلدان الأخرى بما فيها تلك التي تشهد صراعات وحروبا تتقدم المغرب. وأوضح هذا التقرير المعنون بـ: «التعليم والتعلم: تحقيق الجودة للجميع» أن أكثر من نصف عدد التلاميذ المغاربة، لا يتعلمون ما يلزمهم من مهارات أساسية في القراءة.
وحسب التقرير أيضا، فإن نسبة الأمية بالمغرب، ارتفعت ما بين 1985-1994 من معدل معرفة القراءة والكتابة إلى 42 في المائة، فيما ارتفعت ما بين 2005-2011 إلى 56 في المائة، بينما توقعت المنظمة الأممية وصول نسبة الأمية بالمغرب إلى أزيد من نصف الساكنة، حيث توقعت أنه بحلول سنة 2015 سيصل معدل الأمية إلى 62 في المائة.
إن السبب وراء العزوف عن القراءة من وجهة نظر باحثين، يعود إلى أن الإنسان أصبح يعرف أن الكتاب أو الصحيفة أو المجلة ليست مصدر المعرفة الوحيد، فهناك التلفزيون والفيديو والأنترنت وغيرها من الوسائل التي تجمع بين متع متنوعة في نفس الوقت مثل النظر والسمع والإثارة والراحة والسهولة وأخيراً الفائدة. فالقراءة كما يقول الباحثون تعد أكثر صعوبة من جميع هذه الوسائل فهي تحتاج إلى التركيز، كما أن الرواية التي يمكن أن تشاهدها في التلفزيون خلال ساعتين يمكن أن تستغرق يومين أو ثلاثة أيام من القراءة الجادة.
إن الأسباب الرئيسية كذلك وراء العزوف عن القراءة هو إهمال الأسرة لتنشئة أبنائها على القراءة منذ الطفولة، وإذا لم يتم غرسها مبكراً فإنه يصعب بعد ذلك التعود عليها. فأول تجربة هذا القارئ مع الكتاب تكون في الغالب تجربة الكتاب المدرسي الذي يصاحبه الإلزام والواجب والاختبار، ومن ثم نجده ينفر من الكتاب لأنه يمثل له هذه الخبرات غير الممتعة. خصوصا في حالة انعدام القدوة المتمثلة في الأم القارئة والأب القارئ، نظرا لما لهما من أثر خطير على عملية التنشئة في بيئة لا يشكل الكتاب فيها أية أولوية أو أهمية.
يقول الأديب الفرنسي جورج ديهاميل في كتابه «دفاعا عن الأدب»، «لو أنني كنت أجهل قدرة الألفاظ لاستطعت أن أدركها في تلك الساعة، وهذا يعني أن مصير الحضارة معلق بمصير الكتاب…» ويرى ديهاميل أن مستقبل الكتاب متوقف إلى حد كبير جدا على عزم وإرادة الأساتذة، لأن اليوم الذي سيتخلى فيه الأساتذة (الذين هم خير أعواننا في الدفاع عن الحضارة) عن غرس قداسة الكتب في نفوس الأطفال سيكون يوم تهيئ الإنسانية لبربرية جديدة». ويعتبر أنه «بدون الكتاب الذي هو مستودع تراثنا الروحي ستصبح حياة الفرد وحياة الجماعة عرضة لأن تهوي في نوع من البربرية لن يستطيع على الأرجح أبناؤنا ولا أحفادنا أن يروا لها نهاية».
في النهاية، وجب التأكيد على أن القراءة تعتبر من الوسائل الرئيسية والأساسية من أجل تطوير المجتمع والمساهمة في تنميته، لهذا يجب العمل على تحبيب القراءة لدى المواطن ولدى الطفل بالأساس منذ الصغر، والعمل على محاربة الأمية، وعلى الشباب كذلك المساهمة بمجهودهم في حل هذه المشكلة، فالشباب خاصة طلاب وطالبات الجامعات هم أمل هذه البلاد الحقيقي لحل مشكلة محو الأمية، فهم الشموع التي تضيء ظلام الجهل وتضع لبنات حقيقية في بناء مستقبل المملكة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث جامعي في العلوم والتقنيات الضريبية

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: !!حقوق النسخ محفوظة